معصوم مرزوق يكتب: إيران عدو، صديق أم شريك؟
وهكذا، كنت بين مطرقة التعاطف الشعبي الجامح مع إيران، وبين سندان الموقف الرسمي ذي الحسابات الباردة للمصلحة القومية.

صورة تعبيرية للمقال
بين سندان التعاطف الشعبي والموقف الرسمي للحكومة
لقد كتبت ( وتحدثت مع وسائل إعلام مختلفة غير رسمية) فيما يزيد علي عشرين مقالاً حول الحرب ضد إيران ، وحرصت في كل ذلك أن أتناول الموضوع من عدة زوايا.
لقد وجدت في بعض ردود الفعل عنتاً شديداً من بعض المعلقين، وصل في بعضه إلي إتصالات هاتفية غاضبة تستحلفني ” بحق الصداقة ، وبحق الحرص علي تاريخي
” أن أسحب بعض هذه المقالات، ومن المؤسف حقاً أن بعضهم قرر قطع التواصل الفعلي، أو علي صفحات التواصل الاجتماعي (بعمل بلوك لي)!
بعض القراء وجدوا في بعض مقالاتي ( مثل سلسلة مقالات ” قطرات من مداد في بحر من مداد ) إنحيازاً لدولة إيران ، بل ووجد بعضهم أن مقالي ( القواعد العسكرية الأجنبية وسيادة الدول في القانون الدولي )
بمثابة إعلان ” بتشيعي ” السياسي والمذهبي ضد دول الخليج الشقيقة ، وشككوا في إنتمائي القومي العروبي ، بالإضافة إلي إتهامات أخري !
ومن ناحية أخري، وجد البعض أن مقالاً مثل ( لنا فيها ” ألف ناقة وألف جمل) خاصة وأنه نشر مواكباً لزيارات رسمية قام بها وزير الخارجية ورئيس الدولة لبعض دول الخليج وخاصة الإمارات، بمثابة إرتداد غير مفهوم.
وإنحياز أعمي لسياسات حكومية خاطئة تتعارض مع الموقف الشعبي المتعاطف مع إيران التي تتعرض لهجمة صهيونية أمريكية ضخمة، فضلاً عن أن دول الخليج ( وخاصة الإمارات ) لم تخف عداءها وتحالفها مع ذلك العدوان.
وهكذا، كنت بين مطرقة التعاطف الشعبي الجامح مع إيران، وبين سندان الموقف الرسمي ذي الحسابات الباردة للمصلحة القومية.
ورغم أن لدي ما أجيب به لهؤلاء وهؤلاء ( وهو ما قمت به بشكل جزئي بالردود علي من اتصل، أو في التعقيب الموجز علي وسائل التواصل الاجتماعي كلما سمحت أحوالي الصحية بذلك )
إلا أنني لا أنوي القيام بذلك في المقال الحالي، وإنما كانت إشارتي السابقة لمجرد إيضاح بعض جوانب مشكلة التحليل، والتي لا أدعي فيها لنفسي إمتلاك للحقيقة ، وإنما السعي الجاد والموضوعي الدائم للإقتراب منها .
لا أريد أن أغادر السطور السابقة دون أن أعرب عن إمتناني لكل من تكبد مشقة قراءة ما كتبت، وزاد من فضله أن قام بالتعقيب (إختلافاً ،وإتفاقاً ) لأن ذلك في حد ذاته يفتح آفاقاً رحبة للفهم، واختراق ما وراء السطوح البارزة، إلي أعماق المسائل .
معصوم مرزوق يكتب: لنا فيها ألف ناقة و ألف جمل
معصوم مرزوق يكتب: البيت الأبيض المسكون!
أما بعد
فرغم كل ما تم طرحه خلال الشهور الماضية، فأن هناك لا تزال أسئلة مسكوت عنها ، أو يتم تفاديها بالهروب إلي إجابات أسهل لا تجهد العقل ولا تؤلم النفس، وليس مجرد التساؤل عما إذا كانت إيران عدو أم صديق ، ظالمة أو مظلومة.
ألا يمكن أن نري في التراث التاريخي الإيراني في العلاقات مع العرب ما يمكن أن نطلق عليه :
” محاولة إنفصال ثقافي طبيعية أو متعمدة ؟ ”
أن القراءة المتعمقة في ذلك التراث العميق الكامن في فكر وأعماق كل إيراني، يمكن إكتشاف شعور مسيطر بالتفوق ينبع من إحساس قومي ينبع من تاريخ إمبراطوري لفارس التي امتدت هيمنتها إلي كل مناطق الجوار الجغرافي، وتجاوزتها إلي آسيا الوسطي وبعض أجزاء من أوروبا، وقد كانت مصر أيضاً لفترة تخضع لهذه الهيمنة الفارسية .
تولد عن ذلك شعور باطني عميق بالفخر مختلطاً بإزدراء الآخرين، وقد ازداد هذا الشعور تعقيداً عندما اختلط ذلك التراث المجيد بهزيمة تاريخية أطاحت – وللأبد – بتلك الإمبراطورية العظيمة وهي في أقوي أحوالها، وبواسطة جيش من بدو الجوار في الجزيرة العربية، كانوا حتي وقت قريب مجرد تابعين أذلاء لهيمنة تلك الحضارة المتفوقة .
هزت هذه الهزيمة التاريخية ذلك المجتمع الفارسي من الجذور، فهي لم تكن مجرد وقائع إنكسار عسكري في ميادين القتال ، وإنما ما يشبه عملية ” إنتحار حضاري وثقافي كامل ” تحت سنابك غزاة فرضوا مع سيطرتهم عقيدة جديدة ” الإسلام ” ، تزيح صوامع النار المقدسة، وتمسح الفلسفة الزاردشتية، وتحتل إيوان كسري .
ولا بد أن شيئاً من المقاومة الباطنية السلبية كان يتراكم في الثقافة الفارسية
دفعها إلي البحث عن تمايز خاص بهم يميزهم عن أولئك الوافدين من الجزيرة العربية، بحيث اقتنصوا ضالتهم في ” المذهب الشيعي”
الذي لم يكن مجرد حاجز ثقافي مجرد، وإنما أضيفت إليه ” المظلومية التاريخية ” التي تجسدت في إغتيال عدد من آل رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهكذا أصبحت ” كربلاء ” أكبر من مجرد مآساة تاريخية، بل أصبحت رمزاً خالداً.
علامة تتجدد في الذكري الموسمية ، كي يتمدد ” الشعور بالذنب ” المختلط ” بالرغبة في الثأر ” ، في مواجهة كل المظالم التي يمرون بها .
ومن ناحية أخري كان للموقع الجغرافي لإيران مثل موقع مصر تعبيرية للمقال لعنته الخاصة
فقد كان ذلك الموقع الإستراتيجي هدفاً للغزاة الأجانب علي مر التاريخ، بحيث أصبحت إيران بشكل ما ضحية أيضاً للجغرافيا التي وضعتهم في مسار طريق التجارة الدولية بين الشرق والغرب
ثم أضافت ” الجيولوجيا ” سبباً إضافياً في العصر الحديث لإستهدافها ، حين تم إكتشاف كميات وفيرة من البترول مع وجود إحتياطيات هائلة في أعماق أرضها .
يمكن من هذه الزاوية أن نستخلص أن العرب ( وخاصة في الخليج ) :
• يواجهون عدواً تاريخياً قد لا تقل شراسته عن العدو الصهيوني .
أن العرب ( كما أشرت في مقال سابق ) لم يبذلوا الجهد الكافي لبناء الجسور مع إيران في العصر الحديث ، بل انساقوا بدعاوي الخلاف المذهبي التي دأبت الصهيونية والأطماع الإستعمارية علي تغذيتها وتعميقها ، كي تواصل استغلال موارد تلك المنطقة ، وإنهاكها بالحروب الأهلية والبينية .
وقد ارتفع جدار عدم الثقة المتبادل ما بين ضفتي الخليج ( وخاصة أثناء وبعد الحرب العراقية الإيرانية ) إلي درجة الوصول إلي حالة عدمية من الصراع الصفري، والتي يبدو أنها مرشحة لمزيد من التصاعد إذا لم ينتبه الأطراف المعنيون .
أن العرب والفرس يجب أن يتعلموا من الماضي القريب والبعيد
أن للجغرافيا أحكاماً تتميز بالثبات النسبي، فمن المستحيل أزالة إيران من الجوار الجغرافي، كما أنه من العبث محاولات إختراق الجغرافيا العربية أمنياً ومذهبياً
تلك الأسئلة المسكوت عنها ، تستدعي من علماء السياسية والإجتماع والفلسفة والتاريخ علي جانبي الخليج أن يطرحوها بشجاعة.
ويستخلصوا النتائج التي يتطلبها التوازن الإستراتيجي في المنطقة دون الإستسلام لتلك الهواجس الموروثة من واقعة ” كربلاء ” التي لا يمكن السماح باستمرار فتنتها إلي ما يتجاوز ألف عام !
وبين دخان الصواريخ والقنابل، ومروق المسيرات في سماوات الشرق الأوسط، وفيما تزكم رائحة الدماء أجواء المدن والقري الإيرانية والعربية، ويتساقط الضحايا عرباً وفرساً علي يد الصهيونية وأمريكا
يجب المسارعة في وضع قواعد نظام أمني إقليمي متوازن، يتيح إستعادة تلك المنطقة لحيويتها المفقودة، مع تحقيق الردع الكافي لتلك التحديات التي تمثلها الصهيونية لشعوب الشرق الأوسط ، بشكل غير مسبوق






