إيران والمقاومة: الحرب التي أعادت صياغة المحور
لم تعد العلاقة بين إيران وحزب الله تُقرأ كمعادلة نفوذ تقليدية، بل كجزء من منظومة ردع أوسع يعاد تعريفها تحت ضغط الحرب

صورة تعبيرية للمقال
راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الحرب ستدفع إيران إلى الانكفاء خلف حدودها، وأن استنزاف حزب الله سيؤدي مع الوقت إلى إعادة تشكيل بيئة المقاومة في لبنان بما يحدّ من فاعليتها ودورها الإقليمي. كان التصور يقوم على فكرة أن تفكيك أحد أهم أذرع المواجهة سيقود تدريجياً إلى إعادة هندسة موقع إيران نفسه في الإقليم، عبر تقليص قدرتها على التأثير المباشر في ساحات الصراع.
لكن مسار الأحداث لم يترجم هذا الافتراض. فبدلاً من أن تتقلص مساحة الارتباط بين طهران وحلفائها، تبدو هذه المساحة وقد أصبحت أكثر حساسية وتعقيداً، إلى درجة لم يعد فيها ممكناً فصل التفاعلات الميدانية عن الحسابات الاستراتيجية العليا. ما كان يُفترض أن يكون عملية عزل تدريجية للمقاومة، تحول إلى إعادة إدماجها داخل تصور إيراني أكثر مباشرة للأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، لم تعد العلاقة بين إيران وحزب الله تُقرأ كمعادلة نفوذ تقليدية، بل كجزء من منظومة ردع أوسع يعاد تعريفها تحت ضغط الحرب. فالمعركة الجارية لم تعد تختبر قدرة كل طرف على إدارة ساحته فقط، بل تختبر أيضاً مدى تماسك البنية التي تربط ساحات متعددة ضمن إطار واحد. وهنا تحديداً تظهر الإشكالية التي تواجهها واشنطن وتل أبيب: فكل محاولة للضغط على نقطة محددة داخل هذه البنية تنتج استجابة تتجاوز حدود تلك النقطة، وتعيد ربطها ببقية المنظومة بشكل أكثر كثافة.
معتز منصور يكتب: هرمز ونهاية الإيقاع الأمريكي
معتز منصور يكتب: إيران صراع القوة على تعريف الدولة؟
ومع استمرار هذا المسار، يتضح أن الرهان على تفكيك المحور عبر استهداف أطرافه لم يحقق نتيجته المتوقعة، بل دفع إلى إعادة تشكيله وفق منطق أكثر ترابطاً، تصبح فيه الجبهات المختلفة امتدادات متداخلة لمعركة واحدة، لا ساحات منفصلة يمكن إدارتها بمعزل عن بعضها.
ومن داخل هذا التحول لا تبدو واشنطن أمام خيار مريح بين التسوية والحرب، بل أمام إعادة تعريف كاملة لأدواتها. فالتجربة الأخيرة أظهرت أن الضربات المحدودة، مهما بلغت شدتها، لم تعد كافية لفرض حسم سياسي، بينما الانتقال إلى خيار الحرب الواسعة يفتح الباب أمام كلفة لا يمكن ضبطها، سواء على مستوى القوات أو على مستوى الجغرافيا الإقليمية المنخرطة في أي مواجهة مفتوحة. وهنا تظهر المعضلة البنيوية في الاستراتيجية الأميركية: القدرة على التصعيد موجودة، لكن القدرة على تحويل التصعيد إلى نتيجة سياسية حاسمة أصبحت موضع شك.
في المقابل، لا تعمل البيئة الإقليمية كعنصر هامشي في المعادلة، بل كعامل ضبط وإبطاء للتصعيد. فالدول الخليجية، رغم اختلاف مقارباتها، تتحرك ضمن قلق مشترك من توسع الحرب خارج حدودها الأولية. ليس فقط بسبب المخاطر العسكرية المباشرة، بل لأن البنية الاقتصادية للطاقة والملاحة تجعل أي انفجار واسع غير قابل للعزل. بهذا المعنى، لم يعد الخليج مساحة دعم تلقائي للسياسات الأميركية، بل مساحة ضغط غير مباشر يدفع نحو احتواء التصعيد، حتى من داخل التحالف نفسه.
أما في مركز المعادلة، فيبقى لبنان هو النقطة الأكثر كثافة في إعادة تشكيل التوازنات. فالمعركة هناك لم تعد مرتبطة فقط بحدود الجنوب أو بقواعد الاشتباك التقليدية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمستقبل النموذج الأمني الذي يحاول كل طرف فرضه على الإقليم. ولذلك تتعامل إسرائيل مع الساحة اللبنانية بوصفها اختباراً لمعادلة أوسع، لا مجرد جبهة مواجهة منفصلة، فيما تنظر إيران إلى هذه الساحة بوصفها خط تماس في منظومة الردع الإقليمية بأكملها.
ومن هنا يصبح التحول في العلاقة بين إيران وحزب الله أكثر من مجرد تطور تكتيكي. فالمسافة التي كانت تفصل بين الطرفين لم تعد مساحة إدارة نفوذ، بل مساحة تداخل استراتيجي تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين الدعم والاندماج. وهذا ما يفسر صعوبة عزل الساحات عن بعضها، لأن أي ضغط على نقطة معينة داخل المنظومة يعيد تفعيل بقية النقاط بشكل تلقائي، وكأننا أمام بنية واحدة تعمل تحت مستويات متعددة من الاشتباك.
وفي ضوء ذلك، لا يعود الحديث عن وحدة الساحات شعاراً سياسياً أو خطاباً تعبويًا، بل توصيفاً لواقع عملياتي يتشكل تحت ضغط الحرب نفسها. فالساحات التي كانت تُدار كجبهات متوازية بدأت تتصرف كجبهة واحدة متعددة الرؤوس، تتفاعل فيها الأحداث بشكل متزامن لا يمكن عزله أو ضبطه بشكل منفصل.
وهذا ما يجعل الصراع الحالي أقرب إلى اختبار طويل الأمد للزمن نفسه. فميزان القوة لم يعد يُقاس فقط بحجم الضربة أو دقتها، بل بالقدرة على الصمود في معركة مفتوحة لا تُحسم بسرعة، حيث تتحول الكلفة التراكمية إلى عنصر حاسم في إعادة تشكيل القرار السياسي لدى جميع الأطراف، ويصبح استمرار الاشتباك بحد ذاته عاملاً منتجاً للنتائج، لا مجرد مرحلة انتقالية نحو حسم قريب.






