رواية علي محمد علي الراعي (13) عبدون والطريق
سكت عبدون، لم يجادل، لكنه لم يسلّم، كأن المقارنة لم تُقنعه تمامًا، أو كأن في داخله ما يرى التشابه أكثر من الاختلاف

تصميم خاص لرواية الراعي
مرّ أسبوع، ولم يُحسم الأمر في رأس عبدون، لم يقترب من الطريق، كأن قدميه تذكرتا الدم قبل أن تتحركا، وكأن عينيه لم تعودا تثقان فيما ترى بسهولة.
ما حدث لم يكن تجربة وانتهت، بل انغرس فيه، نصف إجابة ثقيلة، ونصف سؤال لا يهدأ.
ظل يتقلب بينهما، دون أن ينتصر أحدهما، هل العابرون قتلة، معتادو إراقة الدماء، يمرّون ولا يلتفتون، أم رحماء، يجبرون الكسور ويضمّدون الجراح.
وهل يمكن للاثنين أن يكونا في الجسد نفسه؟
ظل القطيع قريبًا منه، يراقبه كما يراقب هو نفسه، دون أن يقترب أحد من الطريق، كأن الشك انتقل إليهم، أو كأنهم قرأوه فيه.
رواية علي محمد علي: الراعي (12)
رواية علي محمد علي الراعي (11)
ذات صباح لم يختلف عن غيره، جاء عمر، كأن غيابه لم يكن.
لم يسأله عبدون لماذا تأخر، لم يكن السؤال مهمًا بقدر ما سيُقال.
بدأ عمر الحديث بنفسه، لا كمن يبرر، بل كمن يحمل شيئًا يريد أن يضعه: كنت مشغولًا… تجهيزات، ولمسات أخيرة لزفافي، قالها دون تردد.
ثم أكمل: امرأة أحبها منذ زمن، وتحبني، لكن أبي كان يرى في هذا الحب خطرًا، يضع أمامه الحواجز، يفتح له طرقًا أخرى، حتى اضطرني للسفر، بحجة الدراسة، كان يدفع لي المال بسخاء، يعرف أني لا أتعلم، ولا أنجح، لكنه كان يريدني بعيدًا، بعيدًا عنها.
كان عبدون يستمع، عيناه ثابتتان، لا تعلّق، لا تقاطع، كأن الحكاية تُروى له لأول مرة بلغة لم يتعلمها.
أكمل عمر، وصوته يحمل شيئًا من الراحة: الآن… انتهى كل شيء، لحقت بها قبل أن تُؤخذ مني، قبل أن يزوجها أبوها لرجل لا تعرفه، تحملت معي ما لا يُحتمل، وحان وقت المكافأة… وقت أن نحيا كما أردنا.
سكت لحظة، كأنه يختبر وقع ما قاله، ثم نظر إلى عبدون، فبادره الأخير، بهدوء صادق: صف لي هذا الحب الذي تتحدث عنه.
ابتسم عمر، ابتسامة لا تشبه أي شيء في هذا المكان.
وقال: لا يُوصف… لا يكفيه كلام، ولا يحتويه نص، هو شيء… يجري فيك، يأخذك، لا يتركك كما أنت، يسحبك في اتجاه واحد، دون أن تسأله لماذا.
توقف عبدون عند الكلمة، ثم قال: أتقصد سيلًا؟
ضحك عمر بخفة: لا يا رجل… السيل يهدم، يكسر، يترك الخراب خلفه، أما هذا… هذا يبني، يعمر، يخلق من الفوضى شكلًا، ومن الخوف طمأنينة.
سكت عبدون، لم يجادل، لكنه لم يسلّم، كأن المقارنة لم تُقنعه تمامًا، أو كأن في داخله ما يرى التشابه أكثر من الاختلاف.
نظر قليلًا نحو الطريق، ثم عاد بعينيه إليه، وقال ببطء: بس الاثنين… بياخدوا اللي قدامهم.
لم يرد عمر فورًا، نظر إليه، كأنه يفهم أكثر مما قيل، ثم قال: الفرق… في الرحمة.
ظل الصمت بينهما، هذه المرة ليس فراغًا، بل امتلاءً، كأن سؤال الطريق وسؤال الحب التقيا في نقطة واحدة داخل عبدون، نقطة لم تُحسم، لكنها بدأت… تتحرك.
نظر عمر إلى عبدون نظرة لم تكن عابرة، نظرة توقفت عنده كما تتوقف اليد على جرح قديم، فيها تأمل، وفيها شيء أقرب للشفقة التي تخجل من نفسها، ثم قال ببطء، كأنه يسكب المعنى لا ينطقه:
أنت كمان لازم تجرّب الإحساس ده… حرام، حرام تفضل كده، لا دين يقول بكده، ولا إنسانية تقبل بيه.
سكت لحظة، والعين لم تتركه.
ثم أكمل، ونبرة صوته فيها إصرار هادئ، عنيد:
أنا من الأول بحاول معاك… مش عشان أغيّرك، لكن عشان أفكك… عشان أرجّعك لنفسك، وأنت… كنت شايفني بلف وبدور.
اقترب خطوة، كأن المسافة بينهما لم تعد تحتمل:
يا عزيزي… أنت ما اشتغلتش عندنا بس، أنت اتهدّيت هنا، واتشكّلت، واتسحبت منك سنين كان المفروض تعيشها بطعم تاني، وليك عندي حق… مش كلمة بتتقال… حق تقيل، في رقبتي.
تنفّس، وكأن الكلام أصبح أصدق:
أنا هتكفّل بكل حاجة، مش كلام، فعل… بيت، راحة، شغل تعيش منه مش تعيش له، وأيوه… واحدة، واحدة تبص لك مش كراعي… تبص لك كرجل، تشوفك، وتختارك، وتختارها.
هزّ رأسه، كأنه يقطع الطريق على أي رفض:
ده مش فضل مني… ولا كرم… ده دين، دين لازم يترد، وحقك تاخده كامل، بعد عمر اتاكل هنا حتة حتة.
سكت.
والكلام لم يقع… ظل معلقًا، يضغط على صدر المكان كله، عبدون لم يتحرك، فقط نظر إليه، نظرة طويلة، كأنها لا ترى عمر وحده، بل ترى ما وراءه.
حياة تُعرض عليه كما تُعرض المرآة على من لم ير وجهه من قبل، حاول أن يمدّ خياله… أن يمسك بشكلها، بملامحها، بظلها حتى، لكن كلما اقتربت الصورة… تكسّرت.
رأى بيتًا… ثم ذاب في صحراء، رأى وجه امرأة… فاختلط بوجوه لا يعرفها، رأى نفسه… فلم يتعرّف عليه.
التشوش لم يكن في الصورة… كان فيه، تنفّس ببطء، كأن الهواء أثقل من المعتاد، وعيناه ما زالتا معلّقتين بشيء لا يكتمل، ثم قال، بصوت خرج كأنه يُنتزع: يعني… أسيب ده كله؟
الصحراء كانت خلفه… والكلام أمامه… وهو بينهما… لا يعرف أيهما الحقيقة، وأيهما الحلم.
ولأول مرة… لم تكن المشكلة في الاختيار، بل في أنه… لا يرى نفسه خارج ما اعتاده، كأن القيد لم يعد حوله… بل صار داخله.
ظلّ عبدون واقفًا مكانه بعد أن ذهب عمر، كأن الحديث لم ينتهِ، بل بدأ لتوّه داخله، أفكار تتداخل، تتشابك، لا تسير في خط مستقيم، بل تدور، تعود، وتلد نفسها من جديد.
كيف أتعامل مع جنسٍ عشت عمري أراه بابًا للغواية؟
كيف أقترب مما تعلّمت أن أبتعد عنه؟
كيف أمدّ يدي لشيء قيل لي إن لمسته أفسدك؟
وإن عشت… من يضمن لي؟
من يضمن لي أنها لا تخون؟
الصورة لم تأتِ من فراغ، لم يخترعها، بل رآها، سمعها، حُفرت فيه، زوجة أبو الفضل… لم تكن حكاية تُروى، كانت دليلًا، كانت برهانًا.
كأن العالم قال له يومها: هذا ما يحدث، وإن لم تخن اليوم… من يضمن غدًا؟ وإن حفظتني وأنا قوي… هل تحفظني وأنا ضعيف؟
تسللت الفكرة كما هي، دون تزيين:
من يضمن لي أنني إذا مرضت… لا أُترك؟
إذا وهن جسدي… لا يُداس عليّ؟
إذا سقطت… لا يتقدّم أحد ليكمل ما تبقى مني؟
نظر نحو القطيع، كأن الإجابة هناك، في ما يعرفه، لا فيما يُعرض عليه، النعاج لا تحفظ العشير، لا تبكي غيابه، لا تنتظر عودته، تنتقل، تتبدّل، مع الأقوى، مع الأقدر، لا عاطفة تحكمها، بل غريزة صريحة، لا تتجمّل.
فهل البشر… مختلفون؟
أم أنهم فقط… يخفون ما هو نفسه؟
تقدّمت الفكرة خطوة أخرى، أشد قسوة:
من يضمن لي ألا يباع نسلي… كما باعني أبي وقبض الثمن؟
من يضمن لي أن أولادي، إن جاءوا، لا يُؤخذون مني كما أُخذت؟
أن لا أقف يومًا… في نفس موضع مرجان، أمدّ يدي، وأختار… أيهم أترك؟
توقف.
هذه الفكرة لم تمر بسهولة، كأنها لم تعد عن العالم… بل عنه هو، تنفّس ببطء، وعاد خطوة إلى ما يعرفه، كما يعود الجسد إلى مكان دافئ:
هنا… كل شيء واضح، لا مفاجآت، لا وجوه تتبدّل، لا وعود تُكسر، القطيع كما هو، الصحراء كما هي، النظام لا يخون، لا يترك، لا يتغيّر.
هنا… لا أحد يخدعني، هنا… كل يعرف حدوده، ويعرف حدوده منه، هنا… لا يحتاج أن يسأل: من يضمن لي؟
لأن الإجابة… لا تتغير، رفع عينه قليلًا،
كأن الطريق ما زال هناك، ينتظره، لا يلحّ، لا يرحل.
أما هو… فكان واقفًا بين عالمين
أحدهما يعرفه حتى الألم.
والآخر… لا يضمن له شيئًا.





