مقالات

(صحاب الأرض) بين وجع غزة ونبض مصر

بين ضفتي النيل وشاطئ المتوسط حكاية أخوّةٍ لا تنكسر. وأن أصحاب الأرض ما زالوا هنا، يكتبون حكايتهم بالدمع والصبر والرجاء

مشاركة:
حجم الخط:

خاص آخر الكلام 

حين يلتقي القصف بالشاشة 

بقلم: حكمت المصري 

بعد سحور اليوم الثاني من رمضان، كان الليل لا يزال ثقيلاً، والسماء مثقلة بصوت طائرة الاستطلاع التي لا تغادر سماء غزة. صليت الفجر، وجلست في زاوية مكان نزوحي أبحث عن لحظة هدوء تشبه الحياة التي كانت. قررت أن أشاهد الحلقة الأولى من مسلسل «صحاب الأرض»، كأنني أبحث عن نافذة أتنفس منها، أو عن حكاية تشبهنا فنشعر أننا لسنا وحدنا.

الواقع والدراما
ما إن بدأت المقدمة، حتى دوّى انفجار عنيف هزّ المدينة. ارتجفت الأرض تحت أقدامنا، وعاد الصوت المألوف الذي يذكرنا أن الحرب لم تغادرنا، وأن الحديث عن هدنة ليس سوى كلمات تُقال بعيدًا عن سماءٍ لا تعرف الصمت. في تلك اللحظة اختلط صوت المسلسل بصوت القصف، واختلطت الدراما بالواقع، حتى لم أعد أميز بين مشهدٍ يُعرض على الشاشة، ومشهدٍ يُكتب بدمنا كل يوم.

دخلت أجواء العمل، فرأيت الأزقة التي تشبه أزقتنا، والبيوت التي تشبه بيوتنا قبل أن تصبح ركامًا، وسمعت اللهجة القريبة من قلوبنا، فبكيت. لم يكن بكاءً عادياً؛ كان بكاء من يضع الملح على جرح مفتوح. نحن الذين عشنا التفاصيل، لا نستطيع مشاهدتها ببرود المتفرج. نحن لسنا جمهورًا ، نحن الحكاية نفسها.

دراما الحقيقة التي نعيشها

سبع وثلاثون دقيقة بدت كأنها سبع سنوات. شعرت أن نبضات قلبي تتسابق، وأن غصةً تسكن صدري لا تريد أن تغادر. كنت أتابع الأحداث وكأنني أعود إلى لحظة النزوح الأولى، إلى الطريق الطويل، إلى الوداع الصامت للبيوت، إلى الوجوه التي غابت فجأة. أدركت أن الصدمة لم تنتهِ، وأننا ما زلنا نعيشها كل يوم، في الخيام، وفي الانتظار، وفي نظرات الأطفال حين يسألون: متى نعود؟

رغم الألم، لا يمكن إنكار براعة العمل. كانت إشارة البداية مشحونة بالمعنى، ومكان التصوير نابضًا بالصدق، والسيناريو مكتوبًا بعناية تُحاكي التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها إلا من عاشها. بدا واضحًا أن الإخراج جاء بروحٍ منحازة للحقيقة، لا للفرجة. أما الأداء التمثيلي فكان محمّلاً بإنسانيةٍ عالية، جعلت الشخصيات أقرب إلى شهادات حيّة منها إلى أدوار مكتوبة.

«صحاب الأرض» لم يكن مجرد مسلسل، بل بدا كأنه رواية حيّة عمّا جرى ويجري في غزة. كأن العمل أراد أن يقول للعالم: انظروا جيدًا، فهذه الأرض لها أصحاب، وهذه الحكايات ليست أرقامًا في نشرات الأخبار. غزة تعبت من النظر إليها بصمت، تعبت من أن تكون صورة عابرة على الشاشات، بينما هي تنزف في الحقيقة.

علاقة شعب مصر وفلسطين 

وفي خضم هذا الشعور، حضرت العلاقة الوطيدة بين الشعبين المصري والفلسطيني، علاقة لا تختصرها السياسة ولا تغيّرها العواصف. منذ عقود، والدم والتاريخ والجغرافيا يصنعون خيطًا متينًا بين غزة ومصر. كم من مرة فتحت مصر معابرها للجرحى، واحتضنت أبناء غزة في جامعاتها ومستشفياتها، ورفعت صوتها دفاعًا عن القضية في المحافل الدولية، وكم من مرة شعر الفلسطيني أن نبض القاهرة ليس بعيدًا عن نبض غزة.

الشعب المصري، بحكومته وشعبه، كان دائمًا حاضرًا في وجدان الفلسطينيين. ليس حضورًا عابرًا، بل حضور أخٍ يعرف ثقل المسؤولية. والفن المصري تحديدًا كان ولا يزال جسرًا عاطفيًا يصل إلى كل بيت عربي، وعندما يختار أن يروي الحكاية الفلسطينية بصدق، فإنه يمنحها مساحةً في الضمير العربي لا تستطيع السياسة وحدها أن تصنعها.
في زمنٍ كثرت فيه أعمال درامية من بعض البلدان تلمّع صورة الاحتلال أو تفتح أبواب التطبيع بينما كان الفلسطيني يُقتل بدم بارد، جاء هذا العمل كوقفة ضمير. كأنه يعلن أن الفن يمكن أن يكون مقاومة، وأن الكاميرا قد تكون شاهدًا لا يقل أهمية عن أي منصة أخرى.

ورغم أنني قررت ألا أُكمل مشاهدة المسلسل، حفاظًا على قلبي المنهك، إلا أنني خرجت منه بشعور مزدوج: ألمٌ لأن الجرح ما زال طريًا، وامتنانٌ لأن هناك من اختار أن يروي الحكاية بصدق. ربما لن أستطيع متابعة الحلقات، لكنني أعلم أن وجود هذا العمل في حد ذاته رسالة.
رسالة تقول إن غزة ليست وحدها.

وأن بين ضفتي النيل وشاطئ المتوسط حكاية أخوّةٍ لا تنكسر.
وأن أصحاب الأرض ما زالوا هنا، يكتبون حكايتهم بالدمع والصبر والرجاء.

شارك المقال: