هل جرّ نتنياهو ترامب إلى الحرب
القرار بالحرب في النهاية قرار أمريكي، يتخذ وفق حسابات تتعلق بالمصالح الأمريكية أولًا. وتزداد هذه الحسابات تعقيدًا في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي

قراءة تحليلية في طبيعة القرار الأمريكي
يتكرر في النقاشات السياسية تفسير مبسط مفاده أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استطاع أن يجرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى حرب لم تكن واشنطن ترغب فيها.
هذه الفكرة تبدو للوهلة الأولى جذابة، لأنها تقدم تفسيرًا سريعًا للأحداث، لكنها في الواقع تتجاهل طبيعة الدولة الأمريكية نفسها وآليات صنع القرار فيها.
فالولايات المتحدة ليست دولة تُدفع إلى الحرب بقرار مفاجئ أو بضغوط حليف، بل هي منظومة مؤسسية ضخمة تتداخل فيها مراكز القوة: البيت الأبيض، ووزارة الدفاع، وأجهزة الاستخبارات، والكونغرس، إضافة إلى شبكة واسعة من مراكز التفكير وشركات السلاح واللوبيات الاقتصادية.
في مثل هذه المنظومة، لا يصبح قرار الحرب مجرد استجابة لحليف، بل نتيجة لتقديرات استراتيجية أوسع تتعلق بموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي.
أعادة تشكيل المنطقة
لفهم ذلك، يكفي أن ننظر إلى تاريخ التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط. ففي أعقاب حرب الخليج 1991، لم يكن الهدف مجرد إخراج العراق من الكويت، بل تأسيس مرحلة جديدة من الوجود العسكري الأمريكي المباشر في الخليج.
تلك الحرب كرّست شبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية التي أصبحت لاحقًا جزءًا من بنية النظام الإقليمي.
بعد أكثر من عقد، جاءت لحظة أكثر وضوحًا في مشروع إعادة تشكيل المنطقة، حين أطلقت الولايات المتحدة حربها على العراق في غزو العراق 2003.
قد قُدمت الحرب آنذاك للرأي العام باعتبارها خطوة ضرورية لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، لكن السنوات اللاحقة كشفت أن المسألة كانت مرتبطة أيضًا برؤية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط الجديد
في تلك الفترة ظهر مصطلح “الشرق الأوسط الجديد”، وهو تصور استراتيجي ناقشته مؤسسات بحثية مؤثرة في واشنطن مثل مؤسسة راند ومجلس العلاقات الخارجية.
وقد تناولت هذه الدراسات سيناريوهات متعددة لإعادة تنظيم التوازنات الإقليمية، بما يضمن استمرار النفوذ الأمريكي في منطقة تعد من أهم مناطق العالم من حيث الطاقة والموقع الجغرافي.
من هذا المنظور، يصبح من الصعب قبول الفكرة القائلة إن إسرائيل قادرة ببساطة على “توريط” الولايات المتحدة في حرب. صحيح أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة – وخاصة في عهد نتنياهو – دافعت بقوة عن سياسات التصعيد في المنطقة، لكن هذا لا يعني أن القرار النهائي يصدر في تل أبيب.
فالقرار بالحرب في النهاية قرار أمريكي، يتخذ وفق حسابات تتعلق بالمصالح الأمريكية أولًا.
وتزداد هذه الحسابات تعقيدًا في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.
فصعود الصين بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية متنامية، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي لاعبًا مؤثرًا، أعادا طرح سؤال النفوذ العالمي الأمريكي، وفي هذا السياق، تصبح مناطق مثل الشرق الأوسط مساحات حيوية للحفاظ على التوازنات الدولية.

الصراع على النفوذ الجيوسياسي
هنا يمكن فهم كثير من الأزمات والحروب ليس باعتبارها أحداثًا منفصلة، بل باعتبارها حلقات ضمن صراع أوسع على النفوذ الجيوسياسي.
فالحروب قد تكون وسيلة لإعادة تشكيل التحالفات، أو لفرض معادلات ردع جديدة، أو لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الإقليم.
غير أن التاريخ يقدم أيضًا درسًا مهمًا: التخطيط الاستراتيجي لا يضمن النتائج. فالولايات المتحدة دخلت العراق عام 2003 وهي تتوقع إعادة تشكيل المنطقة بسرعة، لكنها وجدت نفسها بعد سنوات أمام واقع أكثر تعقيدًا مما تصورته.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان نتنياهو قد جرّ ترامب إلى الحرب، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة فعلًا على تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها من خلالها. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب قد تبدأ وفق خطط واضحة، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها أحد.
الوبين الإرادة السياسية والتداعيات الفعلية، تبقى الحقيقة الأهم: أن ما يجري في الشرق الأوسط ليس مجرد سلسلة من ردود الأفعال، بل جزء من صراع طويل على شكل النظام الإقليمي ومستقبله.






