د. أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون رئيسا لمصر (4) حسني مبارك
لم يظلم المصريون مبارك حين ثاروا عليه؛ لكنهم ظلموه حين جعلوا آخر مبارك هو مبارك كله؛ اختُزلت ثلاثون عاماً في التوريث، والشرطة، والفساد، وأحمد عز، وانتخابات 2010، وشيخوخة الرئيس والنظام.
الرئيس المصري الأسيق حسي مبارك انهى عهده بثورة على التلبد والجمود
المستقر صاحب نظرية المواربة
للتاريخ أحياناً طريقة غريبة في الحركة:
تظهر فكرة فتسيطر، ثم يأتي من يقلبها رأساً على عقب، ثم يأتي ثالث لا يعيد الأولى ولا يكرر الثانية.
يأخذ من كل منهما شيئاً، ويلقي شيئاً وهذه، في أبسط صورها، هي الفكرة التي اشتهرت في شرح الجدل عند الفيلسوف الألماني “هيجل”
فكرة، ثم نقيضها، ثم مركَّب يحتفظ من الاثنين بما يستطيع أن يعيش.
وإذا جاز تطبيقها على جمهورية يوليو، كان عبد الناصر هو الفكرة الثورة، وقد صارت دولة.
والسادات هو نقيضها، الدولة نفسها وقد غيرت اتجاهها، ثم جاء مبارك مركَّب النقيضين.
أخذ مبارك من ناصر النظام، ومن السادات الاتجاه، وأسقط مشروع الاثنين.
أبقى مبارك الرئاسة القوية، والأمن، والبيروقراطية، والدولة المركزية، وأبقى السلام والانفتاح والاتجاه الاستراتيجي غرباً، لكنه لم يرث حلم ناصر، ولا جرأة السادات.
كان أول رئيس لجمهورية يوليو لا يحتاج إلى شرعية يوليو كي يحكم بها.
في عهده، ماتت ثورة يوليو، وبقي نظامها!
مبارك العسكري
وُلد مبارك عام 1928، وتخرج في الكلية الحربية عام 1949 ثم الكلية الجوية عام 1950، وصار في عهد عبد الناصر رئيساً لأركان القوات الجوية عام 1969، ثم عينه السادات قائداً لها عام 1972.
قاد سلاح الطيران في حرب أكتوبر 1973، وكان أحد أبرز أبطالها.
لم يأت مبارك إلى الرئاسة من كتاب أو حزب أو تنظيم، جاء من قمرة الطائرة، تكوينه عسكري وتقني وإداري، وليس فكرياً أو أيديولوجياً.
الطيار لا يحب المفاجآت؛ يراقب العدادات، ويقلل المخاطر، ويتجنب المناورة غير الضرورية.
لكنَّ مدرسة مبارك الحقيقية لم تكن القوات الجوية وحدها، وهو نائب للرئيس رأى مظاهرات 1977 تشتعل بسبب الأسعار حتى وصل الغضب إلى منزله، وبعدها بأربع سنوات رأى السادات يسقط بالرصاص إلى جواره.
عرف أنَّ قراراً اقتصادياً قد يحرق الشارع، وأنَّ صراعاً سياسياً قد يقتل الرئيس.
دخل القصر وفي ذاكرته شارع منفجر ورئيس مقتول، ولم يعد الاستقرار عنده سياسة فقط؛ صار تجربة شخصية.
مفتاح شخصية مبارك
لم يكن الحذر وحده مفتاح شخصية مبارك؛ كان “تجنب الخسارة” مفتاحاً رئيسياً.. يفرّق “علم القرار” بين تعظيم المكسب وتقليل الخسارة، وبين الحل الأمثل والحل “الجيد بما يكفي”
كان مبارك أقرب إلى البحث عما يُبقي الأمور تحت السيطرة.
لذلك فضّل التسوية على الحسم، والتدرج على القفزة، والاحتواء على المواجهة، وتأجيل الفاتورة على دفعها مرة واحدة.
لم يكن مبارك ضعيف القرار، كان شديد الحساسية تجاه ثمن القرار إذا أخطأ، كان يسأل:
ماذا يمكن أن نخسر؟ قبل أن يسأل: ماذا يمكن أن نكسب؟
غير أنَّ من يحكم طويلاً بعقلية تقليل الخسائر قد ينتهي إلى تقليل المكاسب أيضاً..
كان مبارك، على طريقة أرسطو، رجل المنطقة الوسطى (الفضيلة نقطة وسطى بين رذيلتين)
لا اشتراكية ناصر ولا سوق كاملة، لا حرب مع إسرائيل ولا اندفاع في التطبيع، لا قطيعة مع واشنطن ولا خصومة مع العرب.
لا إلغاء للمعارضة ولا السماح لها بالحكم، لا شرعنة كاملة للإخوان ولا استئصال كامل.
كان يكره النهايات الحدية، ويخشى القرار الذي لا يمكن الرجوع عنه، ولذلك حكم بسياسة الباب الموارب، لا يفتحه كله، ولا يغلقه كله
ويترك لنفسه دائماً خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف، اختار نقطة وسطى، ثم بقي فيها ثابتاً بينما تحرك العالم من حولها.
سؤال مبارك
كان سؤال مبارك مختلفاً عن سابقيه: يسأل ناصر: ماذا نفعل؟ والسادات يسأل: إلى أين نذهب؟ أما مبارك فيسأل: ما الذي لا يجب علينا فعله أو الاقتراب منه؟
لا مغامرة عسكرية، لا انهيار، لا انفجار اجتماعي، لا سيطرة إسلامية، لا قطيعة أمريكية، لا عزلة عربية، لا تغيير مفاجئ.
كانت شرعيته تقوم على دفع الضرر أكثر من جلب المنفعة:
منع الأسوأ، لا صناعة الأفضل.. وكانت مصر بعد السادات تحتاج إلى من يضع بعض الثلج على رأسها (بتعبير هيكل)، وقد فعلها مبارك ونجح
ثم استمر التبريد حتى صار تجميداً.
وضع مبارك مصر كلها في (الفريزر) ثلاثة عقود؛ فحفظها من التعفن، ومنعها من الحركة..
نسخ مبارك
وفي رأيي، فإنه لم يكن هناك مبارك واحد طوال الثلاثين عاماً، كان هناك ثلاثة رجال يحملون الاسم نفسه:
مبارك الثمانينيات، رئيس الترميم والتبريد: يعيد العلاقات العربية، يستعيد طابا، يحافظ على السلام، ويخفض حرارة السياسة.
مبارك التسعينيات، رئيس الاحتواء والنجاة:
إصلاح اقتصادي، حرب الخليج، عنف إسلامي، أديس أبابا؛ والأزمات تمر والرئيس يبقى.
ثم مبارك ما بعد الألفية، رئيس الشيخوخة السياسية والخلافة:
جمال، رجال الأعمال، الإعلام الخاص، الإنترنت، كفاية، 6 أبريل، ثم انسداد 2010..
نجاحه في كل مرحلة خلق مباركاً آخر، وأقنعه بأن الطريق نفسه ما زال صالحاً.
أفسدت السادات انتصارات الحركة؛ ومبارك أفسدته انتصارات الانتظار.
لم يكن مبارك رئيس القرارات البطيئة المؤجلة فقط؛ كان رئيس الفرص التي انتهت صلاحيتها وهو يدرس مخاطرها، حتى قيل عن سنواته “سنوات الفرص الضائعة”
وفي أيام ثورة يناير، أدى تأخره في اتخاذ قراراته إلى اشتعالها، ورفع سقف مطالبها إلى ما لم يكن متوقعاً في بدايتها.
نسخة مبارك الثالثة البليد
والمؤكد أن النسخة الثالثة من مبارك لم تكن جيدة مقارنة بالنسخة الأولى منه.
في أول عهده شاع عنه قوله إنَّ “فترة واحدة تكفي” وإنَّ “الكفن مالوش جيوب” وكان يفاخر ببدل من صوف المحلة.
ثم حكم ثلاثين عاماً، وظهر في نهايات عهده ببدلة تحمل خطوطها اسمه متكرراً.
بدأ يرتدي صناعة الدولة، وانتهى يرتدي اسمه.
والعامية التي بدت في النسخة الأولى بساطة، وخفة الظل التي بدت قرباً، تحولت في نسخته الأخيرة إلى استخفاف “كبّر مخك” لخّصت التأجيل، و”خلّيهم يتسلوا” لخّصت الاستهانة.
وصارت هذه الجمل رمزاً للنظام كله، والمفاجأة أن الرئيس الذي أمضى حياته يتجنب المفاجآت ترك قبل سقوطه بأسابيع عبارة توحي بأنه لم ير المفاجأة الأكبر قادمة!
دولياً، لم يكن مبارك من عائلة القادة الذين يعيدون اختراع دولهم؛ بل من “حراس الاستقرار”
وأقرب مراياه، مع اختلاف الظروف، “ليونيد بريجنيف”: أعاد الهدوء، ورسّخ البيروقراطية، ثم طال الاستقرار حتى صار ركوداً.
ويشبه مبارك “سوهارتو” في جانب آخر: عسكري جعل الاستقرار شرطاً للحكم، وسمح بانفتاح اقتصادي صاحبه اقتراب المال من السلطة.
لكن مبارك لم يكن بريجنيف أيديولوجياً، ولا سوهارتو تنموياً.
كان مبارك من مدرسة الحكام الذين لا يسألون كيف نصنع دولة جديدة، بل كيف نجعل الدولة القائمة تستمر.. قوته أنه منع الانهيار؛ ومشكلته أنه جعل الاستمرار، مع الوقت، غايةً في ذاته.
الرئيس العادي
كان مبارك أكثر رؤساء الجمهورية (عادية)، وربما أكثرهم قبولاً بعاديته؛ كان رئيساً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
لم يقدم نفسه زعيماً ملهماً، ولا صاحب رسالة تاريخية، ولا مفكراً استراتيجياً:
كان “رئيساً” فقط، رجلاً يؤدي وظيفة، تكلم بالعامية، وأطلق النكات، وكان “حقيقياً” و”ابن بلد”
لم يكن صاحب تكوين ثقافي عميق أو مشروع فكري، وعلاقته بالمثقفين أقرب إلى الاحتواء (حظيرة المثقفين) منها إلى المشاركة.
كانت “عاديته” في البداية مصدر قرب، ثم صارت عند خصومه دليلاً على ضيق الخيال.
لم يدّع مبارك أنه رجل استثنائي، لكنه انتهى إلى خطأ الرجال الاستثنائيين نفسه: وصار النظام لا يعرف كيف يتصور نفسه من دونه..
في الاقتصاد، حكم مبارك وعينه على أحداث يناير 1977، وكان شديد الحساسية تجاه وصول تكلفة الإصلاح فجأة إلى مائدة الأسرة.
خاف من الصدمة، وحافظ طويلاً على الدعم، وتحاشى الزيادات العنيفة.
كان يعرف أن فاتورة الإصلاح قد تتحول سريعاً إلى فاتورة سياسية، فاشترى السلم الاجتماعي في الاقتصاد كما اشترى الوقت في السياسة.. كان يمنع الألم المفاجئ، ويؤجل الألم المزمن، لكنَّ تأجيل الفاتورة لا يلغيها.
تراكم الدين والعجز والمشكلات المؤجلة، ثم جاء نمو السنوات الأخيرة مصحوباً بصورة “رأسمالية المحاسيب” واقتراب المال من السلطة.
ولم تكن المشكلة في معدل النمو وحده، بل فيمن يشعر به.. والأرقام التي تقول إنَّ الاقتصاد يتحسن لا تستطيع إسكات مواطن يقول إنَّ حياته لا تتحسن.
دعه يتكلم دعه يمر
وفي السياسة كانت القاعدة بسيطة: دع الناس تتكلم، لكن لا تجعل الكلام طريقاً إلى الحكم.
سمح مبارك بهوامش حزبية وانتخابية وإعلامية، وأبقى على الخطوط الحمراء:
ليست ديمقراطية كاملة، وليست إغلاقاً كاملاً، سمح للناس أن يقولوا إنَّ النظام أخطأ، ولم يمنحهم طريقاً حقيقياً لتغيير النظام الذي أخطأ فاتسعت مساحة معرفة المشكلات أسرع من مساحة القدرة على تغييرها.
تحولت وسائل الإعلام (التقليدية والجديدة) إلى صمام تنفيس، وصارت أيضاً مدرسة للنقد الجريء.
اتسع الباب في 2005، ثم ضاق، حتى جاءت انتخابات 2010 كأن النظام يغلق ما ظل موارباً سنوات.
وهنا المفارقة الأشد: سقط مبارك حين توقف نظام مبارك عن أن يكون (مباركياً)!
باب الخلافة الموارب
وكان أخطر باب تركه مبارك موارباً هو باب الخلافة؛ صعد جمال، وقاد أمانة السياسات، وأحاط به تكنوقراط ورجال أعمال، وأصبح معه سؤال “مَنْ بعد مبارك؟” هو السؤال الأكثر تداولاً.
لم يكن التوريث إشاعة بلا أساس، ولم يكن قراراً نهائياً معلناً كان مشروع خلافة تتجمع له الأدوات حتى صدق المصريون أنه قادم.
وهنا بدأت المشكلة تتجاوز شخص جمال نفسه؛ فقد نجح مبارك طويلاً لأنه ظل نقطة التوازن بين الجيش والأمن والحزب والبيروقراطية ورجال الأعمال
لكن مشروع الخلافة جعل هذه المراكز تفكر لأول مرة في اليوم التالي لمبارك، ولم تعد كل مراكز القوة ترى المستقبل بالطريقة نفسها.
لم يغلق مبارك طريق جمال، ولم يفتحه رسمياً، ولم يصنع بديلاً واضحاً، ولم يحسم من بعده.
كان الباب الموارب يصلح للتكتيك، لكنه لا يصلح لمسألة وجودية.
ومع بقاء الخلافة معلقة بين الانتخاب والوراثة، وبين الجمهورية والعائلة، وُلد التعبير الذي لخص المأزق كله: “الجملكية”؛ جمهورية تتحرك نحو منطق الملكية.
والمفارقة قاسية: مبارك الذي أمات معظم أفكار يوليو كاد يصطدم بآخر فكرة بقيت منها؛ أن مصر جمهورية لا تُورث.
وزاد المفارقة أن مبارك، الذي وصل إلى الرئاسة من مقعد نائب الرئيس، حكم ثلاثين عاماً تقريباً من دون نائب.
25 يناير تقلب الموازين
لم تبدأ يناير في 25 يناير؛ سبقتها كفاية، والقضاة، والمحلة، و6 أبريل، والمدونون، وخالد سعيد، وسنوات من الاحتجاج المتناثر.
كان نظام مبارك جيداً في مراقبة الخصوم الذين يعرفهم:
حزب، جماعة، تنظيم، قيادة؛ لكنه كان أضعف أمام مجتمع يتحرك بشبكات أقل مركزية.
ثم جاءت تونس لا لتصنع الغضب، بل لتثبت أن الغضب يمكن أن ينتصر، وأن الرئيس الأبدي يمكن أن يرحل بشكل فوري.
لم تكن يناير حتمية؛ كان يمكن أن تسلك مصر طريقاً آخر لو فُتح الإصلاح، أو حُسمت الخلافة، أو كانت انتخابات 2010 مختلفة.
لكن النظام جعل الإصلاح من داخله أقل احتمالاً، فجعل الانفجار من خارجه أكثر احتمالاً.
لم يكن مظلوما
لم يظلم المصريون مبارك حين ثاروا عليه؛ لكنهم ظلموه حين جعلوا آخر مبارك هو مبارك كله؛ اختُزلت ثلاثون عاماً في التوريث، والشرطة، والفساد، وأحمد عز، وانتخابات 2010، وشيخوخة الرئيس والنظام.
اختفى مبارك الذي خفض حرارة ما بعد السادات، وأعاد مصر عربياً، واسترد طابا، وتجنب المغامرات، وحافظ على الدولة.
ثم ظلموه مرة أخرى في الاتجاه المضاد؛ فبعد رحيله بسنوات ظهر: “ولا يوم من أيامك يا مبارك” وصار الجمود عند بعض الناس استقراراً، وضيق السياسة أمناً، ومشكلات الاقتصاد زمناً جميلاً.
في يناير حاكم الناس مبارك بما كان يمكن أن تكون عليه مصر؛ وبعد سنوات حاكموه بما أصبحت عليه؛ فخسر المحاكمة الأولى، وربح عند بعضهم الثانية.
لم تتغير أيام مبارك بعد موته؛ تغيرت الأيام التي جاءت بعدها، فتغير الحكم عليها.. والأكثر مفارقة أن مبارك خسر الحكم حين لم يعد المصريون يقبلون منطقه القائل إنَّ البديل قد يكون أسوأ؛ ثم أعادت السنوات التالية لهذا المنطق بعضاً من قوته..
البليد المتجمد
لا يبدأ التاريخ العادل لمبارك بتبرئته من يناير ولا بإدانته بها.. تبرئته من تهمة لا تبرئ نظامه، وإدانته في قضية لا تثبت كل ما قيل عنه.
لم يكن مبارك غبياً كما أحب خصومه أن يصوروه، ولا عبقرياً خفياً كما يحب أنصاره أن يعيدوا بناء صورته.
كان ذكاؤه ذكاء تجنب الخسارة أكثر من ذكاء اقتناص المكسب.
ونوع الذكاء الذي أبقاه ثلاثين عاماً هو نفسه الذي لم يخبره متى انتهى زمنه.
كان حكيماً حتى تبدو حكمته بلادة، وواقعياً حتى يصبح الواقع سقفاً، وعنيداً حتى مع نفسه.
رضي مبارك بالمتاح واقتنع بالممكن؛ مشكلته أنَّ الممكن تقلص مع الزمن حتى صار اسماً آخر للرضا بالموجود!
كان أعظم مواهب مبارك أنه يعرف كيف يشتري الوقت، وكانت مأساته أنه ظن أن الوقت دائماً معروض للبيع أو للإيجار.
عاش مبارك ثلاثين عاماً يتعلم أن الانتظار يكسب، ثم جاءت ثمانية عشر يوماً تعلمه أن بعض القرارات إذا تأخرت طويلاً يتخذها الآخرون نيابة عنك.
نجح مبارك حين كانت مصر تحتاج إلى الاستقرار؛ وفشل حين أصبح استقراره نفسه جموداً..
شاركنا برأيك