مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: فن التلطيف والتخفيف (نكسة 67 نموذجا)

كان اختيار كلمة "نكسة" بدلاً من "هزيمة" محاولة لتقليل أثر الحدث في الوعي الشعبي، بل وترك الباب مفتوحاً لإمكانية "العودة" وكأنَّها مجرد عثرة في الطريق

مشاركة:
حجم الخط:

في ثقافتنا الشعبية، نميل إلى “التلطيف” في استخدام التوصيفات، ونبالغ فيها، وفي استخداماتها، حتى لتغدو الكلمة الجديدة على عكس المقصود منها تماماً.

على سبيل المثال، نقول: فلان “بصير” والمعنى أنَّه “أعمى”، ونقول عن المريض إنَّه “بعافية حبتين”

ونقول عن “تخفيض قيمة العملة الوطنية” “إصلاح اقتصادي”!

ونقول عن “رفع أسعار” السلع والخدمات “تحريك أسعار”، ونقول، كعربٍ، عن كثير من سياسات الخضوع وقبول الإهانات الدولية، وعن عدم القدرة على الردِّ “صبر استراتيجي”!

شيء من هذا حدث في نكسة 1967، فالهزيمة التي دمَّرت كلَّ شيء، والزلزال الذي لم يُبقِ شيئاً ولم يذر، والعاصفة التي قضت على الأخضر واليابس، والنيران التي اشتعلت في كلِّ أرجاء الوطن، أصبحت مجرد “نكسة”!

د. أيمن منصور ندا يكتب: لجنة من رحم المشكلة!

د. أيمن منصور ندا يكتب: قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (1- 12)

النكسة في اللغة العربية مُشتقَّة من الفعل “نَكَسَ”

ويعني: قَلَبَ الشيء على رأسه أو طأطأ رأسه، ودلاليَّاً تعني “الرجوع إلى حال أسوأ بعد تحسن”أو “التراجع بعد التقدم” كما في القول “أُصيب بنكسة” أو “انتكس”، أي عاد إليه المرض بعد تحسن.

وكان اختيار كلمة “نكسة” بدلاً من “هزيمة” محاولة لتقليل أثر الحدث في الوعي الشعبي، بل وترك الباب مفتوحاً لإمكانية “العودة” وكأنَّها مجرد عثرة في الطريق.

كان هذا الاستخدام جزءاً من استراتيجية نظام الرئيس عبد الناصر للحفاظ على شرعيته، وامتصاص الغضب الجماهيري.

كان المقصود أنَّ النكسة ضربة موجعة

ولكنَّها ليست نهاية الطريق، والاعتراف بوجود حالة تراجع وانتكاس، دون الاعتراف بالهزيمة الكاملة.

كان استخدام مصطلح “النكسة” جزءاً من خطاب إنكاري وتبريري، تمَّ فيه إخفاء الفشل وراء لغة مخفَّفة، بدلاً من المكاشفة، والمصارحة الكاملة، والإصلاح الجذري الكامل.

ومن المضحكات المبكيات

أنَّ “المعنى” المقصود قد انقلب إلى ضدِّه تماماً في الوعي الشعبي، فبدلاً من استخدام النكسة للتخفيف من آثار الهزيمة، فإذا بها تصبح في معناها أقوى، وأكثر قوة في التعبير عن الانهيار، والدمار، والهزيمة الساحقة الماحقة لدى الشعوب العربية.

لقد أصبحت كلمة النكسة أشدَّ في وقعها من كلمة الهزيمة المروِّعة، وأكثر إيلاماً من أي وصف للدمار الشامل!

في لقاءٍ تليفزيوني للأستاذ محمد حسنين هيكل، مهندس النكسة، وأبرز المشاركين فيها، وصاحب الحقِّ الحصري للمصطلح

أشار إلى أنَّه “إذا كنَّا أمام هزيمة، فالهزيمة تقتضي تغييراً في السياسات واسع المدى، وإذا كنَّا قدَّام فشل، فالفشل يقتضي العودة إلى نفس الأهداف، ولكن بأساليب أخرى”

وهو المعنى ذاته الذي أشار إليه في حديث صحفي منشور عند سؤاله عن مصدر تعبير “النكسة”:

“كيف أكتب أنَّها هزيمة والجبهة السورية تقاتل؟! كان اعتقادي أنَّنا أمام عثرة مؤقَّتة”

وفي حديث آخر، أشار إلى الفكرة ذاتها

“هزيمة تعني تسليم الطرف الآخر، لكن إذا رفض الطرف الاستسلام، فهو غير مهزوم، ولذلك كانت تسمية “نكسة” أكثر ملاءمة”

والحقيقة أنَّ الأستاذ هيكل كان يكذب (بصراحة) ويكتب (لنفسه ولعبد الناصر) لا لمصر، عندما وصف ما حدث بأنَّه “نكسة” خاصة وأنَّه عاش ستة عقود بعدها (الوفاة، فبراير 2016) ولم يصوِّب رأيه، ولم يعتبرها أشدَّ الهزائم في تاريخنا العربي.

عاش هيكل ليرى أنَّ آثار النكسة لم تكن مؤقَّتة

ولم تكن عابرة، ورغم ذلك، فلم يغيِّر رأيه، ولم يعتذر عن تضليل الأمة..

كان هيكل وهو يكتب خطاب التنحي والهزيمة (9 يونيو 1967) أشبه بنكتة المذيع الذي كان ينقل خبر الهزيمة:

“قواتنا لم تُهزم بل قامت بـانسحاب تكتيكي استراتيجي طويل الأمد باتجاه ما وراء الحدود”

ويقال إنَّ أحد الجنود العائدين من الجبهة بعد النكسة روى لأصدقائه:

لما الطيارة الإسرائيلية كانت بتضربنا، سمعنا في الراديو إن طياراتنا اخترقت العمق الإسرائيلي!

فسأله أحدهم بدهشة: طب إزاي، وأنت شايف الطيارات بتتحرق هنا؟

فرد الجندي ساخراً: أصلها رجعت بسرعة من كتر الاحتراق!

والنكتة القائلة بأنَّ أحد الصحفيين سأل هيكل: “كلّ الناس قالت دي نكسة، حضرتك شايفها إيه؟

قال هيكل: أنا شايفها إعادة تموضع استراتيجي للروح القومية.

قال له: يعني إحنا خسرنا؟

قال له هيكل: لغوياً ممكن، لكن تاريخياً لسة هنشوف في الجزء الثاني من المقال”!

ونكتة الصحفي الذي سأل هيكل بعد النكسة:

“إيه اللي حصل”؟ فقال له: “حصل تراجع مفاجئ في الأداء القتالي بسبب سوء تنسيق في نقل الإمكانيات اللوجستية الاستراتيجية”

فقال له: “يعني خسرنا؟

فقال له : لا.. بس بنعيد ترتيب الأولويات من تحت!

للحديث بقية، غدا إن شاء الله.

شارك المقال: