مصطفى الجارحي يكتب: القصيدة تدافع عن نفسها (3-3)
نحن بحاجة إلى: جيل من النقاد متحرر من القواعد النقدية المحافظة.. يستطيع أن ينحت مصطلحات نقديةً مستحدثة تستوعب فقه القصيدة المصرية

جانب من ندوة مصطفي الجارحي في معرض الكتاب المصري
آفة كل جيل:
كما في كل جيل، يحدث أن تطفو على السطح أسماء تحيطها هالة إعلامية ضخمة.. حين ترى ذلك تتأكد يقينًا أنها أسماء تدربت وتبرمجت على تنفيذ أجندة يبدو في ظاهرها لخدمة الثقافة لكنها عكس ذلك.. من بين هذه الأسماء شعراء مهمون وأصحاب تجربة حقيقية لكنهم استناموا للسهل والروتيني ولأضعف الإيمان.. لكن الأمر لا يخلو من أسماء هشة فارغة لا تحمل إي إبداع حقيقي.. كلاهما ظهير للمؤسسة.. وكلاهما قتل الإبداع كلٌ بطريقته: واحدٌ بتنفيذ سياسات هي في الأصل إقصائية تقتل الشعر أو تكبله في أفضل الأحوال.. والثاني يتدنى بالشعر.. والشعر في ظني، والإبداع عمومًا، يقف على مسافة من المؤسسة تتيح له الحفاظ على بكارته وبراءته وأيضًا الاختلاف معها.. الشعر ينشد الحرية وينزع للحق والإنصاف والخير والجمال، فيما المؤسسة في أفضل صورها قيدٌ على حرية التعبير، غير منصفة، تنظر إلى الحق بمعيارها هي وحدها ودونها الطوفان.. وغير بعيد عن المشهد التقلبات السياسية الحادة التي نعيشها منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، والتي أثرت بطبيعة الحال على المشهد الثقافي وفي قلبه الشعر.. هنا يحدث شرخٌ داخل النفس الشاعرة على المستوى الإنساني والمجتمعي، ويعيش محاصرًا بدائرة جهنمية عنوانها (التخويف) من اتهامات ربما بالخيانة أو العمالة أو التمويل، فضلًا عن اتهامات أخرى على النقيض تجعله عبدًا للمؤسسة.. ولأن عوده ما زال أخضر طريًا يتخبط في العتمة.. فمن أين ينتج نصًا فارقًا متسقًا مع نفسه (!)
أريد ان أقول إن القصيدة تعاني بشدة ليس فقط منذ 25 يناير ولكن قبلها بقليل.. فلا شيء يبدو حقيقيًا: خلل في القيم وتغيير في المبادئ وتبدّل في القناعات بل والمعتقد.. إرهاب فكري وديني وقتل معنوي لكل من يقول كلمة حرة.. وبالرغم من ذلك فإن المشهد ليس سوداويًا بالمرة، فهناك أصوات على ندرتها لم تزل قابضة على جمر القصيد، وتحاول بدأب لا نظير له أن تكتب مشروعها الشعري المقدّر لها مدركةً أنها لا تكتب سوى حريتها.
تعطيل الثقافة:
منذ سنوات طويلة لا أتحدث عن المؤسسة الثقافية، لأننا باختصار شاهدناها وهي تعمل على تعطيل الثقافة.. قتلها في مهدها.. وإلا فليحدثني أيٌ من المسئولين عن الثقافة، وزيرًا كان أو رئيس هيئة أو مدير مديرية أو مدير قصر ثقافة، ما هو الدور التنويري الذي يضطلعون به.. لو أن هناك مشروعًا تنويريًا واحدًا ما تمكن التطرف والإرهاب منا طيلة سنوات.. ولو كانت هناك مجرد نوايا تنويرية لما استفحل بيننا الفساد.. سيقولون إنها تعمل على نشر الكتب الفكرية والأدبية و… فأقول إن دور النشر المستقلة تنتج، كيفًا وكمًا، ما تنتجه مطابع المؤسسة المدعومة من ضرائبنا.. ستحدثني عن المهرجانات الثقافية والفنية، فأقول المؤسسات الثقافية المستقلة تمتلك رؤية وفلسفة واضحة وتجذب الآن الشريحة الأكبر من شبابنا لبرامجها الثقافية والفنية من موسيقى ومسرح وسينما ومعارض تشكيلية وحتى معارض كتب.. إن مؤسسة ثقافية مستقلة في الإسكندرية على سبيل المثال تتفوق على ما تقدمه مكتبة الإسكندرية وقصر الإبداع وبقية قصور الثقافة (!) أضرب مثالًا بمؤسسة تنتمي للعاصمة الثانية، فما بالنا بمؤسسات مستقلة في العاصمة الأم.. ولأن الأمر كذلك فإنني أنظر بارتياب إلى كل: كتاب أو مهرجان أو مؤتمر يحمل شعار المؤسسة.. تلك التي ما زالت غارقة في توزيع عطاياها وهباتها، من منح تفرغ وجوائز ومكافآت، على جيش لا يستحق أن يتصدر المشهد بزعم أنه يحمل مشعل التنوير.. مؤسسة تستنزف موارد الدولة وتصرفها في مهرجانات تافهة وهشة ولا تقيم الأود.
اقتراحات:
نحن بحاجة إلى: جيل من النقاد متحرر من القواعد النقدية المحافظة.. يستطيع أن ينحت مصطلحات نقديةً مستحدثة تستوعب فقه القصيدة المصرية.
نحن بحاجة إلى: جيل نقدي يؤمن بأهمية تلك القصيدة وبقدرتها الجمالية على إعادة تشكيل عقل ووجدان راحا ضحيةً لتردي أخلاقيات الشارع.
نحن بحاجة إلى: جيل قادر على الغربلة والفرز بلا أجندات، أو حسابات، ويضطلع بدوره الشريف.. يكتب شهادته بضمير مهني مستريح، من دون محاباة أو إقصاء متعمد.
نحن بحاجة إلى: تحرير المؤسسة من نظامها المعطوب.
نحن بحاجة إلى: وقف نزيف المال العام.
نحن بحاجة إلى: تخفيض رواتب ومكافآت كبار الموظفين إلى حد لا يسمح بالتكالب والصراع ويخفف من وطأة الأحقاد لدى صغار الموظفين.
نحن بحاجة إلى: روشتة تحدد الأهداف الحقيقية للوزارة (ماذا تريد؟).
نحن بحاجة إلى: أهداف تحقق نقلة نوعية على المديين القصير والطويل.. تضع خارطة منطقية لتحقيق هذه الأهداف (كيف تحقق ذلك).
نحن بحاجة إلى: أن يكون بمقدور المثقفين الاطلاع على حزمة الأهداف الوزارية ومناقشتها، قبل اعتمادها وإطلاقها وتعميمها.
نحن بحاجة إلى: بروتوكول تعاون بين وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي يسمح بتفعيل ندوات شعرية (ولو شهرية) في مختلف الكليات.
نحن بحاجة إلى: إعادة النظر في المسابقات والجوائز وشهادات التقدير المجانية، وتغيير آلياتها، بحيث لا تُمنح عشوائيًا لمن لا يستحق.. وحتى لا يتقدم المتسابق بوصفة تداعب لجان التحكيم.
نحن بحاجة إلى: (وأعلم أن الأمر يتعلق بنقابة مستقلة) فلترة العضوية في اتحاد الكتاب بعد أن أصبح التباهي بالانتساب لهذه النقابة شيء مخجل بالفعل، ولا يليق بالاتحاد، بالنظر إلى المستوى المتدني لغالبية الحاصلين على العضوية في السنوات الأخيرة.
نحن بحاجة إلى: صحوة ضمير سواء في اختيار رؤساء تحرير السلاسل الأدبية.. أو في نظرة هؤلاء المختارين لجودة النص الأدبي وليس اسم الكاتب.
هكذا يمكن إصلاح جزء من الخراب.. والخروج من هذه الردّة المسيطرة على كل تفاصيل حياتنا.. إصلاح الحال الثقافي هو باختصار إصلاح مصر





