مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: من يكتب القرار الأمريكي قبل أن يوقعه الرئيس؟

تنتقل الفكرة بين عشرات المكاتب، وتخضع لمراجعات قانونية، وأمنية، وعسكرية، واقتصادية، قبل أن تصل إلى مكتب الرئيس في صورة بدائل، لا في صورة قرار واحد.

مشاركة:
حجم الخط:

تتجه أنظار العالم إلى البيت الأبيض كلما صدر قرار أمريكي يتعلق بحرب أو عقوبات أو اتفاق دولي. تتجه الكاميرات إلى الرئيس وهو يوقع الوثيقة، فيترسخ في أذهان كثيرين أن القرار وُلد في تلك اللحظة.

غير أن الحقيقة تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، وفي أماكن لا تنقلها عدسات التلفزيون.

واشنطن لا تصنع قراراتها داخل المكتب البيضاوي وحده

صناعة القرار رحلة مؤسسية تبدأ أحيانًا بورقة سياسات لا تتجاوز عشر صفحات في أحد مراكز الدراسات، أو بتقدير استخباري، أو بمذكرة يعدها موظف متخصص في وزارة الخارجية أو البنتاغون.

بعد ذلك تنتقل الفكرة بين عشرات المكاتب، وتخضع لمراجعات قانونية، وأمنية، وعسكرية، واقتصادية، قبل أن تصل إلى مكتب الرئيس في صورة بدائل، لا في صورة قرار واحد.

القرار الأمريكي لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك داخل شبكة معقدة من المؤسسات.

مجلس الأمن القومي ينسق بين الرؤى، ووزارة الخارجية تدرس الانعكاسات الدبلوماسية، ووزارة الدفاع تقيّم القدرات والمخاطر العسكرية.

ووزارة الخزانة تحسب الكلفة الاقتصادية وأثر العقوبات والأسواق.

بينما تقدم وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية تقديراتها بشأن المخاطر والفرص وردود الفعل المحتملة.

وفي الملفات الداخلية يظل الكونغرس حاضرًا بما يملكه من سلطات تشريعية ورقابية وتمويلية، كما يبقى القضاء الفيدرالي قادرًا على مراجعة بعض القرارات عندما تمس حدود الدستور.

هذه المنظومة لا تبحث عن إجابة واحدة، بل تصنع للرئيس عدة مسارات.

كل مسار يحمل تقديرًا للمكاسب، وحسابًا للكلفة، واحتمالات النجاح، وردود فعل الخصوم والحلفاء، وتأثير القرار في الاقتصاد، وفي الرأي العام، وفي الانتخابات المقبلة.

عند هذه المرحلة لا يختار الرئيس فكرة، وإنما يختار بين سيناريوهات أعدتها مؤسسات كاملة.

ولهذا تبدو مراكز الدراسات جزءًا أصيلًا من بنية الدولة الأمريكية، وليست مؤسسات تعيش على هامشها.

كثير من الباحثين ينتقلون مع تغير الإدارات إلى مواقع تنفيذية، ثم يعودون إلى جامعاتهم ومراكزهم البحثية بعد انتهاء خدمتهم.

هذه الدورة المستمرة جعلت المعرفة والخبرة تتنقلان بين الجامعة، ومركز الدراسات، والمؤسسة التنفيذية، من دون حواجز حادة، وهو ما منح واشنطن قدرة كبيرة على تحويل الأفكار إلى سياسات.

أما جماعات الضغط، والشركات الكبرى، والمؤسسات المالية، ووسائل الإعلام، فلا تجلس على طاولة اتخاذ القرار، لكنها تؤثر في البيئة التي يُصنع فيها القرار.

تضغط، وتقنع، وتمول الدراسات، وتحشد الرأي العام، وتدافع عن مصالحها، فتضيف إلى المشهد طبقة أخرى من التعقيد لا يمكن تجاهلها عند قراءة السياسة الأمريكية.

لهذا يخطئ من يعتقد أن الولايات المتحدة يحكمها الرئيس وحده، ويخطئ أيضًا من يختزل المشهد كله في عبارة “الدولة العميقة

الرئيس يقود السلطة التنفيذية، لكنه يعمل داخل منظومة دستورية ومؤسسية صممت أصلًا لتوزيع القوة، ومنع احتكارها، وإخضاعها للمراجعة والتوازن.

هذه الفلسفة الدستورية هي التي منحت المؤسسات الأمريكية قدرة على الاستمرار رغم تغير الرؤساء، وتعاقب الأحزاب، واختلاف الأولويات.

السؤال الحقيقي إذن لا يتعلق بمن يوقع القرار، وإنما بمن شارك في صياغته، ومن كتب مذكرته الأولى، ومن حذف فقراته، ومن أضاف بدائله، ومن قدّر كلفته، ومن رسم للرئيس خرائط المكاسب والمخاطر.

عند هذه النقطة يبدأ الفهم الحقيقي للسياسة الأمريكية، لأن التوقيع يمثل نهاية الرحلة، بينما تبقى صناعة القرار هي الحكاية التي لا تظهر أمام الكاميرات.

 

شارك المقال: