مقالات
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

لماذا أزعج “كيس الفول” الباشا المدير؟

لكن الوجبة البسيطة تحولت فجأة إلى “واقعة”، بعدما قرر مسؤول تعليمي كبير التعامل معها كأنها مخالفة تستحق المصادرة والتحريز، وسط دهشة زميلات الطالبة وصمت مرتبك داخل الفصل.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يكن في الدرج سلاح، ولا هاتفًا مهربًا، ولا شيئًا يستدعي كل هذا الانتباه، فقط كيس صغير من الفول، ورغيفان ملفوفان بعناية، وضعتهما طالبة في أحد فصول مدرسة بمحافظة بني سويف، ربما قبل أن تخرج من بيتها على عجل في الصباح، وربما بعدما أوصتها أمها ألا تنفق شيئًا من مصروف اليوم.

لكن الوجبة البسيطة تحولت فجأة إلى “واقعة”، بعدما قرر مسؤول تعليمي كبير التعامل معها كأنها مخالفة تستحق المصادرة والتحريز، وسط دهشة زميلات الطالبة وصمت مرتبك داخل الفصل.

في لحظة واحدة، لم يعد الفول مجرد طعام شعبي يأكله ملايين المصريين كل صباح، بل صار عنوانًا للفارق الهائل بين من يعيشون الأزمة ومن ينظرون إليها من بعيد.

بدا المشهد كله كأنه سوء فهم كبير بين عالمين: عالم أسرة تحسب تكلفة الإفطار قبل النوم، وعالم مسؤول يرى في “كيس الفول” شيئًا غير لائق بصورة المدرسة.

لكن الحكاية الحقيقية لا تبدأ داخل الفصل، بل قبل ذلك بكثير، في البيوت التي تغيرت موائدها بهدوء خلال السنوات الأخيرة. أُزيحت أطعمة كاملة من الوجبات اليومية، وتقلصت الكميات، وصار السؤال الأساسي ليس ماذا نحب أن نأكل، بل ماذا نستطيع أن نشتري.

في بلد تضاعفت فيه أسعار الغذاء مرات متتالية خلال سنوات قليلة، لم تعد الوجبة البسيطة تعبيرًا عن “اختيار”، بل عن سقف القدرة نفسها.

الفول الذي كان يومًا طعام الفقراء والأغنياء معًا، أصبح هو الآخر جزءًا من معادلة حسابية مرهقة، تخضع لسعر الزيت والخبز والغاز والمواصلات والراتب الذي يصل آخر الشهر منهكًا قبل أن يبدأ.

في البيوت محدودة الدخل، لا تبدو الوجبة المدرسية تفصيلًا صغيرًا. أم تستيقظ مبكرًا لتجهز شيئًا يسند ابنتها حتى العودة، وأب يقف أمام راتب يتآكل كل شهر بينما تواصل الأسعار صعودها بلا رحمة.

هناك دائمًا قائمة مؤجلة: حذاء جديد، درس إضافي، كشف طبي، قطعة ملابس للشتاء، أو حتى فاكهة لم تعد تدخل البيت إلا في المناسبات.

وسط كل ذلك، يصبح “كيس فول ورغيفان” أقصى ما تسمح به الميزانية، لا أقل ما تستحقه طفلة في المدرسة.

ما جرى داخل المدرسة بدا لكثيرين أكبر من مجرد تصرف فردي، لأنه كشف هشاشة اللحظة الاجتماعية نفسها. حين تتحول وجبة بسيطة إلى مادة للتوبيخ العلني، فالمسألة لم تعد مرتبطة بالطعام فقط، بل بالإحساس بالكرامة.

الطفلة التي رأت وجبتها تُصادر أمام زميلاتها لن تتذكر فقط ما حدث، بل ستتذكر الشعور الذي صاحب اللحظة: أن الفقر يمكن أن يتحول فجأة إلى شيء مرئي، مكشوف، وقابل للإحراج.

وربما لهذا انتشرت الواقعة سريعًا، لأن الناس لم يروا فيها مجرد خطأ إداري، بل رأوا أنفسهم. رأوا موائدهم التي تقلصت، وأطفالهم الذين يحملون إلى المدارس ما تقدر عليه البيوت لا ما تتمناه، ورأوا تلك المسافة القاسية بين لغة الأرقام الرسمية عن الأجور والتحسن الاقتصادي، وبين الحياة اليومية التي تزداد صعوبة.

فالحد الأدنى للأجور، حتى بعد زياداته الأخيرة، يبدو بالنسبة لكثيرين رقمًا عاجزًا عن اللحاق بأسعار الطعام والإيجارات والمواصلات والدواء. وبينما تتحدث البيانات عن زيادات في الرواتب، كانت الأسواق تسبقها دائمًا بخطوات.

لهذا لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا كان داخل الدرج؟ لأن الإجابة يعرفها الجميع.

السؤال الذي بقي معلقًا بعد انتهاء الضجة هو: كيف وصل الحال بأسرة مصرية إلى أن تصبح وجبة متواضعة كهذه أقصى ما يمكن تقديمه لطفلة في يوم دراسي؟ وكيف أصبح العجز عن توفير أكثر من ذلك سببًا كافيًا للإحراج؟

في النهاية، لم تكن الواقعة عن الفول أصلًا. كانت عن بلد تتسع فيه الفجوة يومًا بعد يوم بين كلفة الحياة وما يحصل عليه الناس مقابل عملهم.

وعن لحظة صغيرة داخل فصل دراسي كشفت، دون قصد، حجم التعب المختبئ داخل البيوت، ذلك التعب الذي لا يظهر في نشرات الاقتصاد، لكنه يظهر بوضوح في كيس صغير يحمله طفل إلى المدرسة، محاولًا فقط أن يكمل يومه العادي بكرامة.

شارك المقال: