علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقال بوك
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

اليمن والسعودية أمام اختبار جديد.. الصواريخ الحوثية ترفع مخاطر البحر الأحمر

يشهد اليمن والسعودية تصعيدًا عسكريًا مع استمرار الهجمات الحوثية واعتراض السعودية صواريخ باليستية، بينما تزداد التحركات الدفاعية الإقليمية والدولية. وقد يؤثر استمرار التصعيد في أمن باب المندب والبحر الأحمر، وتكاليف الشحن والتأمين، وأسواق النفط، وحركة الملاحة عبر قناة السويس.

مشاركة:
حجم الخط:

يشهد ملف اليمن والسعودية تصعيدًا جديدًا مع استمرار الهجمات الحوثية باتجاه الأراضي السعودية،

بالتزامن مع تحركات إقليمية ودولية لتعزيز حماية المملكة والمنشآت الحيوية فيها.

وأعلنت السلطات السعودية اعتراض وتدمير ستة صواريخ باليستية أطلقت باتجاه المملكة،

بينما أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذ هجمات قالت إنها استهدفت مواقع في الرياض ومنشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع.

وتأتي هذه التطورات في وقت يتزايد فيه القلق بشأن أمن البحر الأحمر وباب المندب،

وتأثير استمرار التصعيد على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.

الحوثيون يعلنون استهداف الرياض وينبع

أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذ هجومين قالت إنهما استهدفا موقعًا حساسًا في الرياض ومنشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع،

مستخدمة، وفق روايتها، صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة.

في المقابل، أعلنت السعودية اعتراض ستة صواريخ باليستية أطلقت باتجاه أراضيها.

وتظل تفاصيل الأهداف التي أعلنت جماعة الحوثيين إصابتها ضمن رواية الطرف المعلن عنها،

ولم تتوافر في المصادر التي جرى الرجوع إليها أدلة مستقلة تؤكد جميع تفاصيل تلك الرواية.

وتكتسب مدينة ينبع أهمية خاصة بسبب موقعها على ساحل البحر الأحمر ووجود منشآت نفطية

وبنية تحتية مرتبطة بقطاع الطاقة السعودي.

لماذا تمثل ينبع نقطة حساسة؟

تعمل السعودية منذ تصاعد المخاطر في الخليج والبحر الأحمر على الاستفادة من مسارات بديلة لنقل صادراتها النفطية.

ومن أبرز هذه المسارات خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى الساحل الغربي للمملكة، بما يسمح بتصدير جزء من الخام عبر موانئ البحر الأحمر.

وأفادت تقارير بأن السعودية أعادت تشغيل الخط تمهيدًا لاستئناف صادرات النفط عبر ميناء ينبع.

لكن ارتفاع المخاطر الأمنية في البحر الأحمر يضيف تحديًا جديدًا إلى هذا المسار.

فحتى في حال عدم تعرض منشآت الطاقة لضربات مباشرة، يمكن أن تؤدي زيادة المخاطر الأمنية إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن،

وهو ما ينعكس في النهاية على تكلفة نقل النفط والتجارة البحرية.

تحرك سعودي–تركي–باكستاني

بالتزامن مع التصعيد العسكري، تتحرك السعودية على المستوى الدبلوماسي والأمني.

وتستعد السعودية وتركيا وباكستان لعقد اجتماع عسكري رفيع المستوى لبحث سبل دعم المملكة في مواجهة الهجمات.

ويأتي ذلك في إطار اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته الدول الثلاث، والذي يتضمن ترتيبات للتعاون الدفاعي والأمني.

واجتمع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيره التركي هاكان فيدان

ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار في نيويورك، حيث بحثوا ترتيبات الاجتماع العسكري.

وأكدت الدول الثلاث، وفق التصريحات المعلنة، دعم حق السعودية في الدفاع عن نفسها.

ولا يعني الإعلان عن الاجتماع، بحد ذاته، وجود قرار معلن بمشاركة تركيا أو باكستان في عمليات قتالية داخل اليمن؛

فالمعلن حتى الآن يتعلق بالتنسيق والدعم الدفاعي.

فرنسا تدخل على خط حماية المنشآت السعودية

التصعيد جذب كذلك اهتمامًا أوروبيًا مباشرًا.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استعداد بلاده لإرسال قوات ووسائل دفاعية ورادارات إلى

السعودية للمساعدة في حماية منشآت ينبع.

وتقدم باريس الخطوة باعتبارها إجراءً دفاعيًا لحماية موقع استراتيجي، وليس إعلانًا عن مشاركة فرنسية

في العمليات الهجومية داخل اليمن.

كما ظهرت مواقف بريطانية مؤيدة لتقديم دعم دفاعي للسعودية في مواجهة الهجمات.

ويعكس ذلك توسع الاهتمام الدولي بأمن البنية التحتية للطاقة في المملكة، خصوصًا في ظل ارتباطها بأسواق النفط العالمية.

التصعيد لا يقتصر على الحدود السعودية

في الداخل اليمني، يتزامن التصعيد مع استمرار المعارك بين الحوثيين والقوات المناوئة لهم.

وتشير التقارير إلى سقوط عشرات القتلى من الجانبين خلال المعارك الأخيرة، في وقت تتواصل فيه

المواجهات في مناطق ذات أهمية استراتيجية بالقرب من تعز ولحج والساحل الغربي.

وتكتسب مناطق الساحل أهمية إضافية بسبب قربها من باب المندب، أحد أهم

الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

باب المندب.. الحلقة الأكثر حساسية

يمثل باب المندب أحد أهم عناصر الأزمة الحالية.

فالمضيق لا يرتبط باليمن والسعودية فقط، بل يمثل جزءًا من طريق التجارة البحري بين آسيا وأوروبا.

وأي تدهور في الوضع الأمني يمكن أن يدفع شركات الملاحة إلى إعادة تقييم استخدام البحر الأحمر، حتى من دون إعلان إغلاق المضيق رسميًا.

ويترتب على ذلك احتمال ارتفاع تكاليف:

  • التأمين البحري.
  • الشحن.
  • الوقود.
  • نقل البضائع.
  • الرحلات البحرية البديلة.

كما قد تضطر بعض السفن إلى استخدام طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة.

ماذا يعني التصعيد بالنسبة إلى مصر؟

تتابع القاهرة التطورات في اليمن والبحر الأحمر عن قرب بسبب الارتباط المباشر بين

أمن باب المندب وحركة الملاحة في قناة السويس.

فالسفن القادمة من المحيط الهندي وآسيا والمتجهة إلى البحر المتوسط تمر عادة عبر باب المندب

ثم البحر الأحمر قبل الوصول إلى قناة السويس.

وبالتالي، فإن استمرار المخاطر الأمنية لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى استمرار تغيير مسارات بعض السفن،

وهو ما قد يؤثر في حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس.

وهذه ليست مسألة نظرية؛ فقد أدت اضطرابات البحر الأحمر خلال السنوات السابقة إلى

تحويل شركات ملاحة مسارات عدد من السفن بعيدًا عن قناة السويس.

التأثير على أسواق النفط

لا يرتبط تأثير التصعيد فقط بإمكانية تضرر إنتاج النفط السعودي.

فالسعودية واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم، وتملك شبكة واسعة من خطوط الأنابيب وموانئ التصدير.

لكن ارتفاع المخاطر حول منشآت الطاقة أو طرق تصدير النفط يضيف ما يعرف في أسواق الطاقة بـ«علاوة المخاطر».

وقد ترتفع تكاليف التأمين على الناقلات، كما يمكن أن تتغير خيارات شركات النقل والمسارات المستخدمة لنقل الخام.

ومع وجود توترات متزامنة في منطقة الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر، تصبح أسواق الطاقة أمام أكثر من نقطة ضغط في الوقت نفسه.

إيران والحوثيون

يمثل موقف إيران أحد الملفات السياسية المرتبطة بالتصعيد.

وتواجه طهران اتهامات من السعودية وحلفائها بدعم الحوثيين سياسيًا وعسكريًا،

بينما تؤكد إيران في المقابل أنها لا تتحكم في القرارات العملياتية للجماعة.

وفي تصريحات حديثة، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن الحوثيين مسؤولون عن أفعالهم.

ويعني ذلك أن طهران تحاول سياسيًا الفصل بين موقف الحكومة الإيرانية وبين العمليات التي تنفذها جماعة الحوثيين.

لكن طبيعة العلاقات بين إيران والحوثيين ستظل أحد الملفات الأساسية في تقييم التطورات المقبلة.

الأزمة الإنسانية في اليمن

وراء التصعيد العسكري توجد أزمة إنسانية ممتدة.

فاليمن يعاني منذ سنوات من النزوح وتدهور الخدمات الأساسية والاحتياجات الإنسانية،

فيما تهدد جولات القتال الجديدة بإضافة موجات نزوح أخرى.

وتحذر المنظمات الدولية من أن استمرار القتال قد يدفع مئات الآلاف إلى النزوح،

في وقت تستضيف فيه اليمن بالفعل ملايين النازحين داخليًا.

ويزيد اتساع العمليات العسكرية من صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

ماذا يعني التصعيد للمنطقة؟

التطورات الحالية تضع عدة ملفات مترابطة أمام اختبار واحد.

أمنيًا: تتسع دائرة الاستهداف لتشمل مواقع داخل السعودية.

إقليميًا: تتزايد التحركات الدفاعية والتحالفات بين دول المنطقة وخارجها.

اقتصاديًا: ترتفع مخاطر النقل والتأمين والطاقة.

بحريًا: يصبح أمن باب المندب والبحر الأحمر أكثر حساسية.

بالنسبة إلى مصر: يرتبط استمرار الأزمة مباشرة بأمن قناة السويس وحركة التجارة.

إنسانيًا: يواجه اليمن خطر موجة جديدة من النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية.

هل يتجه التصعيد إلى مواجهة أوسع؟

لا تسمح التطورات الحالية وحدها بالجزم باتجاه المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.

لكن اتساع نطاق الأطراف المنخرطة في ترتيبات الحماية والدفاع، إلى جانب استهداف منشآت مرتبطة بالطاقة والموانئ، يجعل مسار التصعيد محل متابعة دولية.

وتبقى ثلاثة تطورات رئيسية حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة:

  1. مدى استمرار الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية.
  2. ما إذا كانت منشآت الطاقة والموانئ ستتعرض لضربات مباشرة ومتكررة.
  3. مدى تحول باب المندب والبحر الأحمر إلى ساحة مواجهة بحرية مستمرة.

وفي حال استمرار التوتر، قد تنتقل تداعيات الأزمة تدريجيًا من المجال العسكري إلى الاقتصاد العالمي، عبر الشحن والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد.

الخلاصة

لم يعد التصعيد بين اليمن والسعودية ملفًا ثنائيًا محدودًا.

فالهجمات الحوثية المعلنة، واعتراض الصواريخ من جانب السعودية، والتحرك السعودي مع تركيا وباكستان،

إلى جانب الاستعداد الفرنسي لتعزيز حماية ينبع، كلها تطورات تجعل أمن المملكة والبحر الأحمر جزءًا من معادلة أمنية أوسع.

ويبقى باب المندب الحلقة الأكثر حساسية؛ لأنه يربط الأزمة اليمنية بأمن التجارة العالمية،

بينما تجعل صلة البحر الأحمر بقناة السويس من التطورات الحالية قضية مباشرة بالنسبة إلى مصر.

أما بالنسبة إلى أسواق الطاقة، فإن استمرار المخاطر حول مسارات تصدير النفط السعودية يمكن أن يزيد

تكاليف الشحن والتأمين ويضيف ضغوطًا جديدة إلى سوق الطاقة العالمية.

وبذلك، فإن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بعدد الصواريخ التي ستطلق أو تعترض،

وإنما بمدى قدرة الأطراف على منع تحول التصعيد إلى أزمة مستمرة في البحر الأحمر وباب المندب ومنشآت الطاقة ومسارات التجارة الدولية.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك