غزة بعد عام على وقف إطلاق النار.. اتفاق معلن وواقع تحكمه النيران
قتل طفل يبلغ عامين برصاص القوات الإسرائيلية، بينما كان بين ذراعي والده في طريقهما لزيارة عمته في منطقة وادي السلقا، شرقي دير البلح.
الإنهيار في قطاع غزة
لم ينهِ إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة معاناة الفلسطينيين، بل كشف، بعد مرور عام على إعلانه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عن فجوة عميقة بين الاتفاقات السياسية والواقع الذي يعيشه السكان على الأرض.
فبينما يفترض أن يشكّل وقف إطلاق النار نقطة تحول نحو حماية المدنيين وتهيئة الظروف للتعافي.
تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية، وسقوط مزيد من القتلى، وتكرار موجات النزوح، في مشهد يطرح تساؤلات جوهرية بشأن معنى التهدئة وحدود فاعليتها.
وبحسب بيان حقائق أصدره المكتب في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قُتل أكثر من 1400 فلسطيني في غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية.
وفي حصيلة مستقلة للحوادث التي تمكن المكتب من التحقق منها حتى نهاية يوليو/تموز 2026، بلغ عدد القتلى 1076 شخصاً، بينهم 268 طفلاً و126 امرأة و682 رجلاً.
وتشكل النساء والأطفال نحو 37% من إجمالي الوفيات التي تحقق منها المكتب.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد استمرار الخسائر البشرية، بل تثير سؤالاً أساسياً:
ما القيمة العملية لوقف إطلاق النار عندما لا يشعر المدنيون بأن حياتهم أصبحت أكثر أمناً؟
وقف إطلاق النار بين الإعلان السياسي والواقع الميداني
تُظهر الحصيلة الأممية أن الإعلان عن وقف إطلاق النار لم يؤدِّ إلى توقف الهجمات أو إنهاء حالة الخطر التي تحيط بالسكان.
فقد استمرت الهجمات الإسرائيلية خلال العام التالي للإعلان، وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى، بالتزامن مع موجات نزوح متكررة في مناطق مختلفة من القطاع.
وتزداد دلالة هذه الوقائع عند النظر إلى طبيعة الضحايا. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة مقتل 64 طفلاً في هجمات إسرائيلية مُبلّغ عنها لم تسفر، وفق الحالات التي تناولها، إلا عن مقتل أطفال، من دون سقوط ضحايا بالغين.
كما وثق مقتل 30 امرأة وعشرة أطفال آخرين في هجمات لم يُسجل فيها سقوط قتلى من الرجال. ويرجح المكتب أن تكون النسبة الإجمالية للضحايا المدنيين أعلى، لأن البيانات لا تشمل جميع الرجال المدنيين الذين قُتلوا في غزة.
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتل أكثر من 20 ألف طفل في القطاع، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية. ويضع هذا الرقم استمرار سقوط الأطفال بعد إعلان التهدئة ضمن سياق أوسع من الخسائر التي طالت الفئات الأكثر هشاشة.
ولا تكمن المشكلة في عدد الضحايا وحده، بل في استمرار تعرض السكان لخطر الرصاص والقصف والغارات الجوية، فيما يكافحون لتأمين أبسط مقومات الحياة.
وهكذا يصبح وقف إطلاق النار، في نظر المدنيين الذين لا يزالون يعيشون تحت التهديد، إعلاناً سياسياً لم يترجم بعد إلى ضمانات يومية للأمان.
«الخط الأصفر».. حدود عسكرية تتحرك ومخاطر تتجاوزها
يمثل ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» أحد أبرز محاور القلق في البيان الأممي.
فبحسب المكتب، وسّع الجيش الإسرائيلي مناطق انتشاره العسكري من نحو 53% من مساحة قطاع غزة عند إعلان وقف إطلاق النار إلى هدف معلن بالسيطرة على 70% من مساحة القطاع، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي.
لكن الإشكالية لا تتعلق باتساع مناطق الانتشار فحسب؛ إذ أظهرت عمليات الرصد خلال العام الماضي عدم وجود خط واحد واضح يمكن تحديده على الأرض.
وتحدث البيان عن تقدم القوات الإسرائيلية عبر خطوط متغيرة، وعن توغلات متكررة داخل التجمعات السكانية الفلسطينية، الأمر الذي يجعل معرفة الحدود الفعلية لمناطق الخطر أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى السكان.
والأهم أن معظم الوفيات التي تحقق منها المكتب وقعت في هجمات إسرائيلية مُبلّغ عنها بعيداً عن مناطق الانتشار العسكري.
وهذا يعني أن الخطر لا يمكن اختزاله في الاقتراب من الخط أو الابتعاد عنه، كما لا يمكن افتراض أن وجود المدنيين في منطقة معينة يجعلهم أهدافاً مشروعة.
وقد حذر المكتب من مخاوف جدية بشأن التعامل مع المناطق المحيطة بما يسمى «الخط الأصفر» باعتبارها مناطق يمكن استخدام القوة المميتة فيها بصورة تعسفية.
ووفق موقفه، فإن استهداف المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية وقتلهم قد يشكل جريمة حرب، بصرف النظر عن مكان وجودهم أو قربهم من مناطق الانتشار العسكري.
ما وراء الأرقام.. رواية أب فقد طفلة في غزة
تمنح الشهادات الفردية الأرقام معناها الإنساني.
ففي الساعات الأولى من صباح 14 يونيو/حزيران 2026، قتل طفل يبلغ عامين برصاص القوات الإسرائيلية، بينما كان بين ذراعي والده في طريقهما لزيارة عمته في منطقة وادي السلقا، شرقي دير البلح.
ووفق رواية الأب التي نقلها مكتب الأمم المتحدة، كان الاثنان يسيران على طريق يقع على مسافة تتراوح بين 150 و200 متر غرب «الخط الأصفر»، وهو طريق اعتاد الفلسطينيون استخدامه قبل الحادثة.
وشاهد الأب جنوداً إسرائيليين قرب مدخل منزل مهجور، على ما بدا أنه توغل غرب الخط. وقال إن الجنود كانوا على مسافة نحو عشرة أمتار منه عندما بدأوا إطلاق النار.
أصابت رصاصة الطفل في ظهره وخرجت من عينه، فيما أصيب الأب برصاصة في ساقه. وروى أنه احتضن طفله وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، قبل أن يأخذ الجنود الطفل وينقلوه بعيداً.
وأفاد الأب لاحقاً بأنه استيقظ في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وأُبلغ بأن جثمان ابنه سُلّم أيضاً.
لا تختصر هذه الشهادة المأساة في حادثة واحدة؛ بل تضع أمام المجتمع الدولي سؤالاً بشأن حماية المدنيين في مناطق تتغير فيها الخطوط العسكرية وتغيب عنها الحدود الواضحة.
فالطريق الذي اعتاد السكان سلوكه تحول إلى مكان للموت، ولم يكن الطفل، وفق الرواية الواردة في البيان، مشاركاً في أي أعمال عدائية.
المساءلة الدولية.. الاختبار الحقيقي لأي تهدئة
في ختام بيانه، دعا رئيس مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، أجيث سونغاي، الدول الثالثة إلى الوفاء بالتزاماتها وممارسة نفوذها على إسرائيل من أجل وقف الانتهاكات المبلغ عنها للقانون الدولي في غزة.
وتشمل الدعوة وقف توريد الأسلحة والذخائر التي تسهّل ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، ودعم عمل آليات المساءلة الدولية.
وتتجاوز هذه الدعوة المطالبة بإدانة سياسية جديدة؛ فهي تضع الدول أمام مسؤولية النظر في الأدوات المتاحة لديها للتأثير في سلوك الأطراف، وفي مقدمتها قرارات نقل الأسلحة ودعم المسارات الدولية للمحاسبة.
كما تعيد التأكيد على أن حماية المدنيين لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها بنداً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الحرب أو بدء إعادة الإعمار.
وقال سونغاي إن المساءلة ليست مسألة ثانوية يمكن الالتفات إليها لاحقاً، ولا جزءاً من مستقبل بعيد لعملية التعافي، بل ركيزة أساسية للردع ومنع تكرار الانتهاكات، مشيراً إلى أنها تأخرت بالفعل أكثر مما ينبغي.
وبعد عام على إعلان وقف إطلاق النار، لا يتمثل الاختبار الأساسي في وجود اتفاق معلن فحسب، بل في قدرة هذا الاتفاق على حماية حياة الناس فعلياً.
فالأرقام التي وثقها مكتب الأمم المتحدة، والشهادات التي نقلها، والمخاوف المرتبطة بالخطوط العسكرية المتغيرة، تطرح جميعها سؤالاً يتجاوز الإعلان السياسي: هل تتحول التهدئة إلى واقع يضمن للمدنيين حقهم في الحياة والأمان، أم تبقى المسافة واسعة بين نص الاتفاق وما يجري على الأرض؟
في غزة، لا تُقاس قيمة وقف إطلاق النار بتاريخ إعلانه، بل بقدرته على وقف القتل وحماية المدنيين وضمان ألا تتحول المساءلة إلى وعد مؤجل.
شاركنا برأيك