علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: من كان يحرك الخيوط؟

عل أخطر ما في الفتنة أن الجميع كان يتحرك، المصريون لهم مطالبهم، أهل الكوفة لهم اعتراضاتهم، أهل البصرة لهم حساباتهم، الولاة لهم مصالحهم، القبائل لها تنافساتها، والمدينة لها ثقلها الديني والسياسي.

مشاركة:
حجم الخط:

حين نقرأ تاريخ الفتنة الكبرى، نشعر أحيانًا أننا لا نقرأ تاريخًا يمشي في وضح النهار، وإنما نمشي في ممر طويل تتداخل فيه الظلال، وتتحرك فيه أيد لا نراها كاملة، وتصل رسائل في اللحظة التي ينبغي أن تصل فيها، ثم تنقلب الأحداث فجأة من طريق إلى طريق.

ومن أكثر الوقائع إثارة للتساؤل في قصة مقتل عثمان بن عفان، قصة الكتاب الذي خرج به رسول من المدينة إلى مصر، يحمل أمرًا منسوبًا إلى الخليفة الثالث بقتل بعض الخارجين عليه.

كانت القافلة المصرية قد غادرت المدينة، بعد أن بدا أن الأزمة في طريقها إلى الانحسار.

ثم يظهر الكتاب في الطريق، مختومًا بخاتم الخليفة، ومحمولًا على دابة من دواب البريد، وموجهًا إلى والي مصر.

هنا يتغير كل شيء.

يعود المصريون إلى المدينة، ويضعون الكتاب أمام عثمان.

ينكر الرجل أن يكون قد كتب الكتاب.

لكن الخاتم خاتمه، والدابة دابته، والرسول خرج من المدينة.

فمن كتب؟

ذلك السؤال الصغير في ظاهره، هو في الحقيقة أحد أكثر أسئلة الفتنة الكبرى إثارة للحيرة.

لأننا إذا سلمنا بوقوع الحادثة كما روتها المصادر، فنحن لا نتحدث عن شخص عابر يستطيع أن يكتب ورقة ويثير بها غضب قوم.

نحن نتحدث عن شخص استطاع أن يدخل إلى دائرة السلطة، ويستخدم وسيلة من وسائلها، ويعرف طبيعة تحركات خصومها، ويختار اللحظة التي يمكن أن تؤدي فيها الرسالة إلى نسف ما تم الاتفاق عليه.

هنا يصبح السؤال أكبر من ابن سبأ.

هل يصنع رجل واحد فتنة بهذا الحجم؟

لفترة طويلة، جرى تقديم عبد الله بن سبأ بوصفه الشخصية التي تقف خلف الفتنة، وكأن رجلًا واحدًا خرج من اليمن، وطاف بالبصرة والكوفة ومصر، وأشعل النار في الأمصار، ثم حرك الناس حتى انتهوا إلى قتل الخليفة.

لكن التاريخ، حين نقترب منه قليلًا، لا يبدو بهذه البساطة.

الفتن الكبرى لا تنشأ عادة من رجل واحد.

الرجل قد يشعل شرارة، لكنه لا يستطيع أن يصنع حطبًا من الهواء

الأمصار الإسلامية في ذلك الوقت كانت قد امتلأت بالأسباب التي تجعل الشرارة قابلة للاشتعال:

صراعات على الولاية، وتنافس بين القبائل، وشكاوى من بعض الولاة، وتوتر بين أجيال من الصحابة والتابعين، واتساع الدولة بصورة أسرع من قدرتها على إدارة تناقضاتها.

كانت الدولة قد خرجت من زمن المدينة الصغيرة إلى إمبراطورية تمتد من فارس إلى مصر.

المدينة التي كانت مركز القرار لم تعد قادرة بالسهولة نفسها على السيطرة على الأطراف.

كان هناك بحر من البشر، وسلطة تتسع، ومصالح تتصارع، وأخبار تسافر على ظهور الإبل أسرع من قدرة السلطة على التحقق منها.

في مثل هذا المناخ، لا تحتاج الفتنة إلى رجل واحد.

يكفي أن تتقاطع مصالح رجال كثيرين.

ربما هنا أخطأنا حين بحثنا عن “الرجل”

فربما كان السؤال الخطأ هو:

من الرجل الذي صنع الفتنة؟

السؤال الأصح:

كيف أصبحت الدولة قابلة لأن تُحركها رسالة؟

فالكتاب المزور ـ إن صحت روايته ـ لم يصنع غضب المصريين من العدم.

كان الغضب موجودًا، الاعتراض موجودًا، والخصومة  موجودة، لكن الكتاب جعل غضبًا سياسيًا يتحول إلى يقين بالخيانة.

هنا تظهر قوة التلاعب السياسي.

ليس مطلوبًا من الذي يريد إشعال الفتنة أن يصنع الكراهية من البداية، يكفيه أن يقنع كل طرف بأن الطرف الآخر قد خانه.

هذه أخطر مرحلة في أي صراع سياسي.

حين يفقد الناس القدرة على الثقة، تصبح الورقة أقوى من الرجل، والخاتم أقوى من الحقيقة، والشائعة أسرع من التحقيق.

لكن ماذا عن ابن سبأ؟

لا أظن أن الإنصاف التاريخي يسمح لنا بأن نجعله “شيطان الفتنة” الذي يفسر كل شيء.

وجود ابن سبأ، وحجم دوره، وتفاصيل قصته، كلها مسائل اختلف فيها المؤرخون والباحثون، ولا يصح أن نضع الروايات المتأخرة في مرتبة الوثائق المعاصرة للأحداث.

الأهم من ذلك أن إثبات وجود الرجل ـ إن ثبت ـ لا يعني إثبات أنه كان العقل المدبر لكل ما حدث.

فثمة فرق هائل بين أن يكون رجل من رجال المعارضة، وبين أن يكون قائد شبكة سرية تدير مصر والكوفة والبصرة والمدينة في وقت واحد.

إن تحويل التاريخ إلى مسرح يحركه بطل شرير واحد قد يكون مريحًا للعقل، لكنه ليس بالضرورة أقرب إلى الحقيقة.

ففي التاريخ الحقيقي، قد لا يكون هناك عقل واحد.

قد تكون هناك عقول كثيرة، ومصالح كثيرة، وأخطاء كثيرة، ثم تأتي لحظة تتقاطع فيها كلها، فيبدو لنا بعد قرون أن يدًا واحدة كانت تحرك المشهد.

لعل أخطر ما في الفتنة أن الجميع كان يتحرك، المصريون لهم مطالبهم، أهل الكوفة لهم اعتراضاتهم، أهل البصرة لهم حساباتهم، الولاة لهم مصالحهم، القبائل لها تنافساتها، والمدينة لها ثقلها الديني والسياسي.

عثمان نفسه كان في قلب هذه الدوامة، محاصرًا بين دولة توسعت، وأجيال جديدة من المسلمين، ورجال لهم رؤى مختلفة لطريقة إدارة هذه الدولة.

في وسط هذا كله، تظهر الرسائل، رسالة تُنسب إلى عثمان، رسالة تُنسب إلى علي، وأخرى إلى هذا الوالي أو ذاك.

هنا ينبغي للمؤرخ أن يتوقف، لا أن يصدق كل رسالة، ولا أن يكذب كل رسالة.

بل يسأل: من كتبها؟ من نقلها؟ متى ظهرت؟وهل توجد رواية مستقلة تؤيدها؟

من كان يستطيع الوصول إلى الخاتم أو البريد؟ من كان يملك مصلحة في أن تعود القافلة المصرية إلى المدينة؟

من كان يريد استمرار الحصار؟ ومن كان يخشى أن تنتهي الأزمة بالصلح؟

هذه الأسئلة، في رأيي، أهم من البحث عن اسم واحد نعلقه على صدر الفتنة.

من أكثر العبارات التي تستوقف قارئ قصة الفتنة ما نُسب إلى علي من معنى أن الأمر قد دُبر ليلًا.

بغض النظر عن ثبوت العبارة من الناحية التاريخية، فإن معناها يلتقط شيئًا مهمًا في طبيعة المشهد كما وصل إلينا:

كان هناك إحساس لدى بعض المعاصرين بأن الأمور لم تعد تسير بصورة عفوية.

لكن الإحساس بوجود تدبير لا يخبرنا بالضرورة عن صاحبه.

هذه هي المسافة التي يجب أن يحافظ عليها المؤرخ بين الشك والحقيقة.

قد نشعر أن وراء الأحداث يدًا، لكن الشعور لا يكفي لتسمية اليد.

قد نرى التنسيق، لكننا لا نعرف هل كان تنسيقًا مركزيًا، أم أن مصالح متفرقة التقت مصادفة في لحظة واحدة.

ربما كان مقتل عثمان مأساة دولة أكثر منه مؤامرة رجل.

دولة خرجت من طور النشأة إلى طور الإمبراطورية بسرعة مذهلة.

مجتمع تغير، وقبائل انتقلت من الهامش إلى قلب السلطة، أموال هائلة تدفقت، وأمصار جديدة أصبحت لها قوة سياسية.

رجال كبار اختلفوا في رؤيتهم لما ينبغي أن تكون عليه الخلافة.

ثم جاءت الشائعة، ثم الرسالة، ثم سوء الظن، ثم السلاح.

في لحظة واحدة، أصبح من الصعب أن يعود التاريخ إلى الوراء.

هكذا قُتل عثمان، لكن الفتنة لم تنته بموته، بل ربما كان مقتله هو اللحظة التي خرجت فيها الفتنة من الظل إلى العلن.

منذ ذلك اليوم لم يعد السؤال: من مع عثمان؟

بل أصبح: من مع علي؟ ومن مع معاوية؟ ومن مع طلحة والزبير؟ ومن مع الخوارج؟

هنا بدأت مرحلة جديدة من التاريخ الإسلامي، لم يعد فيها السيف يحسم الخلاف فحسب، بل أصبحت الرواية نفسها ساحة من ساحات الصراع.

ربما علينا أن نتحرر من إغراء “الشخصية الشريرة” التي تفسر لنا التاريخ كله.

فالتاريخ لا يتحرك دائمًا خلف الستار بيد واحدة.

أحيانًا تتحرك وراء الستار عشرات الأيدي، وكل يد تظن أنها تدفع الأحداث في اتجاهها، ثم تكتشف بعد فوات الأوان أن الأحداث كانت أكبر من الجميع.

لهذا فإن السؤال الذي يشغلني وأنا أقرأ قصة مقتل عثمان ليس:

هل كان عبد الله بن سبأ هو الذي صنع الفتنة؟

بل سؤال أكثر قلقًا:

هل كان ثمة من فهم أن الدولة أصبحت قابلة للاشتعال، فاستغل ذلك؟

إذا كان الجواب نعم، فالسؤال التالي أخطر:

هل كان هناك رجل واحد؟ أم شبكة من الرجال؟ أم أن كل طرف، من حيث لا يدري، كان يؤدي دورًا في صناعة المأساة؟

ربما لن نستطيع أن نجيب عن ذلك بيقين بعد أربعة عشر قرنًا.

لكن المؤرخ الحقيقي لا يخشى كلمة “لا نعرف”

فأحيانًا تكون عبارة “لا نعرف بعد” أكثر صدقًا من ألف حكاية مكتملة التفاصيل.

التاريخ، مثل الرواية العظيمة، لا يكشف كل أسراره دفعة واحدة.

كلما اقتربت منه، ظننت أنك أمسكت بالخيط.

ثم اكتشفت أن الخيط نفسه يقود إلى خيط آخر.

وفي فتنة عثمان تحديدًا، ربما كانت أخطر الأشياء التي تحركت في تلك الأيام ليست السيوف وحدها..

بل الرسائل التي سبقت السيوف.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.