علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: بلال فضل وضياء العوضي حين يتغلب الهوى على البحث

المفارقة التي تستحق أن تُوجَّه إلى بلال فضل، أن الرجل الذي ينتقد، تصديق الناس للادعاءات الطبية التى يراها عبثية غير مثبتة، يفترض به أن يكون أول من يتمسك بقاعدة «البحث والتجربة» حين يواجه فكرة لا تعجبه.

مشاركة:
حجم الخط:

ليس هناك اعتراض على أن ينتقد بلال فضل الدكتور ضياء العوضي، ولا على أن يناقش «نظام الطيبات» أو يحذّر من أفكار يرى أنها قد تضر بصحة الناس.

إن نقد الأنظمة العلاجية والغذائية واجب، ومراجعة ادعاءاتها علميًا ليست ترفًا ولا معركة هويات.

لكن موضع الدهشة شيء آخر، فلماذا بدا في مقال بلال فضل المعنون «جرائم الدجال ضياء العوضي بالحرف والصوت والصورة» أن الحكم على الرجل قد حُسم قبل أن تبدأ مناقشة أفكاره؟

فكلمة «دجال» ليست نتيجة بحثٍ منشورة، ولا خلاصة تجربة سريرية، ولا تشخيصًا طبيًا.

إنها حكم نهائي بالإعدام يُلقى على صاحبه، ثم يُطلب من القارئ أن يتعامل مع ما يليه بوصفه ملفًا حقيقيا قد أُغلق وانتهى أمره، وليس قضية تستحق الفحص.

حين يكون موضوع الحديث نظامًا غذائيًا أو علاجيًا، تصبح المسافة بين نقد الفكرة وإدانة صاحبها أكثر أهمية، لا أقل، فسلامة الناس لا تُصان بالنعوت،ولا بالأحكام القهرية، بل بالبينات،والأدلة، والمناقشة المبنية على التجارب العملية النافية للجهالة

قد يكون في أفكار العوضي ما يستحق الرفض، وقد تكون بعض ادعاءاته خاطئة أو مضللة، ولا أملك هنا أن أحسم صحتها الطبية.

لكن هذا بالضبط هو سبب الحاجة إلى النقاش المنضبط:

فتحديد الادعاء، وفحص دليله، وبيان ما يقوله العلم بشأنه، هو المسار الأمثل للتمحيص، بدلا من أن يتحول اسم صاحبه إلى جواب جاهز عن كل سؤال،

ليس كل من أخطأ في الطب دجالًا بالضرورة، كما أن ارتداء معطف الطبيب لا يجعل كل ما يقوله حقيقة منزلة

وبين هذين الطرفين تقع مساحة البحث التي يبدو أنها اختفت تحت وطأة عنوان مقال بلال فضل الذى يعطى الادانة الجاهزة، ويعتمد على افتراضات غير صحيحة منسوبة زورا لضياء العوضى أو مأخوذة من سياقها على طريقة لاتقربوا الصلاة.

ثم يقدم ردودا اصطناعية فجة لاعلاقة لها بنظام الطيبات ولا بتفاصيله ولا بممنوعاته او مسموحاته،ولا بدعوته للصيام او الامتناع عن بعض الاطعمة، ولا بتقديم أجابات ناجزة حول طبيعة وسلامةالنظام الغذائي فى مصر ،ولا على الجرائم الطبية العلاجية التى تمارس على نطاق واسع!

وحتى لو استند بلال فضل، كما يورد المقال، إلى تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» تناول انتقادات طبية لأفكار العوضي، من بينها مواقفه من الإنسولين والعلاج الكيميائي، فلا يصح أن يتحول النقل الصحفي إلى ختمٍ نهائي على ملف طبي معقد.

فالصحيفة، مهما كان اسمها لامعًا، ليست لجنةً بحثية سريرية، والعنوان الجذاب لا يغني عن معرفة الدراسات ومناهجها وحدودها.

وإذا كان المقصود حماية المرضى، فالأجدى أن يُقال بوضوح: ما هو الادعاء المحدد بدون اضافات متعمدة ؟ وما الدليل على خطورته؟ وما النصيحة الطبية البديلة؟

أما الاكتفاء بتقديم صاحب الفكرة بوصفه «دجالًا» اعتمادا على تحقيق صحفى غربي، مع وضع ادعاءات منسوبة للرجل والرد عليها كانها من بنات أفكاره، فهو يجعل الدجل صفة مردودة ومستحقة على صاحب المقال دون غيره.

الكارثة أن المقال لا يقف عند مناقشة الأفكار

إذ يتناول إلغاء ترخيص العوضي وفصله من الجامعة ووفاته في الإمارات كما لو أن هذه الوقائع لا تستدعي أسئلة إضافية، بل يعتمدها كأدلة يقينية على خطأ منهج الطيبات ،بما يعني أن هذه الوقائع تصلح، بذاتها، برهانًا على بطلان أفكاره.

بينما أن الفصل بين المسارات واجب: فتقييم الادعاء طبيًا شيء، ومناقشة الإجراءات التي طالت صاحبه شيء آخر، والحديث عن وفاته شيء ثالث.

وخلطها في سلة واحدة لا يجعل الحجة أقوى، بل يجعلها فقط أسهل على من يريد إصدار الحكم قبل فتح الملف، ويعطى زخما اضافيا لمن يشككون فى نوايا منتقدى نظام الطيبات ،

المفارقة التي تستحق أن تُوجَّه إلى بلال فضل، أن الرجل الذي ينتقد، تصديق الناس للادعاءات الطبية التى يراها عبثية غير مثبتة، يفترض به أن يكون أول من يتمسك بقاعدة «البحث والتجربة» حين يواجه فكرة لا تعجبه.

وهي القاعدة ذاتها التي أشار إليها في سياق الجدل حول «جهاز الكفتة»

فلا تصديق لمجرد الإعجاب، ولا رفض لمجرد النفور، بل اختبار ودليل، وهو أمر طالب به فى تناوله لجهاز علاج الأيدز، بينما لم يشر اليه عند تناوله لنظام الطيبات بل قفز بشكل مفاجئ الى ادانة وشيطنة ذلك النظام !؟

ويكفى هنا لتوضيح التناقض والخلل المنهجى لدى بلال فضل، هو انه دافع عن حق طبيب آخر يدعى خالد منتصر وحريته فى طرح أفكاره الخاصة بالشأن الاسلامى، رغم عدم تخصصه أو حتى سلامة اطروحاته من الناحية الدينية طبقا لمواقف الكثير من المرجعيات، بينما سارع الى تفنيد أفكار العوضي دون دليل واضح، ثم جرى تقديم صاحبه إلى القارئ تحت لافتة «الدجال» أولًا، ثم ترتيب الوقائع بعدها لتأكيد اللافتة؟

وهو تناقض يشى بتناقضات عدة تلف شخصية وهوية بلال فضل نفسه، فقد سبق له أن أعلن غضبه وتوقفه عن الكتابة نتيجة استهداف مبشرين كوريين فى افغانستان يعملون تحت رعاية الاحتلال الاميركى، بينما لم تقلقه جرائم الاحتلال بحد ذاتها، ومنها جرائم ضد اطفال افغانستان بمدارسهم الدينية المقامة على أرض بلادهم ؟

حتى مناسبة إعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا لم تسلم من سخريته وامتهانه واهانته للقائمين عليها، بل ان دفاعه واستضافته لأحد مؤسسى جماعة أهل القرآن للترويج لتهميش وابعاد الاحاديث النبوية يعطى مؤشرا سلبيا على طريقة تفكير السيد بلال، وقد يكون مصطلح” الطيبات” نفسه هو الدافع الرئيسى لانتقاداته ولعناته !؟

أنا لا أقدّس «نظام الطيبات»، ولا أقدّس الدكتور ضياء العوضي، رحمه الله، ولا أزعم أن ما طرحه صحيحا.

كل ما أطلبه أن تُفحص الادعاءات واحدًا واحدًا: ما ثبت منها يُقال إنه ثبت، وما لم يثبت يُقال إنه لم يثبت، وما قد يعرّض المرضى للخطر يُواجَه بتحذير طبي صريح ومحدد.

هكذا تكون حماية الناس، لا بتحويل الخلاف إلى مباراة بين «المستنير» و«الدجال»، كأن العلم يحتاج إلى لقبٍ كاتب ساخر كي ينتصر.
كذلك من المعيب أن يُطلب من القارئ اعتبار النبرة الساخرة دليلًا، والنعْت الوقح حكمًا علميًا، والملف الصحفي المغرض خاتمة البحث الناجزة .

فالحقيقة الطبية، لها طريقة أقل بريقًا وأكثر إزعاجًا: أن نبحث، ونختبر، ثم نحكم بحق.

مقال بلال فضل لمن يريد أن يقرأ 

https://belalfadl.net/%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%AC%D8%A7%D9%84-%D8%B6%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%B6%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88/?fbclid=IwdGRzaAUoCBZjbGNrBSgIC2V4dG4DYWVtAjExAHBkb2YFc3J0YwZhcHBfaWQMMzUwNjg1NTMxNzI4AAEej7ZM6ARgo9wSeA_nKVTG_rNH4k9PKfPCnWWnqUv67dnZxslsGAFodYIZk3Y_aem_NVajUWcn7WREJxwBeNXp2w&sfnsn=scwspwa

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك