د. مجدي قرقر يكتب: مناهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (3)
يرى علماء القرآن أن التفسير الموضوعي يتبع أحد منهجين وقد يزيدهما البعض منهجا ثالثا ورابعا، ونرتب مناهجه هنا وفقًا للوحدة البنائية التي يقوم عليها التفسير

صورة لكتاب عن تفسير القرآن الكريم
مناهج تفسير القرآن
تناولنا في مقالين سابقين “مناهج تفسير القرآن” و “أساليب تفسير القرآن الكريم، وخلفية المفسرين” وأشرنا إلى أن تفاسير القرآن الكريم تنقسم إلى نوعين إما بالمأثور وإما بالرأي (الدراية) وقد يضاف إليهما التفسير الإشاري.
ثم انتقل بنا الحديث إلى أن هناك أربعة أساليب للتفسير (التفسير التحليلي، التفسير الإجمالي، التفسير المقارن، والتفسير الموضوعي)
وتطرقنا إلى مفهوم كل منهم. واختتمنا المقالين بالإشارة إلى تعدد التفاسير وفقا للخلفية العلمية للقائم بالتفسير.
ونعرض في هذا المقال لمفهوم التفسير الموضوعي للقرآن الكريم وأنواعه.
د. مجدي قرقر يكتب: مناهج تفسير القرآن
مدلول كلمة موضوعي
في البداية، كلمة لا بد منها:
كتبت دراسة حول هذا الموضوع بجريدة الشعب عام 2016، وظن البعض أن كلمة “موضوعي” نسبة إلى “الموضوعية أو المنطقية والواقعية”
وكأن باقي التفاسير غير موضوعية أو غير واقعية، في حين أن كلمة “موضوعي” هنا في مدلولها اللفظي نسبة إلى “موضوع السورة أو موضوع المبحث القرآني” وليست نسبة إلى المدلول الخاطئ السابق، ونظرا لاحتمال وقوع اللبس كان لابد من هذه البداية.
تعريف التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
التفسير لغةً من الفسر وهو كشف البيان أو إظهار المعنى المعقول، والتفسير اصطلاحاً هو الكشف عن معاني القرآن الكريم.
والموضوع لغةً مــن الـوضـع؛ وهو جعل الشيء في مكان ما، ولقد عرف “التفسير الموضوعي” اصطلاحا بعدة تعريفات لعل من أدقها وأكثرها اختـصارا: “علم يتناول القضايا في ضوء المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر”
أربعة مناهج في التفسير الموضوع
يرى علماء القرآن أن التفسير الموضوعي يتبع أحد منهجين وقد يزيدهما البعض منهجا ثالثا ورابعا، ونرتب مناهجه هنا وفقًا للوحدة البنائية التي يقوم عليها التفسير بدءا من الوحدة البنائية الأكبر فالأصغر:
1- المنهج الأول: وهو أسلوب لا يفسر فيه صاحبه الآيات القرآنية حسب ترتيب المصحف بل يجمع كل الآيات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد فيفسرها مجتمعة ويستنبط الحكم المشترك منها ومقاصد القرآن فيها.
وفي هذا المنهج من التفسير الموضوعي – القائم على الموضوع القرآني كوحدة بنائية – لا يفسر فيه صاحبه الآيات القرآنية حسب ترتيب المصحف بل يفسرها مجتمعة – وبالترتيب الذي يراه مناسبا لعرضه – ويستنبط حكمها المشترك ومقاصد القرآن فيها، ومن هنا عرف البعض التفسير الموضوعي بأنه علم يتناول القضايا حسب مقاصد القرآن العليا من خلال سورة أو أكثر، ومن أمثلته:
- كتاب الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد “المدخل إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم”
- “التفسير البياني للقرآن الكريم – دكتورة عائشة عبد الرحمن – بنت الشاطئ”
- “تفسير الآيات الكونية – دكتور عبد الله شحاته”
- “دستور الأخلاق في القرآن الكريم – دكتور عبد الله دراز”
- كتابي “التصوير الفني في القرآن“، ”مشاهد يوم القيامة” للأستاذ سيد قطب.
- “التفسير الموضوعي” – جامعة المدينة العالمية – 2009م
ومنعا للخلط بين هذا المنهج (والذي يقوم على الموضوع كوحدة بنائية) والمنهج الثاني (الذي يقوم على السورة القرآنية كوحدة بنائية) يمكن أن نسمي هذا المنهج (الأول) بـ “التفسير الموضوعي لموضوعات القرآن الكريم” أو نسميه كما أسمته الدكتورة يمنى طريف الخولي في مقال لها في جريدة الأهرام القاهرية في رثاء الدكتور حسن حنفي بـ “التفسير الموضوعاتي للقرآن الكريم”
2- المنهج الثاني يقوم على السورة القرآنية كوحدة بنائية
ويربط فيه المفسر بين موضوع السورة والسورة السابقة والسورة اللاحقة لها إضافة إلى تأكيد الترابط في الموضوع بين آيات السورة وبعضها البعض، وهو ما يمكن أن نسميه “التفسير الموعي لسور القرآن الكريم” ومن أمثلته:
- كتاب الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز “مدخل إلى القرآن الكريم” الذي عرض فيه منهجا للتفسير أقرب ما يكون لمنهج التفسير الموضوعي وكتاب “النبأ العظيم”، والذي أفرد الربع الأخير منه لتفسير سورة البقرة فجعل منها باقة واحدة متناسقة.
- كتاب الشيخ محمد الغزالي “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم – 1995م”.
- كتاب “أول مرة أتدبر القرآن” للشيخ عادل محمد خليل.
- “موسوعة جامعة الشارقة – التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم – 2010”
3- المنهج الثالث يقوم على الآية القرآنية كوحدة بنائية
وهو ما يعرف بالتفسير الموضعي ويرجع فيه المفسر إلى موضع واحد من القرآن الكريم – كما يقول الدكتور عبد الستار فتح الله– متتبعا ترتيب الآيات في سورها وقد يكون تفسيرا بالمأثور، أو بالرأي المحمود، وقد يكون تحليليا عند التفصيل، أو إجماليا عند الاختصار، وقد يكون مقارنا إذا اتبع المفسر منهج الموازنة.
وقد يخلط البعض بين التفسير الموضوعي والتفسير الموضعي، لذا يوضح فضيلة الشيخ محمد الغزالي في كتابه المشتهر “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم” الفرق بين التفسيرين الموضوعي والموضعي فيقول “إن التفسير الموضعي يتناول الآية أو الطائفة من الآيات فيشرح الألفاظ والتراكيب والأحكام!
بينما التفسير الموضوعي يتناول السورة كلها يحاول رسم “صورة شمسية” لها تتناول أولها وآخرها، وتتعرف على الروابط الخفية التي تشدها كلها، وتجعل أولها تمهيدا لأخرها، وآخرها تصديقا لأولها”
4- المنهج الرابع يقوم على المفردة القرآنية كوحدة بنائية
وهو دراسة لدلالة المصطلحات والمفردات القرآنية داخل القرآن الكريم وفي حدوده فحسب، وبالرغم من أن هذا النوع من التفسير لكلمات القرآن يعتمد مبدأ ” الوحدة العضوية ” أو ” البنائية ” للقرآن الكريم فإن بعض الباحثين لا يعتبره من التفسير الموضوعي، ذلك أنه لا يعطي صورة كاملة عن موضوع ما أو سورة ما.
ويجدر التنبيه هنا إلى أن هذا النوع من التفسير يجد جذوره في علم “الأشباه والنظائر” أو “الوجوه والنظائر” المعروف في علوم القرآن الكريم، وقد بدأ الاهتمام به في وقت متأخر، ذلك أنهم اكتشفوا أن المشكلة الأساسية في أي تفسير تكمن في التعامل مع القرآن مجرّد تعامل لغوي دون الانتباه إلى إمكانية أن يكون في تلك المفردات ما هو اصطلاح قد يغير جذرياً التفاسير المعهودة.
دمج مناهج التفسير الموضوعي الأربعة في منهجين
وأود أن أوضح أن المناهج الأربعة للتفسير الموضوعي يمكن أن تندرج تحت منهجين: منهج النظرة الكلية (المنهجين الأول والثاني) ومنهج النظرة الجزئية (المنهجين الثالث والرابع)
ومثل المنهج الكلي كمن يصف عمارة سكنية بأنها على ناصية شارعين وتتكون من دور بدروم ودور أرضي وعشرة أدوار متكررة (نظرة عين الطائر)
ومثل المنهج الجزئي كمثل الناظر المتفحص كمن يصف نفس العمارة بأن أسوار شرفاتها من الكريتال وأن نوافذها من الخشب المدهون باللون البني وأن أرضياتها من الرخام.
وفي المقال القادم إن قدر الله سبحانه وتعالى لنا العمر نتناول نشأة التفسير الموضوعي وأهميته.






