علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

الكونغرس تحت حصار المليارات.. ماسك و«إيباك» وأثرياء أمريكا في معركة المال والنفوذ

في كنتاكي، ساهمت الجماعات المؤيدة لإسرائيل بإنفاق ملايين الدولارات ضد الجمهوري توماس ماسي، الذي خسر الانتخابات التمهيدية.

مشاركة:
حجم الخط:

12مليار دولار تشعل انتخابات التجديد النصفي.. ومقعد الشيوخ يتجاوز 100 مليون دولار

لم تعد المعركة الانتخابية الأمريكية مجرد صراع بين الديمقراطيين والجمهوريين على أصوات الناخبين، بل تحولت إلى مواجهة بمليارات الدولارات، يتقدم صفوف مموليها أباطرة التكنولوجيا والمال وجماعات الضغط السياسي، وفي مقدمتها اللوبي المؤيد لإسرائيل.

وبينما توجه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع اليوم يفرض سؤال نفسه: هل يحدد الناخبون وحدهم هوية الكونغرس المقبل، أم أصبح أصحاب الثروات العملاقة يمتلكون قدرة استثنائية على تشكيل خياراتهم؟

انتخابات تقترب تكلفتها من 12 مليار دولار

تقدر مؤسسة «أوبن سيكريتس» أن يصل إجمالي الإنفاق الانتخابي إلى 12 مليار دولار، مقابل 8.9 مليارات في انتخابات 2022، بزيادة تقارب 34٪ بالقيمة الاسمية. وهو رقم تقديري للدورة الانتخابية الكاملة، لا يمثل التكلفة الحكومية لتنظيم الاقتراع.

وتكشف البيانات المسجلة حتى يوم الانتخابات عن إنفاق نحو 7.23 مليارات دولار على سباقات الكونغرس، منها 3.46 مليارات أنفقتها حملات المرشحين، و3.77مليارات من جماعات مستقلة.

ويتنافس المرشحون على 435 مقعدًا بمجلس النواب و 35 بمجلس الشيوخ، بينها مقعدان في انتخابات خاصة.

ويبلغ متوسط الإنفاق على المنافسة للمقعد نحو 8.2 ملايين دولار بالنواب، مقابل 105 ملايين بالشيوخ، وفق حسابات بيانات الإنفاق المسجل.

وهذه تكلفة جميع المتنافسين وداعميهم، وليست ما ينفقه الفائز وحده. كما تشمل بيانات الشيوخ إنفاق مرشحين مسجلًا خلال دورة أطول، ما يستدعي الحذر عند المقارنة.

معارك تتجاوز نصف مليار دولار للمقعد

تكشف الولايات المتنافس عليها عن تفاوت مذهل.

ففي تكساس، تجاوز الإنفاق على سباق الشيوخ بين الجمهوري كين باكستون والديمقراطي جيمس تالاريكو 680 مليون دولار، منها 488 مليونًا من جماعات خارج الحملتين.

وفي أوهايو بلغ الإنفاق نحو 505 ملايين دولار، مقابل 434 مليونًا في ميشيغان، و 255 مليونًا في آيوا، و 199مليونًا في ماين.
أما مجلس النواب، فبلغ الإنفاق على الدائرة السابعة بميشيغان 57.4 مليون دولار، والسابعة عشرة بنيويورك ٥٥٫٧ مليونًا، والأولى بأريزونا  53.6مليونًا.

هذه الأرقام لا تعني أن الأكثر إنفاقًا يفوز بالضرورة، لكنها تكشف حجم الموارد التي تُستنفد في عدد محدود من الدوائر والولايات الحاسمة للصراع على الأغلبية.

إيلون ماسك.. مئات الملايين خلف الجمهوريين

يتصدر الملياردير إيلون ماسك مشهد التمويل السياسي. ووفق تحليل نشرته «نيويورك تايمز» ونقلته «كوارتز» في الثاني من نوفمبر، بلغت مساهماته للجان سياسية فيدرالية ومحلية نحو 474 مليون دولار منذ بداية 2025.

توزعت الأموال بين نحو 216 مليون دولار للجنة «أمريكا باك» المرتبطة به، و 168 مليونًا لصندوق دعم الجمهوريين بمجلس الشيوخ، و30 مليونًا للجنة دعم مرشحيهم بمجلس النواب، فضلًا عن مساهمات أخرى.

ويمثل سباق تكساس مثالًا بارزًا على تركز هذه الأموال.

وتثير مساهمات ماسك نقاشًا حول العلاقة بين مصالحه السياسية والتجارية ومواقفه الانتخابية، خصوصًا مع اعتماد بعض شركاته على عقود حكومية، لكن ذلك لا يثبت وجود مقابل تشريعي أو تعاقدي لهذه التبرعات.

ولا ينفرد ماسك بالمشهد. فقد قدم الزوجان إليزابيث وريتشارد يولين نحو 150 مليون دولار، وجيف وجانين ياس نحو 110 ملايين لدعم جهات محسوبة على الجمهوريين، بينما برز جورج سوروس ومايكل بلومبرغ بين كبار ممولي الديمقراطيين.

«إيباك».. نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل

على جبهة أخرى، يبرز دور جماعات الضغط الأمريكية المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها «إيباك» AIPAC، التي تسعى إلى تعزيز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ودعم المرشحين المتوافقين مع توجهاتها.

وتكشف سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن لجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة» (UDP)، المرتبطة بإيباك، جمعت نحو 112٫8 مليون دولار خلال دورة 2025–2026 حتى 14أكتوبر، وأنفقت قرابة 85 مليونًا، تشمل الدعاية والنفقات التشغيلية والتحويلات إلى لجان أخرى.

ومن بين ممولي اللجنة رجال أعمال كبار، منهم بول سينغر وحاييم سابان ومارك روان.

وتبرعت إيباك نفسها بنحو 30 مليون دولار لهذه اللجنة. ويجب التمييز بين تمويل هذه المؤسسات الأمريكية وبين التمويل المباشر من الحكومة الإسرائيلية، الذي لا تثبته هذه الأرقام، وتكشف معركة ميشيغان حدود قوة المال أيضًا.

فقد أنفقت اللجنة والجماعات المرتبطة بها نحو 30 مليون دولار لدعم الديمقراطية هالي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية ضد عبد السيد، المنتقد للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.

ورغم التفوق الكبير في الإعلانات، فاز عبد السيد بالترشيح الديمقراطي.

وفي كنتاكي، ساهمت الجماعات المؤيدة لإسرائيل بإنفاق ملايين الدولارات ضد الجمهوري توماس ماسي، الذي خسر الانتخابات التمهيدية.

وتبرز الحالتان كيف يمتد نشاط هذه الجماعات إلى الحزبين، وإن اختلفت النتائج.

الأموال المظلمة.. من يدفع دون أن يعرف الناخب؟

المشكلة الأعمق ليست في الأموال المعلنة وحدها.

فقد رصدت «أوبن سيكريتس» نحو 1.47 مليار دولار من المساهمات ذات المصادر النهائية غير المعلنة. كما ساهم أكبر خمسين مانحًا بنحو 2.77 مليار دولار، ما يعكس تركّزًا استثنائيًا للتمويل.

ومنذ حكم المحكمة العليا في قضية «سيتيزنز يونايتد» عام 2010، اتسعت قدرة الشركات والنقابات واللجان المستقلة على الإنفاق السياسي دون الحدود المفروضة على التبرعات المباشرة للمرشحين.

ويرى المدافعون عن هذا النظام أن الإنفاق السياسي شكل من حرية التعبير، بينما يحذر منتقدوه من اختلال تكافؤ الفرص، وإضعاف الشفافية، وتزايد اعتماد المرشحين على أصحاب المصالح الاقتصادية.

الخطر هنا لا يتمثل بالضرورة في شراء الأصوات أو تزوير النتائج، وإنما في احتمال شراء النفوذ والقدرة على تحديد القضايا التي تصل إلى الناخبين، ثم التأثير في أولويات المشرعين بعد فوزهم.

وهكذا تصبح انتخابات التجديد النصفي اختبارًا مزدوجًا: لمن سيمنح الأمريكيون أصواتهم، وإلى أي مدى تستطيع ديمقراطية تقوم على المساواة في التصويت أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي وسط هذا التفاوت الهائل في القدرة على التمويل؟

ففي واشنطن، يمتلك كل مواطن صوتًا واحدًا، لكن ليس لكل مواطن القدرة نفسها على إسماع صوته.

شارك المقال:

شاركنا برأيك