البشير عبيد يعبر بالجسر إلى ذاكرة المنفى وأسئلة الإنسان
في قصيدته «بيوت للذاكرة.. دفاتر للنسيان»، المؤرخة في 11 نوفمبر 2022، يرسم البشير عبيد مشهدًا شعريًا تتجاور فيه البيوت المهجورة مع الذاكرة الجريحة
غلاف وحدهم يعبرون الجسر
ديوان جديد للشاعر التونسي بعنوان «وحدهم يعبرون الجسر» يستعيد أسئلة الوطن والحرية، ويواجه في قصائده النسيان والاقتلاع ومصير الإنسان.
«وحدهم يعبرون الجسر».. قصائد على ضفاف المنفى
عن «منشورات كناية» في ستوكهولم وتونس، صدر حديثًا الديوان الشعري الجديد للشاعر التونسي البشير عبيد.
بعنوان «وحدهم يعبرون الجسر»، في كتاب يقع في مائة صفحة من القطع المتوسط، تتصدر غلافه لوحة للفنان التشكيلي التونسي الدكتور خليل قويعة.
ويصدر الديوان بصيغتين متزامنتين، ورقية وإلكترونية،
إلى جانب طبعة ورقية موازية مخصصة لتونس، ونسخة للقراءة فقط عبر منصة «كناية» على موقع «كالاميو».
ويقدم الكتاب الناقد العراقي حكمت الحاج، الذي يضيء في مقدمته بعض ملامح التجربة الشعرية لعبيد،
متوقفًا عند ما تحمله قصائده من أسئلة الذاكرة والمنفى والخراب، وما تطرحه من تأملات في مصير الإنسان حين يفقد صلته بأرضه،
ويصبح العبور تجربة مفتوحة على المجهول، لا وعدًا بالنجاة أو الوصول إلى ضفة آمنة.
في هذا الديوان، لا يبدو الجسر مجرد معبر بين مكانين،
بل صورة مكثفة لحالة إنسانية تتقاطع فيها الذاكرة مع الفقد، ويصبح فيها الماضي عبئًا لا يمكن التخلص منه،
بقدر ما يمثل آخر ما تبقى للإنسان من صلته بمكانه وهويته. فالذين يعبرون ليسوا بالضرورة أولئك الذين وجدوا طريق الخلاص،
بل أولئك الذين يواصلون السير رغم غياب الضمانات، حاملين في ذاكرتهم بيوتًا غادروها وحكايات لم تنتهِ.
ويشير حكمت الحاج، في تقديمه، إلى أن الصمت لا يمكن اعتباره حيادًا، كما أن النسيان لا يمثل خلاصًا حين يتعلق الأمر بمحو الإنسان من أرضه وذاكرته.
ومن هنا، تكتسب الكتابة الشعرية وظيفة تتجاوز التعبير الجمالي،
لتصبح شكلًا من أشكال الشهادة على ما يتركه الاقتلاع من جروح،
وعلى ضرورة ألا تتحول المآسي إلى وقائع عادية تفقد قدرتها على إثارة الأسئلة.
بهذا المعنى، يضع الديوان القارئ أمام علاقة معقدة بين الذاكرة والتاريخ، وبين ما ينجو من الإنسان وما يتعرض للمحو.
فالعبور قد يستمر، لكن ما يحمله العابرون معهم يظل حاضرًا، يذكّر بأن الوصول إلى مكان جديد لا يعني بالضرورة تجاوز المكان الأول،
وأن استعادة المعنى تبدأ أحيانًا من مقاومة النسيان.
من قصائد الشاعر.. «بيوت للذاكرة.. دفاتر للنسيان»
في قصيدته «بيوت للذاكرة.. دفاتر للنسيان»، المؤرخة في 11 نوفمبر 2022، يرسم البشير عبيد مشهدًا شعريًا تتجاور فيه البيوت المهجورة مع الذاكرة الجريحة.
وتتقاطع فيه أسئلة الوطن مع الخوف والصمت والحرية. ومنذ عنوانها، تقيم القصيدة مواجهة بين الذاكرة بوصفها مساحة لحفظ ما تبقى من التجربة الإنسانية،
والنسيان بوصفه محاولة لطي صفحات لا يسمح التاريخ دائمًا بإغلاقها.
يقول الشاعر:
«كان الرجل الشريد يرمم بيوتا
تداعت
وصارت مزارا للقادمين من زمن
بعيد
ربما ضاعت خطاه في الفلوات
و صار الصوت قريباً من بهاء البريق»
تتقدم الصورة الشعرية هنا من خلال رجل شريد يحاول ترميم البيوت التي انهارت، في مشهد يتجاوز إصلاح الجدران إلى محاولة استعادة ما تصدع في الذاكرة.
فالبيوت ليست مجرد أماكن للسكن، بل حواضن للحكايات والانتماء، وحين يهجرها أهلها،
تتحول إلى شواهد على غيابهم، وإلى ذاكرة مفتوحة على زمن مضى ولم تنقطع آثاره.
وتتسع القصيدة تدريجيًا لتشمل مشاهد القحط والرحيل،
والأمهات الهاربات من النار، والبيوت التي غادرها أهلها، في صورة لوطن تتنازعه الخسارة والخوف.
ويمنح الشاعر الذاكرة حضورًا يتجاوز استعادة الماضي، لتصبح وسيلة لفهم الحاضر ومساءلة ما أنتجته التحولات القاسية من اغتراب وانكسار.
وفي أحد مقاطعها، يكتب:
«للذاكرة بيوت و للنسيان دفاتر
لم نكن ندري ان مسافة فاصلة
بين الجحيم و النعيم تعرفها القوافل
و الغجر»
لا تأتي هذه المفارقة بوصفها تأملًا مجردًا، بل تفتح بابًا للتساؤل عن المسافة التي تفصل الإنسان عن الطمأنينة، وعن الطرق التي يسلكها بحثًا عن معنى لحياته.
كما تستحضر القصيدة الخوف من المعرفة والتأويل،
ومن الكلمات التي تحفظ تفاصيل الوصايا والأحلام، في مواجهة قوى تحاول إبقاء الواقع داخل حدود الصمت والانحناء.
وتبلغ نبرة الاعتراض حضورًا واضحًا حين يكتب الشاعر:
«ستبقى الأصابع تكتب ورقات”الشغب”
ستبقى الرايات هي البوصلة»
هنا تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة رمزي، وتغدو الأصابع التي تكتب والرايات التي تهدي الطريق علامتين على استمرار البحث عن اتجاه،
حتى حين تبدو البلاد نفسها وكأنها فقدت بوصلتها. وبين صور الخراب وصيحات الثكالى،
لا تغلق القصيدة بابها على اليأس، بل تترك مساحة لصوت يرفض الاستسلام، ويواجه العواصف بإصرار على التعبير.
البشير عبيد.. ثلاثة عقود مع الكلمة الحرة
يمتد حضور البشير عبيد في المشهد الثقافي والإعلامي العربي لأكثر من ثلاثة عقود،
بوصفه شاعرًا وكاتبًا صحفيًا وباحثًا تونسيًا يكتب في مجالات الشعر والفكر والثقافة والنقد.
وقد نشر قصائده ومقالاته ودراساته في عدد من الصحف والمجلات والمنابر الثقافية التونسية والعربية، متابعًا قضايا الأدب والفكر والتحولات الثقافية،
من موقع الكاتب المستقل المهتم بأسئلة الإنسان والحداثة والوعي.
وفي عام 2011، صدر له ديوان «رياح المشهد»، فيما يمتلك عددًا من المخطوطات الشعرية غير المنشورة.
إلى جانب مشاريع ومخطوطات في الفكر والنقد وقضايا المعرفة والأدب والرواية العربية والحداثة والتنوير. كما كتب وحاور عددًا من الأسماء الأدبية والفكرية العربية.
واهتم بتجارب الشعراء والكتاب والنقاد، ونُشرت أعماله في منابر ثقافية في تونس والمشرق والمغرب العربي.
وتتسم تجربته الشعرية بالانفتاح على أسئلة الإنسان والوجود والواقع العربي،
ومحاولة التقاط التحولات التي يعيشها الفرد والمجتمع، مع الحفاظ على خصوصية اللغة الشعرية وطاقتها التأملية.
وفي هذا السياق، يواصل عبيد الكتابة بين الشعر والصحافة والفكر والثقافة، انطلاقًا من إيمان بأن الكتابة فعل معرفة وذاكرة، وأن الشعر قادر على مساءلة العالم واستعادة المعنى.
ويأتي «وحدهم يعبرون الجسر» امتدادًا لهذا المسار، من خلال نصوص تستحضر المنفى والذاكرة والاقتلاع،
وتمنح التجربة الإنسانية مساحة للتأمل في الخسارة والحرية ومصير الأوطان.
وبين جسر يعبره العابرون وبيوت تحفظها الذاكرة، يضع البشير عبيد الكتابة في مواجهة النسيان، لتظل القصيدة شاهدًا على ما حدث، وصوتًا لما لم ينتهِ بعد.
شاركنا برأيك