علي الأفريقي يكتب: أنا والصورة
اتذكر أول صورة التقطت لي، حيث كنت طفلا في السادسة من عمري، بمناسبة دخولي المدرسة وكان ذلك من خلال ما يعرف وقتها بـتصوير المية

صورة تعبيرية للمقال
حكايات جيلنا مع التصوير الفوتوغرافي
ذكرني المقال اللطيف الممتع “هوس الصورة” للصديق المخرج التلفزيوني البارع علي أبوهميلة (المقال في الرابط الأول) بذكريات لا تنسي مع الكاميرا حينما كان التصوير الفوتوغرافي أبيض وأسود، قبل أن نعرف الصور الملونة.
قبل أن تغزو حياتنا الكاميرات الرقمية والهواتف المحمولة بكاميراتها الامامية والخلفية وامكانيات التصوير السيلفي.
بدأت علاقتي بالتصوير في سن مبكرة جدا، وفي زمن كانت فيه الكاميرا من الاشياء النادرة.
اتذكر أول صورة التقطت لي، حيث كنت طفلا في السادسة من عمري، بمناسبة دخولي المدرسة وكان ذلك من خلال ما يعرف وقتها بـتصوير المية.
تقرير تحليلي: واقع حرية الصحافة في العالم العربي 2026
كاميرا المية
عبارة عن كاميرا بدائية على هيئة صندوق خشبي مثبت على حامل، يضع المصور رأسه داخله تحت ستارة سوداء لضبط البؤرة، بينما يوجد أسفلها جردل ماء به مواد كيميائية لتحميض الصورة فور التقاطها،.
ويجلس علي مقعد او يقف امامه مباشرة الشخص المراد تصويره.
كانت الصور تخرج أبيض وأسود، لكنها كانت تبدو لنا في ذلك الزمن كالسحر، او كأن هذه الكاميرا بالنسبة لنا هي شئ مدهش كصندوق الدنيا.
ولأن المصور كان جارنا، طلبت منه بالحاح تعلم كيف يفعل هذا.. ولانني كنت صغير الحجم أجلسني على كرسي، ثم أدخل رأسي داخل الصندوق، وبدأ يشرح لي هذا العالم الساحر.

الكاميرا الأولى من الجزائر
أما أول كاميرا امتلكتها، فكانت في المرحلة الإعدادية، هدية من خالي الذي كان يعمل مدرسا معارا في الجزائر وكان يدللني فسالني ذات مرة ماذا تحب أن أحضر لك في إجازتي القادمة؟
فقلت بخجل: نفسي في كاميرا زي اللي معاك، وبالفعل اهداني كاميرا صغيرة الحجم، لكنها في ذلك الزمن اوائل سبعينيات القرن الماضي هي شيئا عجيبا ونادرا
حيث اصبحت بعد امتلاكها بمثابة فرخة بكشك كما يقولون سواء في شارعنا او في البلدة كلها.
كان أهل البلدة يستدعوني لتصوير الأفراح البسيطة التي تقام في الشوارع أو فوق أسطح المنازل.
او لمن كان يرغب في ان تلتقط له صورة تذكارية وهو جالس على الكنبة في بيته وفي فمه سيجارة أجنبية، أو يحتسي الجوزة، أو وهو يمتطي حصانا أو حمارا، وبالطبع كانت كل الصور أبيض وأسود.

مع التحاقي بالجامعة، اشتريت من مكافاة التفوق كاميرا مستعملة من نوع “يوشكا”
تزامن ذلك مع ظهور الأفلام الملونة، لذا كان زملائي في اتحاد الطلاب يحرصون على وجودي في الرحلات الجامعية، ويعفونني من رسوم الاشتراك لانني من القلائل الذين يمتلكون كاميرا ستساعدهم علي توثيق رحلاتهم ولحظات السعادة والمرح والصداقة.
ساهم ذلك في اتقاني فن التصوير من حيث اختيار الزوايا، وضبط الكادرات، والتحكم في الإضاءة.
كانت تلك الاعتبارات مهمة للغاية في عصر الافلام والتحميض قبل ظهورالكاميرات الرقمية حيث أن النتيجة النهائية لم تكن تظهر إلا بعد تحميض الفيلم وطباعة الصور، لذلك كان التصوير وقتها يتطلب خبرة ودقة، ولا مجال للخطأ.
كاميرا حديثة ب2000 جنيه مصري
عندما التحقت بوظيفة إعلامية في إحدى الشركات، تقدمت لرئيسي بالعمل بطلب لشراء كاميرا حديثة على نفقة الشركة لتوثيق الاجتماعات والفعاليات والمؤتمرات التي تنظمها الشركة او تشارك فيها.
بالفعل، تم الموافقة علي شراء كاميرا احترافية من نوع “كانون”، مزودة بعدسات واسعة “وايد” وأخرى للتقريب “زووم” وكان ثمنها يقارب ألفين جنيه.
كان مبلغ كان كبيرا في أواخر الثمانينيات لذلك، حين كنت أجامل أحد الزملاء بتصوير حفل زفافه، كان يتباهى أمام عروسه ويهمس في اذنها بأن الكاميرا التي توثق حفلهما خصيصا ثمنها يتعدى آلاف الجنيهات.
كنا ايامها نحرص على اقتناء مخزون مناسب من أفلام التصوير، من ماركات مثل كوداك وفوجي، لتكون جاهزة لأي مناسبة طارئة.
كاميرا في كل إيد
استمر الحال هكذا، الي ان اعتزلت التصوير مع زيادة اعبائي بالعمل وبعدها بدا ظهور الكاميرات الرقمية.
الكاميرات الرقمية أتاحت رؤية الصورة فور التقاطها، وضبط التفاصيل بدقة قبل الطباعة سواء المسافات والكادرات والاضاءة او التلاعب بالالوان.
ثم ظهرت الهواتف المحمولة، لتدمج الكاميرا في كل يد، فيتحول مليارات البشر إلى مصورين يوثقون كل لحظة من حياتهم وكل موقف يشاهدونه في الشارع والاماكن المختلفة.
وهكذا مضت ايامنا مع الكاميرات سريعا كالايام التي وصفها عمر الخيام، بصوت كوكب الشرق: كانما الايام مثل السحاب..





