معتز منصور يكتب: هرمز ونهاية الإيقاع الأمريكي
خلال العقود الماضية، تأسست الهيمنة الأمريكية في المنطقة على ثلاث ركائز: ضمان تدفق الطاقة، حماية الحلفاء الخليجيين، ومنع نشوء قوى إقليمية قادرة على خلق تعطيل استراتيجي طويل الأمد

مضيق هرمز (أرشيف)
قبل سنوات، كان مجرد تحرك حاملة طائرات أمريكية نحو الخليج كافيًا لإعادة صياغة حسابات المنطقة بأكملها، من أسعار النفط إلى تموضع العواصم الخليجية وسلوك القوى الإقليمية. أمّا اليوم، فالمشهد يبدو مختلفًا على نحو لا يمكن تجاهله: واشنطن ما تزال تمتلك القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكنها لم تعد قادرة على تحويل هذا التفوق إلى إرادة سياسية مُلزمة ومستقرة كما كان يحدث سابقًا. وهذه النقطة تحديدًا هي ما تعكسه أزمة مضيق هرمز، بعيدًا عن ضجيج التصريحات وتضارب السرديات.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بتفاصيل تصريحات متبادلة بين واشنطن وطهران، ولا حتى بوجود اتفاق من عدمه، بل بما هو أعمق بكثير: الشرق الأوسط يدخل تدريجيًا مرحلة تتراجع فيها قدرة أي قوة منفردة على ضبط الإيقاع الإقليمي بشكل كامل.
خلال العقود الماضية، تأسست الهيمنة الأمريكية في المنطقة على ثلاث ركائز: ضمان تدفق الطاقة، حماية الحلفاء الخليجيين، ومنع نشوء قوى إقليمية قادرة على خلق تعطيل استراتيجي طويل الأمد. لكن ما يظهر اليوم أن هذه الركائز لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها. ليس لأن الولايات المتحدة انهارت، بل لأن البيئة الإقليمية نفسها تغيّرت بفعل تراكمات طويلة: حروب ممتدة، استنزاف استراتيجي، وصعود قوى إقليمية طورت أدوات ردع غير تقليدية أعادت تعريف كلفة الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
معتز منصور يكتب: هندسة النجاة لا كسر الهيمنة
معتز منصور يكتب: حافة التوازن المتصدع
إيران تمثل المثال الأكثر وضوحًا على هذا التحول. فهي لم تنتقل إلى موقع “السيطرة” كما يُطرح في بعض الخطابات، بل نجحت في بناء معادلة أكثر تعقيدًا: معادلة تجعل استقرار الممرات الحيوية، وعلى رأسها هرمز، مرتبطًا بحساباتها الأمنية بشكل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية إقليمية. وهذا فارق جوهري بين دولة محاصرة تُستنزف، ودولة تمتلك قدرة فعلية على إدخال التعطيل كعنصر ثابت في معادلة النظام الإقليمي دون أن يعني ذلك امتلاك هيمنة كاملة.
لهذا تبدو واشنطن اليوم في حالة إدارة أزمة أكثر منها إدارة هيمنة. فهي لا تستطيع الذهاب إلى مواجهة شاملة بسهولة بسبب كلفة الانفجار الإقليمي، ولا تستطيع في الوقت نفسه الاعتراف بأن أدوات الردع التقليدية فقدت جزءًا من فعاليتها. ومن هنا يظهر الخطاب الأمريكي المتوتر والمتناقض كعرض لأزمة أعمق: أزمة قوة تحاول الحفاظ على صورة الهيمنة بينما تتراجع قدرتها العملية على إنتاج الطاعة السياسية نفسها.
الأكثر حساسية بالنسبة للولايات المتحدة ليس إيران وحدها، بل التحول الهادئ في سلوك بعض الحلفاء الخليجيين. فهذه الدول تتحرك بمنطق البقاء وضمان الاستقرار، لا بمنطق الاصطفاف. وحين تتوسع قنوات التواصل مع طهران، خصوصًا عبر أدوار وسيطة مثل سلطنة عُمان، فهذا لا يعني انتقالًا في المعسكرات، بل إدراكًا متزايدًا بأن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار كما كان سابقًا، وأن المنطقة تدخل مرحلة توازنات أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
في هذا السياق، يظهر النموذج الأمريكي وكأنه ينتقل من إدارة الردع إلى إدارة إعادة التشكيل. فبدلًا من فرض الاستقرار عبر القوة المباشرة، يتم اللجوء إلى هندسة تحالفات جديدة، على رأسها مشروع اتفاقيات إبراهام، كجزء من محاولة إعادة تركيب البنية الأمنية والاقتصادية للمنطقة. لم يعد التطبيع مجرد خيار سياسي، بل عنصرًا في محاولة إعادة توزيع أعباء الردع داخل النظام الإقليمي عبر دمج إسرائيل في شبكة توازنات أوسع.
لكن هذه المقاربة تكشف حدود القوة أكثر مما تخفيها. فكلما زادت الحاجة إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة، دلّ ذلك على تراجع القدرة على ضبطها بشكل مباشر. الإمبراطوريات في ذروة قوتها لا تحتاج إلى إعادة تصميم مستمرة لمحيطها كي تحافظ على نفوذها، بل يكون النفوذ نفسه كافيًا لفرض الاستقرار دون جهد بنيوي دائم.
من هنا، يمكن القول إننا لسنا أمام انهيار أمريكي شامل، بل أمام إعادة تموضع قسري في نظام إقليمي لم يعد قابلًا للإدارة الأحادية. الولايات المتحدة ما تزال تملك أدوات هائلة، لكنها لم تعد تملك احتكار الإيقاع. وفي المقابل، القوى الإقليمية الصاعدة، وعلى رأسها إيران، لم تنتقل إلى موقع الهيمنة البديلة، بل إلى موقع القدرة على التعطيل وفرض المشاركة القسرية في صناعة القرار الإقليمي.
وهذه هي النقطة التي تجعل المشهد أكثر خطورة: الشرق الأوسط يدخل مرحلة لا يوجد فيها طرف قادر على الحسم الكامل، بينما يمتلك أكثر من طرف القدرة على التعطيل ورفع الكلفة. وفي مثل هذه البيئات، لا تكون الأزمة في القوة وحدها، بل في فقدان القدرة على ضبط الإيقاع.
ما يجري في هرمز ليس حدثًا معزولًا، بل مؤشر على انتقال أوسع: من نظام إقليمي كانت تهيمن عليه قوة واحدة قادرة على فرض الإيقاع، إلى نظام يتشكل على إيقاعات متعددة متصادمة، بلا مركز ثابت يملك القدرة على الحسم النهائي.






