حمدي عبد العزيز يكتب: فى محبة آلة الزمن السحرية (السينما )
إلا أن السينما بوجه عام تصلح كديوان للحياة المجتمعية بغض النظر عن طرق المعالجات أو ما تريد أن تقوله الأفلام السينمائية

فيلم حبيبي دائما يعكس الحياة في ثمانينات القرن الماضي (وسائل التواصل)
السينما ناقلة للتاريخ والواقع بتفاصيله
بالرغم من أن علاقة السينما بالتاريخ بأبعاده وتفاعلاته التي تتم في سياقات مراحله المختلفة والمتنوعة ومواضع أحداثه الجغرافية والمكانية، ودقة معالجاتها للعلاقات الاجتماعية التي تسود المراحل التاريخية المختلفة والمتباينة، هي علاقة حافلة بالإشكاليات واختلاف مدارس المعالجة السينمائية لأحداث التاريخ وتفاعلاتها المجتمعية والتعامل مع تفاصيلها وما إلى ذلك من أمور ربما تستدعي الكثير من الجدل والمناقشات التي لا تنتهي .
إلا أن السينما بوجه عام تصلح كديوان للحياة المجتمعية بغض النظر عن طرق المعالجات أو ما تريد أن تقوله الأفلام السينمائية.
فرغم صناع الفيلم أو بإرادتهم أو حتى رؤيتهم التي يريدون توصيلها من خلال استخدام إمكانات الأدوات البصرية والسمعية التأثيرية للسينما، فإن الفيلم السينمائي يقدم لنا فكرة عن مفردات الحياة الاجتماعية للناس عبر التقاط كاميرات صُنَّاعه لتفاصيل صغيرة أثناء تصوير مشاهده بشكل أقرب إلى الحتمية السينمائية.
حمدي عبدالعزيز (3-3) ضرب القواعد ضرورة حتمية القواعد الأمريكية
حمدي عبد العزيز يكتب: قبضايات على هامش السلطة
البنات والصيف يعكس الحياة الاجتماعية والاقتصادية
فعندما تشاهد مثلاً فيلماً يرجع تاريخ صناعته إلى خمسينيات القرن الماضي فسترى أزياء هذا الوقت والأدوات التي يستخدمها الإنسان وطبيعة الشوارع والمباني.
وكذلك مفردات اللغة التي تنطق بها شخوص الفيلم وعناصره الثانوية، لأن اللغة في النهاية كائن اجتماعي من حيث كونها تخضع لقوانين الواقع وشروطه ومتغيراته عبر التاريخ في التطور والتحور واتخاذ مسارات ناتجة ومعبرة عن طبيعة مسارات الحياة ذاتها .
قلم حبر ودواية الحبر
كمجرد واحد من الأمثلة اللامتناهية في هذا الصدد أتذكر في أحد مشاهد فيلم (البنات والصيف) الذي أُنتج في 1960 نرى عبد الحليم حافظ يجلس إلى مكتبه ليكتب خطابًا إلى حبيبته، فنجد في يده قلم حبر وأمامه (دواية الحبر)
وهذا مشهد يرتد بذاكرة من عاشوا في هذه الفترة وما بعدها بحوالي عشر سنوات، حيث كان القلم الحبر
(الذي كان يُملأ بالحبر السائل الأزرق سواء كان القلم بمكبس أو بشفاطة مطاطية)
هو القلم المستخدم في الكتابة منذ تخطي التلميذ مرحلة الكتابة بالقلم الرصاص (ابتداءً من الصف الثالث الابتدائي تقريبًا)
بحيث كان امتحان الشهادة الابتدائية لا يُسمح فيه إلا باستخدام القلم الحبر، وبالطبع كان يُسمح للطلاب ابتداءً من هذه المرحلة وما بعدها باصطحاب الدوايات (قنينة الحبر الزجاجية) وقطع النشاف الورقي لمعالجة حالات سيلان الحبر الزائد من القلم.
تذكرت كيف كنا عند انتهاء اليوم الدراسي نعود إلى منازلنا وأصابعنا مبقعة بالحبر الأزرق.
وهكذا حتى ظهر (القلم الجاف الحبر) الذي نعرفه الآن، وظل لفترة طويلة يُستخدم بالتوازي مع القلم الحبر السائل.
إن كان لم يكن يُسمح به في الامتحانات والاختبارات والمكاتبات الرسمية حتى طغى استخدامه منذ اقتراب منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى تاريخه.
قميص عبد الحليم (الفانلة الهولانكا)
القميص الذي يرتديه عبد الحليم حافظ في هذا المشهد كان قميصًا يحب أن يرتديه غالبية الصبية والشباب في مصر الستينيات إلى بدايات السبعينيات، وكنا نسميه (الفانلة الهولانكا)
وأنا شخصيًا كافأني والدي بعد نجاحي في الشهادة الابتدائية بأن اشترى لي (فانلتين هولانكا) بناءً على تحديدي لنوع المكافأة التي أفضلها.
وكان التيشرت الأول برتقاليًا والتيشرت الآخر أزرق (لاحظوا اللغة هنا تتطور وتتحور ما بين مفردات فانلة وتيشرت وقميص)
ولنا أن نتخيل ماذا لو كان سيتم إنتاج هذا المشهد في اللحظة الزمنية التي نعيشها.
بالطبع سترتدي الشخصية التي مثلها عبد الحليم حافظ ثيابًا مختلفة (غالبًا تيشرت مطبوع عليه كلمات بالإنجليزية فالهولانكا ومن بعدها المانجيتوه عفا عليهما الزمن)
ومنطقيًا لن تكون أدوات التخاطب هي الورقة والقلم وقنينة الحبر، وبالتالي لن تظهر في المشهد.
وسيظهر بدلاً من ذلك جهاز الموبايل أو اللاب توب، وسيكون (الشات) بديلاً لخطاب الورقة والقلم.
أما عن الغناء فسيتخذ طريقة تصوير أقرب إلى أسلوب تصوير (الكليب) والإيقاعات ستكون أسرع، والموسيقى ستختلف لتكون موسيقى اللحظة الزمنية التي نعيشها.

وبالطبع فيما لو تم إنتاج فيلم سينمائي عن فترة زمنية سابقة
فبديهيًّا في هذه الحالة أن يقتضي الأمر الالتزام بالتفاصيل المكانية والزمانية والسلوكيات المجتمعية السائدة في تلك الفترة الزمنية وطرزها المعمارية والملابس السائدة في ذلك الزمن.
والأدوات المنزلية والشخصية المستخدمة وطريقة هندمة الناس لأنفسهم وحال الطبقات المجتمعية المختلفة وقتها، وتعدد وسائل الحياة وأدواتها طبقًا للموقع الاجتماعي للشخوص وأنواع السيارات ووسائل النقل التي كانت تُستخدم في هذه الفترة وما إلى ذلك من سياقات تتعلق بالفترة الزمنية والتاريخية ومواضعها الجغرافية والمكانية، وهذا موضوع آخر يتعلق بالمعالجات التاريخية للسينما والدراما.
أخلص القول بأن السينما في كل أحوالها، بغض النظر عن القيمة الفنية أو موضوعات أفلامها ومستوياتها، فإنها تقدم دون قصد أو بقصد من صناعها فكرة عن مفردات الحياة الاجتماعية للفترة التاريخية التي أُنتج فيها الفيلم
ومن هذه الزاوية تكمن أهمية بل وضرورة فن السينما في حياتنا.






