مقال بوك
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

الكاتب الصحفي بالأهرام

مأزق استراتيجي في مضيق هرمز؟

تسود حالة شد عصبي مفتوح بين أمريكا وإيران، والعالم كله يدفع الثمن عبر النفط والتجارة وأسعار الطاقة.

مشاركة:
حجم الخط:

ما جرى في مضيق هرمز خلال اليومين الأخيرين يكشف أن الأزمة خرجت من حالة ال “حرب انتهت” إلى واقع مختلف تماما فلا هي حرب كاملة ولا هو سلام حقيقي.

تسود حالة شد عصبي مفتوح بين أمريكا وإيران، والعالم كله يدفع الثمن عبر النفط والتجارة وأسعار الطاقة.

خلال أقل من 48 ساعة، انتقلت واشنطن من الحديث بثقة عن “فتح المضيق” إلى تعليق العملية نفسها بعد يوم واحد فقط، وكأن الإدارة الأمريكية اكتشفت فجأة أن إعادة الملاحة ليست مجرد قرار عسكري أو استعراض قوة.

البداية كانت صباح الاثنين، عندما بدأت الولايات المتحدة تنفيذ عملية أطلقت عليها اسم “Project Freedom”.

الفكرة كانت بسيطة في ظاهرها: السفن التجارية تمر تحت حماية البحرية الأمريكية، وبذلك يعود جزء من حركة التجارة والطاقة عبر المضيق.

قدم البيت الأبيض العملية باعتبارها دليلا على أن أمريكا استعادت السيطرة بعد أسابيع من الفوضى والتوتر.

كما أن ترامب نفسه تحدث لاحقا عن “سيطرة كاملة” على المضيق، بينما كان البنتاجون يحاول إعطاء انطباع بأن المهمة دفاعية ومحدودة وليست عودة للحرب.

لكن الساعات الأولى كشفت شيئا مختلفا تماما. نعم، عبرت سفينتان أمريكيتان مع حماية عسكرية، لكن الإيرانيين ردوا بسرعة.

حدث إطلاق نار وتوتر مباشر بين القوات الأمريكية والإيرانية، كما تحركت زوارق ومسيرات، وأصبح واضحا أن المرور لن يكون سهلا أو طبيعيا.

حاول الأمريكيون التقليل من أهمية ما جرى، وقالوا إن ما حدث مجرد “نيران مضايقة”، لكن المشكلة فعليا لم تكن في حجم الاشتباك نفسه، بل في الرسالة التي خرجت من هذا الاشتباك.

فإيران ما زالت قادرة على جعل المضيق منطقة خطر حتى بعد الحرب والهدنة وكل الكلام عن “استعادة الردع”.

في هذه الأجواء، ظهرت الأزمة الحقيقية

أمريكا تستطيع إرسال حاملات طائرات ومدمرات، لكن لا أحد يستطيع إجبار شركات الشحن أو التأمين على التصرف وأخذ خطوات تبعا لذلك، وكأن الأمور عادت طبيعية.

فالسوق لا يصدق البيانات السياسية بسهولة، وأصحاب السفن ينظرون إلى شيء واحد فقط ويحاول الاجابة علي سؤال محدد: هل هناك خطر أم لا؟

وإذا كان هناك احتمال لصاروخ أو لغم أو زورق سريع أو طائرة مسيرة، فمعنى ذلك أن المرور نفسه أصبح مغامرة مكلفة.

الرقم الأهم خلال اليومين الماضيين لم يكن عدد السفن الحربية الأمريكية، بل عدد السفن التجارية التي عبرت فعلا.

نتنياهو يدعم استئناف حرب إيران

كيف تحولت القواعد الأمريكية في المنطقة إلى أهداف “سهلة”؟

قبل الحرب كان يمر حوالي 130 سفينة يوميا.

بعد إطلاق “Project Freedom” لم تمر سوى ثلاث سفن فقط. الفارق بين الرقمين يلخص كل شيء.

فأمريكا لم تنجح في إعادة الحياة الطبيعية للمضيق، بل فقط أثبتت أنها تستطيع مرافقة عدد محدود من السفن وسط توتر هائل.

ثم جاء التحول المفاجئ مساء الثلاثاء.

ترامب أعلن فجأة تعليق العملية “لفترة قصيرة”. السبب الرسمي كان وجود “تقدم كبير” في المفاوضات مع إيران، إضافة إلى طلبات من باكستان ودول أخرى لإعطاء فرصة للدبلوماسية.

لكن القراءة الحقيقية مختلفة. واشنطن اكتشفت أن العملية قد تتحول إلى فخ طويل ومكلف. فكل سفينة تحتاج حماية، وكل مرور يحمل احتمال اشتباك جديد، وكل حادث صغير يمكن أن يعيد الحرب إلى نقطة الانفجار.

في الوقت نفسه، لم تتراجع أمريكا بالكامل.

ترامب أكد أن الحصار البحري على إيران سيبقى مستمرا. هذا التناقض الواضح في الموقف الأمريكي يتمثل في تعليق مهمة حماية السفن، مع استمرار خنق إيران اقتصاديا.

بمعنى آخر، واشنطن تريد تخفيف التصعيد العسكري دون التخلي عن أوراق الضغط. المشكلة أن إيران ترى الحصار نفسه شكلا من أشكال الحرب، ولذلك لا يبدو أنها مستعدة لتقديم هدوء او تنازل مجاني وهو مأزق صنعته السياسة الأمريكية لنفسها.

الأهم أن إيران خرجت من اليومين الماضيين برسالة واضحة.

فهي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل حتى تربك العالم.

يكفي أن تجعل المرور خطرا ومكلفا وغير مضمون.

هذه هي نقطة القوة الإيرانية الحقيقية.

طهران تعرف أنها لا تستطيع مواجهة البحرية الأمريكية مواجهة تقليدية، لكنها تستطيع تحويل المضيق إلى مكان مرهق اقتصاديا وسياسيا ونفسيا للولايات المتحدة ودول اخري عديدة.

وخلال هذه الساعات، ظهر أيضا أن إدارة ترامب نفسها لم تعد تتحدث بلغة واحدة.

أحيانا يقول البيت الأبيض إن الحرب انتهت.

ثم يعود ترامب نفسه ويتحدث عن “حرب صغيرة”

وزير الخارجية ماركو روبيو يقول إن العمليات القتالية انتهت، بينما الصواريخ والمسيرات لا تزال تتحرك في المنطقة.

مثل هذا التخبط يقول أن ادارة ترامب تريد الخروج من الحرب سياسيا، لكنها لا تعرف كيف تفعل ذلك من دون أن تبدو وكأنها تراجعت أمام إيران.

هناك أيضا عامل داخلي أمريكي لا يقل أهمية.

الكونجرس بدأ يضغط بسبب استمرار العمليات العسكرية بعد مهلة الستين يوما المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب.

ولذلك يبدو أن إعلان “انتهاء الحرب” محاولة للهروب من أزمة دستورية وسياسية داخل واشنطن نفسها.

وفي الخلفية، العالم كله يراقب

الصين استقبلت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بكين، لأن بكين تعرف أن استمرار شلل هرمز يعني تهديدا مباشرا للاقتصاد الصيني والطاقة العالمية.

دول الخليج أيضا تشعر بأنها عالقة بين طرفين.

لا تريد انتصارا إيرانيا يفرض واقعا جديدا في الخليج، ولا تريد في الوقت نفسه حربا أمريكية طويلة تحول المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

النتيجة بعد اليومين الماضيين أن صورة “أمريكا التي تعيد فتح المضيق بالقوة” تعرضت لاهتزاز واضح.

ليس لأن واشنطن ضعيفة عسكريا، بل لأن الأزمة نفسها أكبر من فكرة الحسم العسكري السريع.

لقد تحول مضيق هرمز من ممر بحري إلى عقدة سياسية واقتصادية ونفسية تختبر حدود القوة الأمريكية وحدود قدرة إيران على الاحتمال والمناورة.

والأهم من كل ذلك أن ما جرى كشف حقيقة ربما لم تكن واضحة في بداية الحرب وهي أن إيران ليست بحاجة إلى الانتصار الكامل، يكفيها أن تمنع عودة الوضع القديم.

وكل يوم يبقى فيه المضيق متوترا أو شبه معطل يعني أن طهران نجحت في فرض جزء من معادلتها على العالم كله.

وفي انتظار أفكار مبدعة جديدة من واشنطن!

شارك المقال: