هل يسقط الدولار في مضيق هرمز ؟
أي تغيير في قواعد التجارة المرتبطة بهذا المضيق لا يمكن اعتباره تفصيلًا اقتصاديًا صغيرًا، بل قد يكون مؤشرًا على تحولات أعمق في بنية النظام العالمي.

مضيق هرمز
إيران تدرس جدّيًا أن يكون المرور من مضيق هرمز باليوان الصيني
هكذا خرج علينا الخبر، خبرٌ قد يبدو للبعض عاديًا، أو على الأقل أقل أهمية من أخبار القنابل والصواريخ المتبادلة التي تملأ نشرات الأخبار هذه الأيام.
لكن الحقيقة أن التاريخ كثيرًا ما يثبت أن الحروب الكبرى لا تُحسم بالصواريخ وحدها، بل قد تُحسم أحيانًا بالعملات.
فالعالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يعيش تحت مظلة نظام اقتصادي تشكلت قواعده الأساسية بعد اتفاقية بريتون وودز، حين أصبح الدولار الأمريكي مركز النظام المالي العالمي.
لكن الهيمنة الحقيقية للدولار لم تترسخ فقط عبر البنوك والمؤسسات المالية، بل عبر سلعة واحدة هي الأكثر
أهمية في الاقتصاد العالمي: النفط
فمنذ سبعينيات القرن الماضي نشأ ما عُرف بنظام البترودولار، حيث أصبحت تجارة النفط العالمية تُسعَّر وتُدفع بالدولار.
وبذلك لم تعد الولايات المتحدة مجرد قوة اقتصادية كبرى، بل أصبحت عملتها هي اللغة التي يتحدث بها الاقتصاد العالمي.
ومن هنا تأتي خطورة الخبر المتعلق بمضيق هرمز
فـ مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان، بل هو أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
يمر عبره يوميًا ما يقارب خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، وهو الطريق الذي تعبر منه صادرات الخليج نحو آسيا وأوروبا.
لذلك فإن أي تغيير في قواعد التجارة المرتبطة بهذا المضيق لا يمكن اعتباره تفصيلًا اقتصاديًا صغيرًا، بل قد يكون مؤشرًا على تحولات أعمق في بنية النظام العالمي.
وهنا يظهر طرف ثالث في المعادلة، هو الصين.
فالصين اليوم هي أكبر مستورد للطاقة في العالم، وهي في الوقت نفسه تسعى منذ سنوات إلى تعزيز حضور عملتها، اليوان، في التجارة الدولية.
كما أن العلاقات الاقتصادية بين بكين وطهران شهدت توسعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل العقوبات الغربية المفروضة على إيران.
ولهذا فإن فكرة استخدام اليوان في تجارة النفط ليست مجرد خيار مالي، بل خطوة سياسية واقتصادية في آن واحد.
فإيران تبحث عن منفذ يخفف من ضغط العقوبات الأمريكية،
والصين تبحث عن فرصة لتعزيز مكانة عملتها في سوق الطاقة العالمي.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهدد هيمنة الدولار فعلًا؟
الحقيقة أن الدولار لا يستمد قوته فقط من تجارة النفط، بل أيضًا من قوة الاقتصاد الأمريكي، ومن عمق الأسواق المالية العالمية التي ما زالت تدور في فلكه.
ولهذا فإن سقوط الدولار – إن حدث يومًا – لن يكون حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا طويلًا من التحولات التدريجية.
ومع ذلك، فإن ما يجري اليوم قد يكون مؤشرًا على بداية تصدعات صغيرة في هذا النظام.
فالعالم لم يعد أحادي القطبية كما كان في العقود الماضية، والاقتصادات الكبرى باتت تبحث عن مساحات استقلال أكبر بعيدًا عن الهيمنة المالية الأمريكية.
ربما لا يبدأ سقوط الدولار غدً
وربما لا يسقط أصلًا بالمعنى الدرامي الذي يتخيله البعض.
لكن المؤكد أن فكرة أن الدولار هو العملة الوحيدة التي يدور حولها الاقتصاد العالمي لم تعد مسلَّمة كما كانت من قبل.
وهنا تكمن أهمية ذلك الخبر الصغير.
ففي زمن الحروب الكبرى، قد لا يكون أخطر ما يحدث هو إطلاق الصواريخ…
بل التغييرات الهادئة التي تجري في خرائط المال والاقتصاد.






