معتز منصور يكتب: السودان بين واشنطن وأبوظبي والقاهرة والرياض
هل تستطيع واشنطن أن تعيد توزيع الشرعية داخل السودان بينما تظل القوى الخارجية التي تؤثر في موازين الحرب جزءًا من آلية التفاوض نفسها؟
لماذا سمحت الولايات المتحدة بدخول البرهان إلى أراضيها
تأشيرة عبد الفتاح البرهان إلى نيويورك ليست في حد ذاتها هي القضية. القضية أن الولايات المتحدة اختارت أن تجعل دخول رئيس مجلس السيادة السوداني إلى مقر الأمم المتحدة مشروطًا بقبوله هدنة تسعين يومًا، في لحظة يفترض أن تكون فيها الأمم المتحدة مساحة لتمثيل الدول لا أداة تفاوض على شروط الدخول إليها.
ووفق ما نقلته رويترز، ربطت واشنطن إصدار التأشيرة بموقف البرهان من مقترح مسعد بولس، بينما قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن أيا من البرهان أو محمد حمدان دقلو لا يمثل، في تصورها، سلطة دستورية شرعية يمكن أن تحكم السودان.
المعنى السياسي لهذا التصرف يتجاوز الضغط من أجل وقف إطلاق النار. الولايات المتحدة لا تضغط على طرفي الحرب بالدرجة نفسها في هذه اللحظة، حتى وإن كانت تعلن أنها لا تريد منح أي منهما مستقبلًا سياسيًا.
البرهان هو الذي وُضع الآن أمام اختبار مباشر يتعلق بشرط أمريكي، والجيش هو الذي يجد نفسه في مواجهة متصاعدة مع واشنطن حول الهدنة وحظر السلاح، بينما تستمر واشنطن في التعامل مع قوات الدعم السريع باعتبارها طرفًا في الحرب ينبغي احتواؤه أيضًا، لا باعتبارها البديل الذي قررت الولايات المتحدة تسليمه السودان.
وهذه نقطة لا يجوز القفز فوقها. القول إن واشنطن تريد حميدتي بدل البرهان أسهل من أن يكون صحيحًا.
السياسة الأمريكية الحالية تقول شيئًا أكثر تعقيدًا: لا تريد البرهان، ولا تريد حميدتي، لكنها تريد أن تكون صاحبة تأثير حاسم في تحديد من يأتي بعدهما. الفارق كبير. لأن إنهاء الحرب شيء، وإعادة تشكيل مركز السلطة الذي سيخرج من الحرب شيء آخر تمامًا.
واشنطن لا تتحرك منفردة في هذا الملف. إنها تتحرك من خلال رباعية تضمها مع الإمارات والسعودية ومصر، وهي الدول التي ترى واشنطن أنها تملك نفوذًا حقيقيًا على أطراف الأزمة السودانية. وهذه الصيغة نفسها تحمل تناقضًا يصعب تجاهله.
الإمارات موجودة داخل الرباعية التي تقودها واشنطن، بينما تتهمها الخرطوم بدعم قوات الدعم السريع، وهو اتهام تنفيه أبوظبي.
وفي المقابل، تجد مصر نفسها أمام سودان يجاورها مباشرة، وتراه جزءًا من أمنها القومي ومجالها الحيوي، بينما تنظر السعودية إليه من الضفة الأخرى للبحر الأحمر، بما يحمله موقعه من تأثير مباشر على أمنها البحري والإقليمي.
لذلك لا يكفي أن نسأل لماذا تضغط واشنطن على البرهان. السؤال الأكثر كشفًا هو: ماذا تريد واشنطن أن يكون السودان بعد أن تنتهي الحرب؟ فإذا كانت لا تريد أن يحكم البرهان، ولا تريد أن يحكم حميدتي، ولا تقبل في الوقت نفسه بقيام كيان موازٍ للدولة، فإنها لا تتعامل مع الحرب بوصفها مجرد معركة بين رجلين، وإنما مع شكل الدولة التي ستنتجها التسوية.
ومن يملك حق تعريف هذه الدولة، ومؤسساتها، وموقع جيشها، وعلاقاتها الإقليمية، سيكون قد امتلك الجزء الأهم من نتائج الحرب حتى لو لم يطلق رصاصة واحدة.
الإمارات هنا ليست تفصيلًا إقليميًا يمكن وضعه في الهامش. وجودها داخل الرباعية الأمريكية يجعل السؤال أكثر حدة: هل تستطيع واشنطن أن تعيد توزيع الشرعية داخل السودان بينما تظل القوى الخارجية التي تؤثر في موازين الحرب جزءًا من آلية التفاوض نفسها؟ وإذا كان المطلوب وقف التدفق الخارجي للسلاح والمرتزقة، كما ورد في البيان المصري السعودي التركي الباكستاني الأخير، فهل سيكون المعيار واحدًا على الجميع، أم أن النفوذ السياسي لبعض الدول سيجعل التعامل مع مصادر القوة الخارجية متفاوتًا؟
الموقف الذي خرج من نيويورك في 21 سبتمبر يستحق التوقف طويلًا. وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان أكدوا دعم سيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، وشددوا على الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية ورفض الكيانات الموازية ووقف تدفق السلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب.
لا تكفي هذه الخطوة للقول بقيام محور إقليمي في مواجهة واشنطن، لكنها تكشف أن القاهرة والرياض على الأقل تريدان تثبيت فكرة الدولة السودانية الموحدة ومؤسساتها قبل الدخول في إعادة تركيب السلطة، وهي لغة تختلف في دلالتها عن الصيغة الأمريكية التي تضع الجيش والدعم السريع معًا خارج معادلة الشرعية السياسية المقبلة.
السعودية تحديدًا يصعب فصل موقفها عن موقع السودان على البحر الأحمر. فالمسألة بالنسبة إلى الرياض ليست فقط من ينتصر في الخرطوم أو دارفور، وإنما ماذا يحدث على الساحل المقابل، وكيف يمكن أن يؤثر تفكك الدولة أو قيام كيانات مسلحة موازية على الأمن البحري والتوازن الإقليمي. ولهذا يصبح الحفاظ على وحدة السودان بالنسبة إلى السعودية مصلحة تتجاوز موقفها من البرهان نفسه.
قد تختلف الرياض مع المؤسسة العسكرية السودانية في ملفات عديدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تقبل بأن يكون البديل تفكيك مركز الدولة أو تكريس واقع مسلح متعدد الرؤوس.
ومصر أكثر التصاقًا بهذه المعادلة. اللافت أن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يذهب إلى نيويورك، بينما ترأس مصطفى مدبولي الوفد المصري بتكليف منه، وواصلت القاهرة حضورها المكثف في أعمال الجمعية العامة واتصالاتها الدولية.
غياب السيسي ليس جديدًا إلى الحد الذي يسمح بتحويله تلقائيًا إلى رسالة احتجاج على واشنطن، ولا توجد واقعة موثقة تثبت ذلك.
لكن التوقيت يمنحه دلالة سياسية تستحق القراءة: الرئيس المصري كان قبلها بأيام فقط قد ناقش الملف السوداني مع مسؤولين أمريكيين وأمميين، مؤكدًا تمسك القاهرة بوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية.
الرئيس غاب عن نيويورك، لكن الدولة المصرية حضرت، ووزير خارجيتها كان ضمن التحركات الدبلوماسية، ورئيس الوزراء التقى الأمين العام للأمم المتحدة.
قد يكون هذا مجرد ترتيب عملي للمشاركة الرئاسية، وقد يعكس في الوقت نفسه رغبة القاهرة في الاحتفاظ بمسافة محسوبة عن صدام علني مع واشنطن، من دون ترك الملف السوداني للآخرين.
المؤكد أن مصر لم تنسحب من المشهد، بل حافظت على حضورها السياسي في اللحظة التي كانت فيها واشنطن تعيد رفع سقف الضغط على القيادة السودانية.
وهذا يضع العلاقة الأمريكية المصرية في موضع أكثر حساسية. فالقاهرة أعلنت أمام مسؤولين أمريكيين أنها تعتبر وحدة السودان ومؤسساته خطًا لا يمكن تجاوزه، بينما واشنطن تقول إن القيادة العسكرية الحالية لا تمثل سلطة دستورية يمكن أن تحكم البلاد.
قد يلتقي الطرفان في ضرورة إنهاء الحرب، لكنهما لا يتحدثان بالضرورة عن الشيء نفسه عندما يتحدثان عن السودان الذي سيأتي بعدها.
المشكلة إذن ليست في أن واشنطن تريد وقف الحرب. من الصعب الاعتراض على وقف حرب دمرت السودان وأغرقت شعبه في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
السؤال هو من يملك شروط هذا الوقف، ومن يملك تعريف السلطة التي ستنشأ بعده. حين تتحول تأشيرة رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة إلى ورقة ضغط، وحين يصبح الاعتراف السياسي نفسه جزءًا من التفاوض، فإن واشنطن لا تفاوض فقط على هدنة، وإنما تمارس نفوذًا على تعريف من يحق له أن يتحدث باسم الدولة ومن يحق له أن يحكمها لاحقًا.
وقد يكون هذا هو جوهر التحرك الأمريكي الحالي. ليس المطلوب بالضرورة أن ينتصر حميدتي على البرهان، ولا أن ينتصر البرهان على حميدتي، وإنما أن يخرج الطرفان من الحرب وقد فقدا القدرة على احتكار مستقبل السودان. عندها تصبح القوى الإقليمية، مصر والسعودية والإمارات وغيرها، جزءًا من معادلة يجري ضبطها من الخارج، وتصبح واشنطن الطرف القادر على تحديد حدود المقبول في التسوية.
السودان في هذه الحسابات ليس بلدًا بعيدًا عن خرائط القوة. إنه الدولة الممتدة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، والمتصلة بمصر جنوبًا، والمفتوحة على القرن الأفريقي، والمجاورة لمنطقة تتحول فيها الموانئ والممرات البحرية إلى أوراق نفوذ دولية.
فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه أزمة البرهان ليس هل سيصل إلى نيويورك أم لا، وإنما أي سودان تريد واشنطن أن يصل إلى ما بعد الحرب، ومن سيملك مؤسسات ذلك السودان، ومن سيملك جيشه، ومن سيقرر علاقاته مع محيطه.
الحرب قد تنتهي بتسوية، لكن التسوية نفسها يمكن أن تكون بداية صراع آخر على شكل الدولة. ومن يحدد شروط النهاية لا يشارك فقط في وقف الحرب، وإنما يشارك في كتابة السودان الذي سيولد بعدها.
شاركنا برأيك