د. محمد الغمري يكتب: كوني ناصريًا لا يُلزمني بإنكار الحقيقة (يا خالد)
هنا لا يستقيم ردّ شهادات التعذيب جميعها إلى خصومة سياسية أو رغبة في تشويه عبد الناصر
جمال عبد الناصر كان صاحب الفضل الأكبر في تعميق الطبقة الوسطى ثم خانته
في الرد على خالد يوسف
في تصريحات تلفزيونية حديثة، قال المخرج خالد يوسف: «أيام عبد الناصر مكانش في حد بيتحبس علشان قال رأيه»
وأضاف أن الاعتقالات آنذاك استهدفت منتمين إلى تنظيمات سرية تسعى إلى قلب نظام الحكم، وأن معظم المذكرات التي تناولت التعذيب صدرت عن جهات من مصلحتها تشويه صورته.
ولا أخاصم خالد يوسف في دفاعه عن جمال عبد الناصر، فأنا ناصري أيضًا.
لكن سؤالي ليس عن نيات عبد الناصر، بل عن المسار الذي صنعته أدوات حكمه، وعمّا تركته تلك الأدوات للمشروع الناصري نفسه من قدرة على البقاء.
فعبارة خالد يوسف تقرّ ضمنًا بوقوع الاعتقال على أساس الانتماء التنظيمي، وإن قدّمت له مسوّغ التآمر.
د. محمد الغمري يكتب: عبد الناصر ما الذي يبقى بعد أن يغيب الرجل؟
من هنا يبدأ الخلاف
فقد يُفهم من عبارة يوسف أن غياب حكم قضائي يعاقب على كلمة أو كلمات بعينها ينفي الاعتقال بسبب الرأي.
غير أنه يتجاهل كون الاحتجاز السياسي (الاعتقال) سلك طريقين لم يكن أي منهما يقتضي بالضرورة صدور حكم قضائي يعاقب على مجرد التعبير عن الرأي.
الأول، الاعتقال الإداري بغير محاكمة، الذي استند إلى الأحكام العرفية، ثم إلى قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958.
وحين انتهت حالة الطوارئ في مارس 1964، بدأ العمل بالقانون رقم 119 لسنة 1964 بشأن بعض التدابير الخاصة بأمن الدولة، فأبقى للسلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية في القبض والاحتجاز.
وقد قضت المحكمة العليا في أول أبريل 1978، في القضية رقم 5 لسنة 7 قضائية دستورية، بعدم دستورية المادة الأولى من القانون الأخير.
ثم قضت المحكمة الدستورية العليا في 2 يونيو 2013، في القضية رقم 17 لسنة 15 قضائية دستورية، بعدم دستورية ما تضمنه البند الأول من المادة الثالثة من قانون الطوارئ من تخويل رئيس الجمهورية الترخيص بالقبض والاعتقال وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية.
ولا تعني هذه الأحكام أن كل اعتقال وقع في تلك المرحلة قد ثبت بطلانه قضائيًا على حدة فلكل واقعة سندها وظروفها وآثارها القانونية.
لكنها تكشف أن التشريعات نفسها منحت السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية بلغ اتساعها حدًّا قضى معه القضاء الدستوري لاحقًا بعدم دستورية بعض نصوصها.
أما الطريق الثاني، فكان الملاحقات والمحاكمات التي اتخذت من الانتماء إلى تنظيمات محظورة أو ممارسة النشاط السياسي المنظم أساسًا للاتهام، دون أن يثبت بالضرورة اقتران كل نشاط بالعنف.
وحين يغلق النظام المجال أمام التنظيم المستقل، ثم يلاحق من يمارسون نشاطهم السياسي خارجه، يصبح الحد الفاصل بين الرأي والانتماء حدًّا ترسمه السلطة أكثر مما يضبطه معيار محايد.
ولم يكن الخطر الأمني وهمًا، فمحاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية عام 1954، وتنظيم 1965، وقائع لا يصح إنكارها.
لكن وجود خطر حقيقي لا يُعفي الدولة من التمييز بين الفعل العنيف والنشاط السياسي السلمي، ولا يحوّل الضرورة الأمنية إلى تفويض مفتوح بالاعتقال.
الأمثلة الفردية مع ذلك ليست نادرة
في 29 أبريل 1954، أُودع إحسان عبد القدوس السجن الحربي، وظل محتجزًا نحو ثلاثة أشهر، عقب نشر مقالاته في «روز اليوسف» بعنوان «الجمعية السرية التي تحكم مصر» التي انتقد فيها حكم الضباط وطالب بعودة الحياة النيابية.
وأمضى جانبًا من احتجازه في زنزانة انفرادية. لم تكن الواقعة، بحسب المصادر المنشورة عنها، مرتبطة بفعل عنيف، كان كاتبًا كتب ما أغضب السلطة.
وفي عام 1966، اعتقل صلاح عيسى عقب نشر دراسته في مجلة «الحرية» اللبنانية، بعنوان «الثورة بين المسير والمصير» التي انتقد فيها غياب الديمقراطية من منظور وطني ويساري، رغم اعترافه بالإنجازات الاجتماعية للتجربة، وأُفرج عنه مطلع 1967.
وقد ارتبطت سيرته السياسية كذلك بنشاطه في أوساط اليسار المحظور، لكن ذلك لا يغيّر من دلالة اعتقاله على خلفية كتابته النقدية.
وبعد هزيمة 1967، صارت قصائد أحمد فؤاد نجم وألحان الشيخ إمام صوتًا ساخرًا من خطاب السلطة.
واتُّهما سنة 1968 في قضية مخدرات انتهت بالبراءة، ثم اعتُقلا في مايو 1969، واستمر احتجازهما حتى أكتوبر 1971.
ويروي نجم أن ضابط أمن الدولة سأله أثناء التحقيق عمّا إذا كان مؤلف قصيدة «حاحا» وهي شهادة صاحب الواقعة، لا محضر تحقيق مستقل، لكنها تضيء طبيعة العلاقة بين الكلمة والسلطة في تلك المرحلة.
أما حملة 1959 على الشيوعيين، فقد كشفت وجهًا آخر للمسألة
اعتُقل صنع الله إبراهيم على خلفية انتمائه إلى منظمة «حدتو»، وقضى نحو خمس سنوات في السجن حتى الإفراج عنه عام 1964.
ولم تكن قضيته، بهذا الوصف، اعتقالًا بسبب مقال منشور، بل بسبب انتماء سياسي تنظيمي.
غير أن هذا التمييز لا ينفي السؤال عن مشروعية حرمان شخص من حريته بسبب نشاط سياسي سلمي، ما لم يثبت اقترافه فعلًا يجيز العقاب.
وفي الحملة نفسها، اعتُقل شهدي عطية الشافعي، الذي عبّر، رغم خلافه السياسي مع السلطة، عن تأييده للمواقف الوطنية للنظام،وتوفي في ليمان أبو زعبل يوم 15 يونيو 1960، في ظروف ستكشفها لاحقًا أوراق القضاء،ولم تبقَ القضية حبيسة مذكرات خصوم النظام.
ففي 28 نوفمبر 1974، أصدرت محكمة جنوب القاهرة حكمًا في دعوى التعويض التي أقامتها أسرته، أوردت فيه ثبوت اعتداء رجال الشرطة وحرس الليمان عليه بالضرب والتعذيب، وفق ما نقلته المصادر المنشورة عن الحكم.
هنا لا يستقيم ردّ شهادات التعذيب جميعها إلى خصومة سياسية أو رغبة في تشويه عبد الناصر
فالخلاف على الروايات لا يُحسم بموقف أصحابها من النظام، وإنما بما يسندها أو ينقضها من أدلة. وحين تتناول الواقعة أوراق القضاء، لا يعود كافيًا صرف النظر عنها باتهام من رواها.
ولا أزعم أن كل معتقل سياسي كان سجين رأي، ولا أن كل تنظيم سري كان بريئًا من العنف.
وقد طالت الملاحقات أيضًا الإخوان المسلمين وقيادات من العهد الحزبي السابق، ومنهم فؤاد سراج الدين.
وتداخلت في بعض هذه الملفات اتهامات بالعنف أو الفساد أو التآمر، تستحق كل منها فحصًا مستقلًا، لكن ذلك لا يجيز تعميم الاتهام على جميع المعتقلين، ولا يجعل الانتماء السياسي في ذاته دليلًا على ممارسة العنف.
غير أن السجون لم تكن أول الحكاية
فقد سبقها إغلاق المجال الذي كان يمكن أن يستوعب الاختلاف. حُلّت الأحزاب في يناير 1953، ثم حُسم صراع مارس 1954 لمصلحة استمرار حكم مجلس قيادة الثورة وتراجع مشروع العودة إلى الحياة النيابية.
وتكرست بعد ذلك صيغة التنظيم السياسي الواحد، التي مرت بهيئة التحرير والاتحاد القومي، وانتهت بالاتحاد الاشتراكي.
ونص دستور 1956 في المادة 44 على كفالة حرية الرأي والبحث العلمي والتعبير في حدود القانون، بينما جعلت المادة 45 حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة «وفقًا لمصالح الشعب وفي حدود القانون»
وهكذا اجتمعت الضمانة الدستورية مع قيود أتاحت للمشرّع والسلطة السياسية مساحات واسعة لتحديد حدود التعبير، بينما كانت أدوات التنظيم المستقل تضيق بالفعل.
ولم يستمر العمل بدستور 1956 إلا إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، ثم صدر في ظل دستورها المؤقت القانون رقم 156 لسنة 1960 بتنظيم الصحافة.
وبموجب هذا القانون، آلت ملكية صحف الأهرام وأخبار اليوم وروز اليوسف ودار الهلال إلى الاتحاد القومي، مقابل التعويض المقرر قانونًا.
ولم يقتصر الأمر على نقل الملكية؛ فقد جعل القانون إصدار الصحف والعمل في الصحافة خاضعين لترخيص الاتحاد القومي، وفق الأحكام الواردة فيه.
وهكذا ضاقت المسافة بين السلطة التي تُنتقد والجهة التي تملك أدوات النقد وتنظمها.
ولم يعد الاعتقال مجرد واقعة منفصلة عن بنية الحكم، بل إحدى النتائج الممكنة لمسار تتراجع فيه استقلالية المؤسسات، وتضيق معه مساحات الاختلاف السياسي.
السؤال الذي يعنيني بوصفي ناصريًا: ماذا كلّف ذلك المشروعَ نفسه؟
كلّفه شرعيةً كان يمكن أن تكون أوسع من الإنجاز.
فحين يغدو الإنجاز المصدر الغالب لشرعية السلطة، دون سند كافٍ من المشاركة الحرة والمساءلة، يصبح التعثر في الإنجاز تهديدًا لاستقرار تلك الشرعية، لا مجرد إخفاق في سياسة قابلة للتصحيح.
وكلّفه بعض حلفائه الطبيعيين، إذ أُنفقت في الزنازين طاقة يساريين شاركوه الإيمان بالعدالة الاجتماعية ومقاومة الاستعمار، بدلًا من أن تُستثمر في البناء والمراجعة.
وتحولت العلاقة بين قوى كان يمكن أن يجمعها مشروع وطني إلى علاقة ريبة وصراع
وكلّفه مرآته، فالسلطة التي تهيمن على الصحف وتضيق بالنقد المستقل تسمع ما يؤكد خياراتها أكثر مما يكشف أخطاءها، وتضعف أمامها فرص الإنذار المبكر الذي يوفره الاختلاف الحر.
وليس معنى ذلك أن كل خطأ كان يمكن تفاديه بمجرد إتاحة النقد، بل أن إضعافه يحرم القرار من إحدى وسائل اختباره وتصحيحه.
وأضعف، في النهاية، بعض الشروط السياسية والاجتماعية اللازمة لاستمرار المشروع بعد صاحبه.
فالتعبئة التي تأتي من أعلى تستطيع أن تحشد الناس، لكنها لا تُنشئ بالضرورة قوى مستقلة قادرة على حماية المشروع ومراجعته وتجديد شرعيته.
ولا يصح تفسير التحولات التي أعقبت رحيل عبد الناصر بعامل واحد، فقد تداخلت فيها نتائج هزيمة 1967، وتغير القيادة، والصراعات داخل مؤسسات الدولة، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الإقليمية والدولية.
لكن غياب التعددية السياسية المستقلة كان أحد العوامل التي أضعفت قدرة القوى الاجتماعية المؤيدة للعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني على مقاومة تبدل الخيارات من داخل الدولة نفسها، وصولًا إلى الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات.
ومن المفارقة أن بعض ما بقي حيًّا من تلك المرحلة حفظته شهادات من دخلوا سجونها: يوميات صنع الله إبراهيم عن تجربة المعتقل، وقصائد أحمد فؤاد نجم التي تناقلها الناس وغنّى الشيخ إمام بعضها.
لم تستطع تجربة السجن أن تطفئ تلك الأصوات، بل صارت شهاداتها جزءًا من الذاكرة الثقافية والسياسية للمرحلة.
هذا لا يمحو ما تحقق من استقلال وإصلاح زراعي وتعليم وتصنيع ومكانة عربية ودولية.
لكنه يضع الإنجاز في علاقته بشروط استمراره، فالمسألة ليست موازنة حسابية بين المصانع والسجون، ولا بين الاستقلال والحريات، كأن على المجتمع أن يختار أحدهما ويتنازل عن الآخر.
إنها مسألة العلاقة بين الغاية والوسائل، وبين ما تنجزه السلطة وما تتركه للمجتمع من قدرة على حماية ذلك الإنجاز وتصحيحه وتطويره.
كوني ناصريًا لا يُلزمني بإنكار الحقيقة
فلا أحتاج إلى إنكار السجون لأدافع عن العدالة الاجتماعية، ولا إلى تبرير تقييد الحريات لأؤمن بالاستقلال الوطني، ولا إلى إضفاء العصمة على عبد الناصر لأعترف بمكانته التاريخية.
فالحرية ليست ثمن التحرر، بل شرط بقائه.
والمشروع الذي يحرر المواطن من الفقر والتبعية، ثم يضيق بحقه في الاختلاف، يحرم نفسه من بعض القوى التي كان يمكن أن تحمي المشروع.
شاركنا برأيك