مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: إيران صراع القوة على تعريف الدولة؟

حين يفشل مشروع القوة في تحقيق نتيجته الحاسمة، لا يتراجع، بل يعيد تشكيل أدواته. من الصدمة إلى التآكل، من الضربة إلى الزمن

مشاركة:
حجم الخط:

إيران ما بعد الفكرة

في الحروب الكبرى، لا تُقس القوة بعدد الصواريخ ولا باتساع الجبهات، بل بالقدرة على فرض تعريف جديد للزمن السياسي نفسه. فالضربات الأميركية الأخيرة، وما سبقها من إشارات متناقضة صادرة عن دونالد ترامب بين التهدئة والتصعيد، لا تبدو أحداثاً منفصلة بقدر ما تعكس انتقالاً من منطق الحسم السريع إلى منطق إدارة الاستنزاف الطويل، بعد ما ثبت أن لحظة الكسر الخاطف لإيران لم تكن ممكنة بالمعايير العسكرية أو السياسية التي رُسمت في البداية.

حين يفشل مشروع القوة في تحقيق نتيجته الحاسمة، لا يتراجع، بل يعيد تشكيل أدواته. من الصدمة إلى التآكل، من الضربة إلى الزمن. وهكذا تتحول المنطقة إلى مساحة رمادية دائمة، لا هي حرب كاملة ولا سلام مستقر، بل حالة معلّقة تُستهلك فيها الإرادات قبل الجيوش، وتُستنزف فيها الدول من الداخل أكثر مما تُستنزف من الخارج.

في هذا السياق، يصبح تبسيط المشهد في صورة قرار إسرائيلي يقود واشنطن أو يتحكم بها اختزالاً لا يصمد أمام بنية العلاقة. فإسرائيل ليست مركز القرار، بل إحدى أدواته المتقدمة. وظيفتها ليست صياغة الاستراتيجية، بل رفع منسوب الضغط داخلها. أما التمايز الظاهري بين واشنطن وتل أبيب فهو جزء من إدارة توزيع الأدوار، لا تعبير عن انقسام في الهدف النهائي.

لكن جوهر المسألة لا يوجد هنا. لا في نتنياهو، ولا في شكل الضربات، ولا حتى في الملف النووي الإيراني. هذه كلها طبقات سطحية لصراع أعمق، عنوانه الحقيقي هو اليوم التالي.

يدرك صانع القرار الأميركي أن إيران دخلت مرحلة انتقالية ثقيلة، ليست انتقال سلطة فقط، بل انتقال بنية كاملة من جيل تأسيسي تشكل حول شخصية علي خامنئي، إلى مرحلة جديدة يتصدرها مجتبى خامنئي، حيث تتغير طبيعة مركز القرار من شرعية تاريخية ممتدة إلى شرعية تشغيلية تُدار تحت ضغط الحرب والاستنزاف.

معتز منصور يكتب: هرمز ونهاية الإيقاع الأمريكي

معتز منصور يكتب: سلطة تصنع الهزيمة

وهنا يتغير السؤال الأميركي جذرياً.

لم يعد السؤال كيف نُسقط إيران، بل كيف نُعيد تعريفها وهي واقفة.

فالولايات المتحدة لا ترى في انهيار الدولة الإيرانية خياراً قابلاً للإدارة، بل فوضى مفتوحة قد تعيد إنتاج تهديد أشد تعقيداً من الوضع القائم. لذلك يتحول الهدف من تفكيك النظام إلى إعادة تشكيل وظيفته، ومن كسر مركزه إلى تعديل سلوكه البنيوي.

بمعنى أكثر صراحة، لا يبحث ترامب عن رأس النظام، بل عن رأس المشروع.

يريد إيران لا تتصرف كقوة ثورية عابرة للحدود، بل كدولة محكومة بحدودها. يريد تحويل مركز ثقلها من الخارج إلى الداخل، من التوسع إلى الاكتفاء، من هندسة الإقليم إلى إدارة الذات. لا يريد إسقاط الجمهورية الإسلامية، بل تحويلها إلى نسخة أقل قدرة على تعريف الإقليم.

وهنا تتجلى نقطة الاشتباك الحقيقية.

فالحرس الثوري لا يتعامل مع الدولة بوصفه جهازاً داخلها، بل بوصفه حامل فكرة الدولة كما نشأت بعد الثورة. لذلك فإن أي محاولة لإعادة تعريف وظيفة إيران لا تُقرأ كتعديل سياسي، بل كمساس بجوهر النظام نفسه. ومن هنا يصبح الصراع على طبيعة الدولة صراعاً على معنى وجودها.

ولهذا لا يمكن فهم علاقة إيران بـحزب الله بوصفها علاقة نفوذ تقليدية. فهي ليست امتداداً سياسياً، بل امتداد بنيوي لمنظومة ردع واحدة. تفكيك أحد أطرافها لا يغيّر التوازن فقط، بل يعيد صياغة البنية كلها.

وفي المقابل، تدرك واشنطن أن كسر هذه البنية عسكرياً غير ممكن دون تكلفة استراتيجية هائلة، لذلك انتقلت من منطق الحسم إلى منطق الإرهاق. لم يعد الهدف إنهاء المشروع، بل دفعه إلى إعادة تعريف نفسه تحت ضغط الاستنزاف المستمر، بحيث يتحول الزمن نفسه إلى أداة تغيير.

وهنا تتخذ الحرب شكلها الأعمق، لا بوصفها مواجهة جبهات، بل بوصفها صراعاً على الوعي السياسي للدولة.

فالمعركة ليست على الصواريخ ولا على البرنامج النووي، بل على السؤال الذي سيحكم العقود القادمة: ما هي إيران؟

هل تبقى مشروعاً ثورياً يرى نفسه مسؤولاً عن إعادة تشكيل الإقليم؟

أم تتحول إلى دولة طبيعية، تُعيد ضبط طموحها داخل حدود البقاء والاستقرار؟

لكن الأخطر في هذا المسار أن التحول لا يُفرض دائماً من الخارج، بل يُستقبل أحياناً من الداخل حين تصل الدولة إلى لحظة إدراك أن كلفة الاستمرار في الشكل القديم أعلى من كلفة التعديل عليه. هنا يصبح الصراع أقل وضوحاً، وأكثر قسوة، لأنه ينتقل من مستوى المواجهة مع الخصم الخارجي إلى مستوى إعادة تعريف الذات من الداخل.

في هذه المنطقة الرمادية تحديداً، تفقد الشعارات وظيفتها التعبيرية تدريجياً، وتبدأ الدولة في اختبار حدودها الحقيقية لا حدود خطابها. وتصبح القرارات الكبرى أقل ارتباطاً بلحظة النصر أو الهزيمة، وأكثر ارتباطاً بسؤال الاستدامة: كيف تبقى الدولة قادرة على إدارة نفسها في ظل ضغط خارجي متواصل لا ينتهي؟

ومن هنا، فإن الرهان الأميركي لا يقوم على انهيار سريع، بل على تراكم بطيء يعيد تشكيل الأولويات من الداخل دون إعلان رسمي. إنها سياسة لا تبحث عن لحظة سقوط، بل عن لحظة تحول صامتة، حيث يتغير المعنى قبل أن تتغير البنية، ويُعاد تعريف الممكن قبل إعادة توزيع القوة.

في هذا الإطار، يصبح مجتبى خامنئي ليس مجرد اسم في معادلة السلطة، بل نقطة اختبار لمعادلة كاملة: هل يمكن للنظام أن يعيد إنتاج نفسه دون أن يعيد إنتاج الفكرة التي قام عليها؟ أم أن استمرار البنية سيعني بالضرورة استمرار المشروع كما هو، بكل ما يحمله من امتداداته الإقليمية وثقله العقائدي؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست تقنية، بل تاريخية، لأنها ستحدد ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستدخل مرحلة ترسيخ جديد داخل حدود الدولة، أم مرحلة تمدد جديد خارجها، أو ربما مرحلة انكماش تدريجي يعيد رسم موقعها في النظام الإقليمي من جديد.

شارك المقال: