محمد مصطفى موسى يكتب: نُورانيَّات العارف بالله ضياء العوضي
شرع يروي باكيًا وصدره ينتفض كقدر ماء يغلي: "أعاني التهابًا في العينين، فقصدت "سوق الشمع" بحثًا عن مُعالجٍ يداويني، فإذا بشيخ تجلِّل محياه لحيةٌ بيضاء، يعرض علاجي بدهان سحري

صورة تعبيرية للمقال
آه يا عيني.. أنا عَمِيتُ، لا أرى إلا الأسود يتغشَّى كلَّ شيء في الحياة.
كذلك صاح الرجل صيحةً مُدَّويةً، وهو يتخذ وضعية القرفصاء، مُنكفئًا مُطرقًا يُحدِّق في فراغٍ سرمديِّ، ثم جعل يحثو التراب فوق رأسه، والناس من حوله مُتحلِّقون، يستقصون منه عمَّا أصابه.
شرع يروي باكيًا وصدره ينتفض كقدر ماء يغلي: “أعاني التهابًا في العينين، فقصدت “سوق الشمع” بحثًا عن مُعالجٍ يداويني، فإذا بشيخ تجلِّل محياه لحيةٌ بيضاء، يعرض علاجي بدهان سحري، فصدَّقته فجعل يضع دهانه في عينيَّ، فأحسست من فوري حميمًا يستعر تحت جفنيَّ، وما هي إلا ثوانٍ حتى لم أعد أرى شيئًا، ثم انقض عليَّ رهطٌ من الرجال الأشداء بعد أن فقدت قدرتي على مغالبتهم فيما أنا أتردى في مصيبتي السوداء، وسرعان ما حاصروني فقيدوني فسلبوني كل ما بحوزتي، وأنا أصرخ لا على مالي الذي نهبوه وإنَّما على بصري الذي أطفأوه”
ليس ما سبق مشهدًا دراميًا خياليًا، بل قصة تكررت مرارًا في نهايات القرن الثالث عشر الميلادي، وقد ذكرها المقريزي كما ذكر أشباهًا لها في “اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة والخلفاء”، ليلقي الضوء على واحدة من المُبْكيات البائسة التي لا يخلو تاريخ مصر قديمه وحديثه منها.
كان أولئك المتوحشون الذين أطفأوا عيني الرجل المسكين، هم “المشعبذون” وكانوا ينتشرون في أسواق القاهرة الفاطمية سنة 1284 بعدما انتهى السلطان قلاوون من تشييد “البيمارستان المنصوري”، لتقديم الخدمات العلاجية الحديثة بمقاييس ذاك العصر مجانًا لعموم الناس.
كان هؤلاء المشعبذون يتمركزون بكثافة على مقربة من “البيمارستان”، لإثناء المرضى عن اللجوء إليها، زاعمين معرفتهم بالكيمياء والطب، ويستخدمون لغة معقَّدة للإيحاء بأنهم علماء عميقو الأغوار، وكانوا يشكلون صداعًا في رأس السلطان إذ وقفوا بكل قواهم ضد “البيمارستان”، فالمنشأة العلاجية الحديثة أو قل “العصرية” ستهدد ما يجنون عبر الخداع.
لطالما كان الجهل يناهض العلم، والخرافة تعادي الحقيقة، ولطالما استغل عديمو الضمير حاجة الإنسان إلى الشفاء، وتوق المرضى إلى استعادة عافيتهم، لجني الثروات.
محمد مصطفى موسى يكتب: العوضي شهيد الخرافة
مصطفى السعيد يكتب: قضية الدكتور العوضي المريبة
ضياء العوضي سيرة قلق انتهت بصمتٍ مُربك
المشعبذ في مدينة الضباب
في هذا الصدد توَّثق أمهات الكتب الطبية قصة “المحتال العظيم”، وهو شاب وسيم ومفوَّه ظهر في لندن عام 1780، ويدعى “جيمي جراهام”، وقد عمد إلى مخادعة البسطاء بأنه يملك قدرة خارقة على علاج الأمراض المستعصية.
ومع زيادة أرباحه إثر الإقبال الكبير عليه من البائسين اليائسين، افتتح “المشعبذ الإنجليزي” ما سمَّاه “معبد الصحة” في أرقى الأحياء، ثم زيَّنه بالتماثيل وأشاع الروائح العطرية ونصبَ الآلات والأسرَّة التي تُعالج بـ”الطاقة الغامضة”، بيدَ أنه لم يستطع الاستمرار في ممارسة جرائمه طويلًا، ذلك أن الأطباء الحقيقيين تصدوا لترهاته فما كان إلا أن غادر مدينة الضباب بعدما انقطع عيشه فيها.
بجانب الأدب لم تغب ظاهرة الشعوذة الطبية عن علم النفس، الذي يقال في بلدنا المحزونة والمكبوتة إنه بلا جدوى كغيره من العلوم الاجتماعية، وترصد الدراسات أنه حتى أكثر الناس علمًا وذكاءً قد يقعون في مصيدة الأطباء المخادعين، وهناك حزمة تأويلات لذلك، على رأسها آلية “الانحياز التأكيدي” وملخصها أن النفوس البشرية تميل إلى الآراء التي تؤيد ما تريد تصديقه، فإذا سمع مريض عن شخص تماثل للشفاء على يد مشعوذ، يتجاهل آلاف الأشخاص الذين انتكسوا.
وهناك نظرية “تأثير بجماليون”، فالمريض حين يثق في طريقة علاجية يفرز دماغه تحت تأثير الإيحاء الأندورفين والدوبامين، مما يقلل شعوره بالألم ويحسن حالته المزاجية، وإزاء التحسن المؤقت تزداد ثقته في الدجّال، والمؤسف أنه لا يفقد هذه الثقة إلا في أرماقه الأخيرة.
في ضوء هذه النظرية بالتحديد، قد نجد الإجابة المنطقية والوحيدة للسؤال: لماذا استجاب عديد من المرضى لوسائل العلاج التي طرحها الراحل الدكتور العوضي؟
ولماذا يحظى بمريدين يصدقون نبوءاته المدعاة؟
ولماذا يوقف مرضى السكري الأنسولين ويفرطون في السكريات اتباعًا لما سمَّاه نظام الطيبات وهو في واقع الأمر من أخبث الخبائث؟
ولماذا يصدقون أن الامتناع عن تناول الدواجن والبيض سيشفيهم من السرطان وارتفاع الضغط واعتلالات العمود الفقري وارتجاع المرئ ويعالج -بالمرة- العقم والتوَّحد؟
هو الإيحاء إذن الذي كثيرًا ما يحدو ببني آدم إلى الركض وراء الخرافات.
هدم العلم وإعلاء الخرافة
كل المعايير الموضوعية والاستدلالات العقلية والدرسات الطبية، تؤكد أن ما طرحه العوضي، محض سراب يحسبه الظمآن ماءً، وهزليات لا تمت لثوابت الطب من قريب أو بعيد، وقد أقر بعظمة لسانه بذلك: “أنا جاي من داخل النظام عشان أهده”.
الأصل في العلم أنه تجريبي، أو أن أساسه التجربة، وبغير ذلك يغدو ثرثرة تافهة أو “شعبذة” تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية.
مناهج البحث العلمي في مجال الطب تلتزم بقواعد صارمة لا تُخرق بأي حال من الأحوال، وأهم هذه القواعد هي أن أي بروتوكول علاجي جديد يجب تطبيقه
أولًا على مجموعة متطوعين يعلمون بالضرورة أنهم بصدد تجربة، ثم تقسيمهم إلى فريقين فيُمنح أحدهما العلاج الفعلي,
ثانيهما علاجًا وهميًا، على أن يكون ذلك تحت إشراف نخبة من الأطباء الذين يقيسون مؤشرات وظائف الجسم الحيوية، دون أن يعرفوا أي الفريقين تلقى العلاج الحقيقي وأيهما تلقى الوهمي.
العوضي لم يفعل شيئًا من ذلك، ولم يلتزم بأي منهج علمي لتعزيز أفكاره، بل طرح نظامه “السحري”، وكان اختياره اسم “الطيبات” بكل ما له من حمولة دينية، من وسائله لإسكات معارضيه الذين أسرف في التطاول عليهم بكل فظاظة وصلف.
كذلك توخى أن تكون معركته بين الجهل والعلم، وبين المنطق والعبث، وبين العقل والجنون، وفي مثل هذه المعارك لا بد مناص من أن يمتشق المستنيرون والمتخصصون سيف المواجهة، كما في حالة “المحتال العظيم”
من المؤسف أن ذلك لا يحدث في حالة الدكتور العوضي، فأولو الخبرة والمثقفون المستنيرون -إلا من رحم ربي- يبلعون ألسنتهم أمام هرطقته خشية إغضاب الرأي العام ونأيًا عن “قوة السوشيال ميديا” التي ازدحمت بمؤيديه ممن يصبون الويل والثبور على من ينبس بحرف لنقد “نورانيات مولانا” تلك التي “تأتي على القلب ويتلقفها العقل ولا يعرفها الدارسون”، وفق عبارة العارف بالله الشيخ إبراهيم الذي يحظى -في مفارقة محزنة- بمريدين يوشكون أن يقيموا له مقامًا يأتيه الناس من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم.
لم يبدِ العوضي الحد الأدنى من قبول الرأي الآخر؛ بل جعل أصابعه في أذنيه كيلا يسمع صوتًا إلا صوته، فهو الحكيم الطبيب الفيلسوف، وهو الذي تكلمه السماء ويكلمها من دون حجاب، وهو الذي أوتي “العلم الحقيقي”
أيما يكن، لا جدوى من الاستغراق في تأثيم شخص العوضي، وأغلب الظن أنه كان يعتقد لأسباب غامضة بنجاعة نظامه حتى قتله هذا النظام.
المهم أن يكون التصدي لخرافاته فرض عين لا فرض كفاية، على كل من يستطيع، وذلك ليس لأن ما يدَّعي أنه نظام تغذوي استشفائي يهدد حياة ملايين المخدوعين، بعد أن شرع كثيرون يمتنعون عن الدواء، ويلتهمون بالتزامن بنهمٍ “الخبائث” لا الطيبات التي نصحهم بها، وإنَّما أيضًا لأن السكوت على ازدراء العلم وشيوع الجهالة اشتراك في جريمة خيانة للوعي والعقل والعلم وتواطؤ مع العدمية والعبث والجهل والشعبذة.






