مقالات
علاء عوض
علاء عوض

كاتب وباجث

علاء عوض يكتب: ​خلف كواليس أزمة سبتة

لم توجه أي دولة أوروبية أصابع الاتهام إلى المغرب رغم نقل أكثر من 50 ألف مغربي في وقت واحد إلى حدود سبتة

مشاركة:
حجم الخط:

لم يكن تصريح رئيس الوزراء الإسباني إثر عبور آلاف المهاجرين من المغرب إلى مدينة سبتة بأنها “اعتداء وانتهاك للسلامة الإقليمية وسيادة إسبانيا” إلا وصفاً دقيقاً لمحاولة الانقلاب الفاشلة ضده، فقد كان هدفها الإطاحة به.

​هذه العملية وصفها ترامب بالغزو ورأى أن السبب فيها هو ضعف رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز.

ولم توجه أي دولة أوروبية أصابع الاتهام إلى المغرب رغم نقل أكثر من 50 ألف مغربي في وقت واحد إلى حدود سبتة!

​إسرائيل والولايات المتحدة تتمتعان بنفوذ كبير، والمغرب حليف لهما

فملك المغرب يتبع استراتيجية مدروسة فهو يقدم مبادرات علنية تروق لترامب وتسعده، مثل إطلاق اسمه هذا الأسبوع على أطول طريق بري سريع بجنوب البلاد، وفي الوقت نفسه يخلق ظروفاً تضغط على رئيس وزراء إسبانيا الذي أعلن ترامب عن كراهيته له.

​لقد هاجموا جميعاً إسبانيا حتى اليمين الأوروبي بالتنسيق مع اليمين الإسباني، بل حتى فنلندا -التي يتواجد بها الجيش الإسباني لحمايتها- طعنت بيدرو سانشيز، رغم أن مسؤولية الكارثة تقع بوضوح على عاتق المغرب.

​فالحصول على الغاز الجزائري الرخيص كونُه ينقل عبر أنابيب، يؤدي إلى الاستغناء عن الغاز الطبيعي المسال الأمريكي الأغلى بسبب تكاليف المعالجة والتبريد والنقل.

وهذا يعني انخفاض فواتير الطاقة في الشتاء وزيادة القدرة التنافسية الصناعية الإسبانية، وهو ما لا شك يغضب ترامب، بالإضافة إلى انحياز بيدرو سانشيز لفلسطين، ورُفضه للعدوان على إيران، والاعتراض على أطماع ترامب الاستعمارية في جرينلاند.

​كلها عوامل جعلت نظام إبستين يفكر في الإطاحة بشعبية رئيس وزراء إسبانيا تمهيداً للتخلص منه.

فالذين عبروا إلى سبتة من المغرب لم يتصرفوا كمهاجرين، وبدوا كأنهم مجموعة مستأجرة عادوا إلى ديارهم بعد فشل المهمة وسيطرة الحكومة الإسبانية على الوضع.

​فأزمة سبتة لم تكن أزمة هجرة

بل محاولة للإطاحة برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وفي الوقت نفسه السيطرة على مضيق جبل طارق

(البوابة الغربية للبحر المتوسط، الذي تعبره سنوياً قرابة مائة ألف سفينة، ويمر عبره ما يُقدَّر بنحو 20% إلى 30% من حركة التجارة البحرية العالمية، فضلاً عن ملايين الأطنان من الحاويات وإمدادات الطاقة).

هذا الاحتمال يكسب أهمية أكبر إذا ما وُضع في سياق التزامن بين حادثة اقتحام الحدود الإسبانية والهجوم بالطائرات المسيّرة على سفينتين في ميناء دمياط بشرق المتوسط؛ فهذا التزامن قد يُقرأ باعتباره جزءاً من نمط يستهدف خلق أزمة لوجستية عالمية، وإرسال رسالة مفادها أن ممرات التجارة الدولية لم تعد آمنة.

​لذا، إذا كانت أزمة سبتة قد استهدفت إضعاف بيدرو سانشيز سياسياً، فإن فشلها يمنحه نتيجة معاكسة تماماً.

إذ قد يخرج منها أكثر قوة باعتباره زعيماً تمسك بمواقفه رغم الضغوط الداخلية والخارجية، ولم يتراجع عن دفاعه عما يراه حقاً.

فهو رجل لا يخشى أن يدفع ثمن معارضة وعرقلة سياسات ترامب التعسفية التي تدفع العالم إلى هاوية الأزمات.
فازمة سبتة تتجاوز حدود المدينة الصغيرة لتكشف عن ملامح عصرٍ جديد، تُستخدم فيه الهجرة والطاقة كـأسلحة هجينة لإعادة رسم خرائط النفوذ عند بوابة البحر المتوسط.

شارك المقال: