كيدال تعود لـ “قبضة التمرد”
ليوم، تعود كيدال لتؤكد أنها "عقدة المنشار" في الصراع المالي، وسط صمت مطبق من السلطات الانتقالية ودهشة الأوساط الدولية من سرعة الانهيار العسكري للقوات النظامية وحلفائها الروس

صورة تعبيرية للتقرير
زلزال ميداني يبعثر أوراق باماكو في شمال مالي
العودة إلى المربع الأول
في تحول دراماتيكي يعيد رسم خارطة النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي، سقطت مدينة كيدال الاستراتيجية، معقل الطوارق التاريخي شمالي مالي، مجدداً في يد المتمردين الانفصاليين (الإطار الاستراتيجي الدائم للدفاع عن شعب أزواد).
هذا السقوط لم يكن مجرد خسارة جغرافية لباماكو، بل هو “زلزال عسكري” قوّض مكاسب العام الماضي، حين احتفل الجيش المالي بمساعدة “فيلق إفريقيا” (فاغنر سابقاً) بالسيطرة على المدينة في نوفمبر 2023.
اليوم، تعود كيدال لتؤكد أنها “عقدة المنشار” في الصراع المالي، وسط صمت مطبق من السلطات الانتقالية ودهشة الأوساط الدولية من سرعة الانهيار العسكري للقوات النظامية وحلفائها الروس.
د. محمد الغمري يكتب: مالي من احتكار الدولة إلى تعددية المجال
جواز سفر أمريكي بنكهة “ترامبية”
تقرير: اعتراض “أسطول الصمود” قبالة سواحل كريت
ترمب وبوتين يرسمان ملامح التسوية الكبرى
جذور الأزمة: صراع “أزواد” الممتد
لا يمكن فهم ما جرى في كيدال دون العودة إلى الجذور العميقة للأزمة التي انفجرت عقب استقلال مالي عام 1960. تكمن المشكلة في شعور قبائل الطوارق في الشمال (إقليم أزواد) بالتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي من قبل الحكومات المركزية في باماكو.
سلسلة الانتفاضات:
شهدت مالي انتفاضات كبرى في أعوام 1963، 1990، و2006، وصولاً إلى انتفاضة 2012 التي كانت الأكثر عنفاً، حيث استغل المتمردون تدفق السلاح من ليبيا لإعلان “دولة أزواد” المستقلة.
اتفاق الجزائر 2015:
بعد تدخل فرنسي (عملية سرفال)، وقعت الأطراف “اتفاق السلم والمصالحة” في الجزائر، الذي نص على حكم ذاتي موسع ودمج المقاتلين في الجيش.
إلا أن هذا الاتفاق ظل حبراً على ورق، مما أدى لتمزقه نهائياً بعد وصول المجلس العسكري للسلطة في باماكو عام 2020 وتغيير التحالفات الدولية.
تبدل الحلفاء:
طردت باماكو القوات الفرنسية (برخان) وقوات الأمم المتحدة (مينوسما)، واستبدلتها بالدعم الروسي، مما منح الجيش المالي زخماً لاستعادة كيدال في 2023، لكنه زخم يبدو أنه اصطدم بحرب عصابات طويلة الأمد.
المستجدات الميدانية: معركة الساعات الحاسمة
وفقاً لمصادر ميدانية وتقارير متقاطعة، بدأت العملية بهجوم منسق وواسع النطاق استهدف الثكنات العسكرية والمنشآت الحيوية.
الانسحاب المفاجئ للجيش المالي وفيلق إفريقيا أثار تساؤلات حول طبيعة “التكتيك” أو “الانهيار” الذي حدث:
نزوح جماعي:
المدينة التي يسكنها نحو 55 ألف نسمة، والتي استقبلت آلاف النازحين من ميناكا الهاربين من “داعش”، شهدت موجة نزوح جديدة باتجاه الحدود الجزائرية هرباً من القصف المتبادل.
استراتيجية “الكر والفر”:
أثبت المتمردون الطوارق قدرتهم على التكيف مع الطيران المسير (الدرون) الذي تستخدمه باماكو، من خلال شن هجمات خاطفة وتطويق خطوط الإمداد الصحراوية الطويلة التي تربط باماكو بالشمال.
تعدد الجبهات:
تزامن سقوط كيدال مع ضغوط تمارسها جماعات مرتبطة بـ “القاعدة” في مناطق أخرى، مما يشتت القوة العسكرية للجيش المالي ويجعله عاجزاً عن تأمين المدن المستعادة لفترات طويلة.
سيناريوهات المستقبل: مالي أمام مفترق طرق
أمام هذا الواقع الجديد، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأزمة:
السيناريو الأول: “حرب الاستنزاف الطويلة”
أن تحاول باماكو حشد قوات إضافية بدعم روسي مكثف لشن هجوم مضاد لاستعادة كيدال.
هذا السيناريو يعني دخول مالي في دوامة من القتال الدامي الذي لن ينتهي بحسم سريع، نظرًا لطبيعة الأرض الصحراوية وتمرس الطوارق في حرب الشوارع والبيئة القاسية.
السيناريو الثاني: “الأمر الواقع والتقسيم غير المعلن”
أن يعجز الجيش المالي عن العودة فوراً، فتتحول كيدال إلى منطقة “حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع” تحت سيطرة الإطار الاستراتيجي للدفاع عن شعب أزواد.
هذا السيناريو سيعزز من طموحات الانفصال وقد يؤدي لتقسيم البلاد عملياً إلى شمال تسيطر عليه الحركات المسلحة، وجنوب تسيطر عليه السلطة المركزية.
السيناريو الثالث: “العودة إلى طاولة المفاوضات”
بضغط من القوى الإقليمية (خاصة الجزائر ودول الجوار)، قد يدرك المجلس العسكري في باماكو أن الحل العسكري الصرف أثبت فشله في تثبيت الاستقرار. قد يؤدي سقوط كيدال إلى فتح قناة خلفية للحوار، لكن بشروط سقفها أعلى بكثير مما كانت عليه في اتفاق 2015.
تظل كيدال “ترمومتراً” للدولة المالية؛ فاستقرارها يعني استقرار البلاد، واضطرابها يعني أن “جرح الشمال” لا يزال ينزف.
إن العودة الراهنة للمتمردين تضع مصداقية التحالف “المالي-الروسي” على المحك، وتثبت أن السيطرة على الرمال أسهل بكثير من الاحتفاظ بها في ظل غياب حل سياسي شامل يرضي تطلعات سكان الصحراء الكبرى.





