علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: لماذا إيران (5) القوة الإقليمية لمن؟

وصفت وثائق أمريكية إيران بأنها القوة الإقليمية التي تمتلك الإرادة والقدرة على لعب دور قيادي في حماية أمن الخليج، ورأت في الشراكة الأمريكية–الإيرانية ركيزة مهمة للنظام الإقليمي.

مشاركة:
حجم الخط:

 ليست القضية وجود قوة إقليمية من عدمه، وإنما علاقتها بالنظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن

انتهى الجزء الرابع بسؤال:

هل المشكلة أن تصبح إيران قوة إقليمية، أم أن تصبح قوة إقليمية خارج النظام الذي تقوده الولايات المتحدة؟
هذا السؤال ليس نظريًا.

لدينا تجربة تاريخية تسمح باختباره.

فإيران نفسها كانت قبل الثورة قوة إقليمية كبيرة، بل إن الولايات المتحدة هي التي ساعدتها على أن تصبح كذلك.

هنا ربما نجد مفتاحًا لفهم قصة امتدت من الشاه إلى الثورة، ومن العقوبات إلى النووي، ومن حزب الله وفلسطين إلى العراق واليمن، حتى وصلت في 2026 إلى الحرب المباشرة.

أحمد علام يكتب: لماذا إيران؟ (4) العراق

عندما كانت قوة إيران مطلوبة

في عهد الشاه لم تكن الولايات المتحدة تخشى أن تصبح إيران قوية،كانت تريدها قوية.

بعد إعلان بريطانيا الانسحاب من الخليج، احتاجت واشنطن إلى نظام إقليمي يستطيع حماية مصالحها من دون انتشار أمريكي مباشر بالحجم الذي سيحدث لاحقًا.

وفي إطار «عقيدة نيكسون» أصبحت إيران الشاه أحد أهم أعمدة هذا النظام.

والوثائق الأمريكية شديدة الوضوح في هذا الأمر.

كانت واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها واحدة من أوثق حلفائها في المنطقة وركيزة لأمن الخليج، حتى إن زيارة نيكسون لطهران عام 1972 انتهت إلى استعداد أمريكي لتزويد الشاه تقريبًا بكل منظومات السلاح الأمريكية التي يطلبها، باستثناء السلاح النووي.

وكانت واشنطن ترى أن القوة الإيرانية يمكن أن تتحمل جزءًا من مسؤولية حماية الخليج وموازنة القوى التي تعدها الولايات المتحدة معادية.

إذن علينا أن نثبت هذه الحقيقة منذ البداية:

أمريكا لم تكن ضد إيران القوية، كانت ضد أن تقع هذه القوة في المعسكر المعادي.

هذا فارق هائل، القوة نفسها… لكن الوظيفة تغيرت

في عهد الشاه كانت الطائرات الحديثة والسلاح والجيش الإيراني الكبير عناصر استقرار من المنظور الأمريكي.

لماذا؟

لأنها كانت تعمل داخل نظام التحالفات الأمريكي ولا تعادي إسرائيل وهذه نقطة هامة جدا.

بل وصفت وثائق أمريكية إيران بأنها القوة الإقليمية التي تمتلك الإرادة والقدرة على لعب دور قيادي في حماية أمن الخليج، ورأت في الشراكة الأمريكية–الإيرانية ركيزة مهمة للنظام الإقليمي.

ثم جاءت الثورة عام 1979

لم تختفِ الجغرافيا، لم يختفِ النفط، ولم تختفِ أهمية الخليج، الذي تغير هو اتجاه القوة الإيرانية.

الدولة التي كانت تستخدم قوتها داخل النظام الأمريكي أصبحت تعلن أنها تريد إخراج النفوذ الأمريكي من المنطقة.

وهنا تحول معنى القوة.

ما كان يسمى في عهد الشاه: قوة إقليمية مسؤولة تحمي الاستقرار، أصبح بعد الثورة يُقرأ في واشنطن باعتباره: تهديدًا للنظام الإقليمي.

هنا ينبغي ألا ننشغل بالكلمات، ينبغي أن نسأل: من الذي يعرّف الاستقرار؟ ما هو «النظام الإقليمي» أصلًا؟

عندما نتحدث عن النظام الإقليمي الأمريكي لا نعني أن الولايات المتحدة تحكم الشرق الأوسط مباشرة.

المسألة أكثر تعقيدًا.
نتحدث عن شبكة من: التحالفات، القواعد العسكرية،اتفاقات الدفاع،مبيعات السلاح، التعاون الاستخباراتي.

حماية طرق النفط والتجارة، العلاقات الخاصة جدا جدا مع إسرائيل، والشراكات مع دول الخليج ودول عربية أخرى.

هذا النظام لم يولد كاملًا في يوم واحد، تطور عبر عقود.

لكن الخليج ظل يحتل فيه مكانة استثنائية

وفي يناير 1980، بعد الثورة الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان، أعلن الرئيس جيمي كارتر أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على الخليج ستُعد اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لمنع ذلك.

هذه العبارة مهمة جدًا، فالخليج يقع على بعد آلاف الكيلومترات من الأراضي الأمريكية، ومع ذلك أصبح أمنه مصلحة أمريكية حيوية.

ومن هنا نفهم أن الصراع مع إيران لا يجري فقط حول حدود إيران، إنه يجري داخل منطقة تعتبرها واشنطن جزءًا من مجال مصالحها الاستراتيجية الأساسية.

وإيران تقول شيئًا مختلفًا

من وجهة النظر الإيرانية، الصورة معكوسة.

تقول طهران عمليًا: نحن دولة تطل على الخليج، والولايات المتحدة تقع في قارة أخرى.

فلماذا يكون وجودنا ونفوذنا في محيطنا «توسعًا»، بينما يصبح وجود الأساطيل والقواعد الأمريكية «نظامًا أمنيًا»؟

السؤال الإيراني يكشف مشكلة حقيقية في اللغة المستخدمة لوصف القوة.

فالدولة الكبرى كثيرًا ما تصف شبكة نفوذها بأنها: النظام.

ثم تصف محاولة خصمها بناء شبكة مضادة بأنها: زعزعة للنظام، وهنا يبدأ الخلاف الحقيقي حول معنى «الاستقرار» 

إيران تريد إخراج النفوذ الأمريكي

في وثيقة أمريكية من الثمانينيات نقرأ وصفًا مباشرًا للخلاف مع إيران، ومن بين عناصره أن السياسة الإيرانية سعت إلى إخراج النفوذ الغربي من الشرق الأوسط، ثم تضيف الوثيقة أن الولايات المتحدة لا تستطيع قبول ذلك لأن مصالحها في الشرق الأوسط «حيوية» 

هذه ربما من أهم العبارات في قصة «لماذا إيران؟» 

لأنها تضع الروايتين في جملة واحدة: إيران تريد تقليص النفوذ الغربي.

وأمريكا ترى أن مصالحها في المنطقة حيوية ولا تقبل بذلك.

هنا يصبح الصراع مفهومًا حتى قبل أن نتحدث عن أجهزة الطرد المركزي.

العقوبات سبقت الأزمة النووية

وهذه نقطة لا ينبغي أن تضيع.

عندما يسمع الإنسان اليوم «إيران» و«العقوبات» يظن أن السبب هو البرنامج النووي.

لكن التسلسل الزمني يقول شيئًا آخر.

بدأت العقوبات الأمريكية الأولى بعد أزمة السفارة والرهائن في 1979

وفي يناير/كانون الثاني 1984 وضعت الولايات المتحدة إيران على قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وفي التسعينيات اتسعت العقوبات بصورة كبيرة.

ففي 1995 حظرت إدارة كلينتون تقريبًا التجارة والاستثمار الأمريكيين مع إيران، ثم جاء قانون 1996 ليستهدف أيضًا استثمارات أجنبية معينة في قطاع الطاقة الإيراني.

وكانت الإدارة الأمريكية تذكر إلى جانب الإرهاب مخاوف أسلحة الدمار الشامل والصواريخ ومعارضة إيران لعملية السلام العربية–الإسرائيلية.

إذن: النووي أصبح لاحقًا ملفًا مركزيًا، لكنه لم يصنع أصل الصراع، الصراع أقدم، لكن إيران نفسها تغيرت أيضًا

إيران بنت هي الأخرى مشروع قوة إقليمية، دعمت حزب الله، ودعمت حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، طورت علاقات عميقة مع قوى عراقية.

دخلت بقوة في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد، قدمت دعمًا للحوثيين في اليمن، وطورت ترسانة صاروخية وطائرات مسيرة.

استخدمت الحرس الثوري، وخصوصًا فيلق القدس، هذه العلاقات باعتبارها جزءًا من السياسة الخارجية والأمنية الإيرانية. وتوثق

المصادر الأمريكية منذ سنوات الدعم الإيراني المالي والمادي واللوجستي لعدد من هذه القوى.
وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

فإيران لا تقول فقط: اتركوني داخل حدودي، لقد بنت بدورها مجال نفوذ خارج حدودها

إذن الصراع أصبح بين نظامين للقوة، شبكة القواعد في مواجهة شبكة الحلفاء

ربما نستطيع اختصار جانب مهم من الصراع بهذه الصورة.

الولايات المتحدة بنت قوتها الإقليمية من أعلى: دول، قواعد، أساطيل، اتفاقات دفاع، صفقات سلاح، وتحالفات رسمية.

أما إيران، التي لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة بهذه الأدوات نفسها، فبنت جزءًا كبيرًا من قوتها بطريقة مختلفة:

حزب الله في لبنان، جماعات عراقية، علاقات مع حماس والجهاد الإسلامي، الحوثيون في اليمن، وقوى محلية أخرى بدرجات متفاوتة من الارتباط بها.

هنا ظهر ما سمي: محور المقاومة، إذن إيران حاولت مواجهة التفوق الأمريكي التقليدي بشبكة قوة غير متماثلة.
تستخدم الأدبيات الأمريكية والإسرائيلية كثيرًا تعبير:

وكلاء إيران،  هذا التعبير مجافي للحقيقة 

إيران بالفعل تمول وتسلح وتدرب وتساند عددًا من هذه التنظيمات، لكن حزب الله ليس الحوثيين، والحوثيون ليسوا حماس
وحماس ليست الفصائل العراقية.

لكل تنظيم جذوره المحلية ومجتمعه ومصالحه وقيادته.

ولهذا فتصويرها كلها باعتبارها وحدات عسكرية إيرانية تتلقى أمرًا واحدًا من طهران يختزل واقعًا أكثر تعقيدًا.

الصورة التي وصلنا إليها في لبنان في الجزء الثاني توضح ذلك جيدًا:

إيران تستطيع استثمار قضية محلية قائمة، ودعم فاعل محلي، وربطه باستراتيجيتها؛ لكنها لا تحتاج إلى خلق المجتمع وقضيته من الصفر.

هنا تسقط القراءة المذهبية البسيطة

لو كان كل المشروع الإيراني مجرد مشروع شيعي، لكانت علاقة إيران بحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني عصية على التفسير.
كلتاهما حركتان سنيتان، ومع ذلك دعمت إيران الحركتين.

وتؤكد المصادر الأمريكية نفسها وجود الدعم الإيراني المالي والمادي لحماس والجهاد الإسلامي إلى جانب حزب الله.

هذا لا يعني أن المذهب غير مهم.

لقد لعب دورًا مهمًا في العراق ولبنان وسوريا واليمن، واستخدمته إيران وخصومها في التعبئة،لكن المذهب لا يكفي لتفسير

السياسة، فوقه توجد الجغرافيا، وتحتها توجد المصالح، وبجوارهما يوجد الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة.

إسرائيل: النقطة التي يصعب فصلها عن كل ما سبق

هنا ندخل إلى قلب المسألة.

منذ الثورة قطعت إيران علاقتها بإسرائيل وتحولت من حليف لها في عهد الشاه إلى أحد أعدائها الرئيسيين.

ثم لم تكتفِ بالموقف السياسي، دعمت حزب الله على حدود إسرائيل الشمالية، دعمت فصائل فلسطينية مسلحة، وطورت صواريخ تستطيع الوصول إلى إسرائيل.

من وجهة النظر الإسرائيلية، هذه ليست «سياسة استقلال»  إنها تهديد أمني مباشر.

من وجهة النظر الإيرانية، إسرائيل ليست دولة طبيعية في النظام الإقليمي، وإنما قوة احتلال تدعمها الولايات المتحدة، ومن ثم يصبح دعم القوى التي تقاتلها جزءًا من استراتيجية المقاومة.

لا يمكن دمج الروايتين في رواية واحدة، لكن يمكن فهمهما معًا.

إسرائيل تريد بيئة إقليمية لا تستطيع فيها قوة معادية تهديدها عسكريًا على نطاق استراتيجي، وإيران تريد بناء قدرة تجعل ضربها أو ضرب حلفائها مكلفًا.

هذا هو: الردع، لكن الردع يحمل تناقضًا خطيرًا.

كل طرف يزيد قوته لأنه يقول إنه يريد منع الحرب

الطرف الآخر يرى زيادة القوة نفسها استعدادًا للحرب.

وهكذا يمكن أن تؤدي محاولة الطرفين بناء الردع إلى الحرب التي يقول كل منهما إنه يريد منعها.

ثم جاء الملف النووي،هنا ينبغي ألا نقع في الخطأ المقابل، كون البرنامج النووي لا يفسر بداية الصراع لا يعني أنه ملف مصطنع أو غير مهم، إنه شديد الأهمية.

لأن دولة بحجم إيران، وبموقعها، وترسانتها الصاروخية، وشبكة علاقاتها الإقليمية، إذا امتلكت سلاحًا نوويًا، فإن ميزان الردع في الشرق الأوسط سيتغير جذريًا.

لهذا أصبح منع إيران من الحصول على سلاح نووي هدفًا أمريكيًا وإسرائيليًا رئيسيًا.

لكن الملف النووي قدم أيضًا تجربة مهمة: هل يمكن حل جزء من الصراع بالتفاوض؟

هذا ما سنجيب عليه في الجزء السادس إن شاء الله.

شارك المقال:

شاركنا برأيك