علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
قصة إنسانية
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

هجرة أب مصري غيّرت مستقبل ابنه عبد الرحمن السيد

هل يُقاس النجاح بما يحققه الإنسان لنفسه، أم بقدرته على المساهمة في بناء مجتمع لا يحتاج فيه الآخرون إلى الهجرة آلاف الأميال حتى يحصلوا على فرصة مماثلة؟

مشاركة:
حجم الخط:

لم تبدأ حكاية عبد الرحمن السيد، الذي وصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، في الولايات المتحدة، وإنما تعود جذورها إلى مدينة الإسكندرية المصرية،

حيث نشأ والده محمد السيد داخل أسرة متواضعة لم تكن تملك من ثروات الدنيا سوى الأمل في أن يحصل أبناؤها على حياة أفضل.

إنها حكاية عائلة بدأت رحلتها من منزل بسيط في الإسكندرية، مرورًا بقرار هجرة اتخذه شاب مصري في أواخر سبعينيات القرن الماضي بحثًا عن العلم والحرية، وصولًا إلى ابن أصبح بعد عقود شخصية سياسية أمريكية بارزة.

وبين هذه المحطات، تتداخل قصص الفقر والتعليم والهجرة والهوية والفرص غير المتكافئة، لتكشف كيف يمكن لقرار اتخذه جيل أن يرسم مستقبل جيل آخر.

من أسرة متواضعة في الإسكندرية إلى حلم الهندسة

كان محمد السيد الابن الأكبر في أسرة محدودة الدخل بالإسكندرية.

عمل جده بائعًا للخضراوات في سوق السمك، ولم يحصل على قدر كبير من التعليم، فيما لم تتح للجدة فرصة دخول المدرسة أو تعلم القراءة والكتابة، لكنها عُرفت بالحكمة والبصيرة، وأنجبت ثمانية أبناء.

لم تكن طفولة محمد بعيدة عن قسوة الظروف؛ فقد فقدت الأسرة طفلين قبل أن يكملا عامهما الأول، وكان محمد لا يزال صغيرًا عندما شهد رحيل اثنين من إخوته، وهي تجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا في حياته.

وسط هذه البيئة، تشكل لديه حلم مختلف عن واقع أسرته؛ أراد أن يصبح مهندسًا، وأن يجعل التعليم طريقه للخروج من دائرة الفقر.

وكان يذاكر ليلًا فوق سطح المنزل الذي تقيم فيه الأسرة، مستعينًا بضوء أعمدة الشارع المقابل،

في مشهد يلخص حجم الإصرار الذي رافق سنواته الأولى.

وبفضل تفوقه وإصراره، التحق بدراسة الهندسة في جامعة الإسكندرية، وبدأ يقترب من تحقيق حلمه الأكاديمي.

لكنه لم يكن طالبًا منشغلًا بالدراسة وحدها، إذ انخرط في النشاط الطلابي والسياسي، واهتم بقضايا حرية التعبير والديمقراطية وحق الطلاب في المشاركة في الحياة العامة.

السياسة في عهد السادات.. حين أصبح المستقبل غير مضمون

تزامنت سنوات محمد الجامعية مع مرحلة سياسية حساسة في مصر خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات، شهدت نقاشات واعتراضات بشأن الحريات السياسية وطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وبحسب رواية ابنه عبد الرحمن، كان والده من الطلاب النشطين في الجامعة، وتولى أدوارًا أكاديمية مساعدة،

إلا أن نشاطه السياسي ومواقفه المعارضة أوقعاه في خلافات وضغوط داخل البيئة الجامعية،

إلى جانب ملاحقات أمنية وإدارية شعر معها بأن مساحة التعبير عن آرائه تتقلص.

وزادت حساسية المرحلة مع توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، وما صاحبها من انقسامات واعتراضات داخل المجتمع المصري، في وقت كانت فيه البلاد تمر بتحولات سياسية داخلية وإقليمية واسعة.

بالنسبة إلى محمد، لم تعد المسألة مرتبطة بمستقبله المهني وحده، بل بقدرته على مواصلة دراسته والتعبير عن أفكاره في بيئة يراها أكثر انفتاحًا.

وهكذا بدأ التفكير في السفر إلى الخارج يتحول تدريجيًا من احتمال إلى قرار قد يغير مسار حياته بالكامل.

وفي الوقت نفسه، كان محمد قد تعرف على فاتن الكومي، وهي مصرية تلقت تدريبها الطبي في الإسكندرية.

نشأت بينهما علاقة انتهت بالزواج، وبدأ الاثنان التفكير في تأسيس أسرة ومستقبل يتجاوز الظروف التي أحاطت بحياتهما في مصر.

عام 1978.. الرحيل إلى أمريكا وبداية حياة جديدة

في عام 1978، اتخذ محمد السيد قراره بمغادرة مصر متجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يكن شابًا يبحث عن الرفاهية أو حياة مادية أكثر سهولة، بل كان مهندسًا طموحًا يريد مواصلة تعليمه وبناء مستقبله في مجتمع يعتقد أنه يمنحه مساحة أكبر للبحث والتعبير عن الرأي.

اختار مدينة ديترويت بولاية ميشيغان، والتحق بجامعة واين ستيت لمواصلة دراسته العليا في الهندسة الميكانيكية، متجهًا إلى التخصص في هندسة السيارات.

كانت الولايات المتحدة بالنسبة إليه فرصة علمية ومهنية، فضلًا عن كونها بيئة شعر فيها بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن أفكاره.

ومع ذلك، لم يكن ينظر إلى الهجرة باعتبارها قطيعة نهائية مع وطنه، إذ كان يقول إن إقامته في أمريكا مؤقتة، وإن العودة إلى مصر تظل احتمالًا قائمًا في المستقبل.

وبعد انتقاله بسنوات، لحقت به زوجته فاتن الكومي، لتبدأ الأسرة المصرية حياتها الجديدة بعيدًا عن الإسكندرية، حيث ترك الزوجان الأهل والذكريات والجذور، وبدآ بناء مستقبل مختلف في مدينة ديترويت.

مولد عبد الرحمن.. ابن ثقافتين وتجربتين

في عام 1984، وُلد عبد الرحمن السيد في ولاية ميشيغان الأمريكية، لأسرة مصرية حملت معها إلى مجتمعها الجديد ثقافة الوطن الأصلي وذكرياته.

لم تدم الحياة الزوجية بين محمد وفاتن طويلًا، إذ انفصل الزوجان عندما كان عبد الرحمن في نحو الثالثة من عمره.

انتقل الأب لاحقًا إلى حياة أسرية جديدة مع زوجته الأمريكية جاكي، وتولى تربية ابنه في منزل جمع بين الثقافة المصرية التي ورثها عن والده والبيئة الأمريكية التي نشأ فيها.

أما والدته فاتن، فانتقلت إلى ولاية ميزوري.

وهكذا وجد عبد الرحمن نفسه منذ طفولته بين تجربتين عائليتين وجغرافيتين مختلفتين، لكنه ظل مرتبطًا بجذوره المصرية من خلال والده وعائلته الممتدة في الإسكندرية.

لم يكن محمد يدرك عند مغادرته مصر أن ابنه الذي سيولد بعد سنوات قليلة سيصبح يومًا طبيبًا وباحثًا وأستاذًا جامعيًا، ثم يدخل عالم السياسة الأمريكية ويصل إلى مجلس الشيوخ.

لكن قرار الهجرة الذي اتخذه الأب أصبح أحد أهم العوامل التي شكلت الفرص المتاحة أمام ابنه.

الإسكندرية في طفولة عبد الرحمن.. وطن يتجاوز الحكايات

على الرغم من نشأته في الولايات المتحدة، لم تكن مصر بالنسبة إلى عبد الرحمن مجرد بلد ينتمي إليه والده أو وطن يعرفه من الصور والحكايات.

فقد حرصت الأسرة على أن تظل صلته بجذوره المصرية قائمة، من خلال قضاء جزء كبير من إجازاته الصيفية في الإسكندرية.

هناك، كان يلتقي أجداده وأعمامه وعماته وأبناء عمومته، ويعيش تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة المصرية، ويتعرف على مجتمع يختلف في طبيعته الاجتماعية عن البيئة الأمريكية التي اعتادها.

ومن أكثر ذكريات طفولته رسوخًا في ذاكرته رحلة قام بها إلى مصر عندما كان في الثالثة عشرة من عمره تقريبًا، بعد أن أرسله والده مع عائلة مصرية عائدة إلى البلاد.

وعندما وصل إلى المطار، وجد عددًا كبيرًا من أفراد عائلته في انتظاره.

وكان يحمل حقيبتين، إحداهما لملابسه والأخرى مليئة بالهدايا التي أحضرها لأقاربه، حتى وصف نفسه مازحًا بأنه كان أشبه ببابا نويل أمريكي صغير.

لكن أبرز ما بقي في ذاكرته لم يكن الهدايا أو الاستقبال العائلي، وإنما حديث دار بينه وبين جدته، التي أخذته جانبًا وبدأت تقارنه بأبناء عمومته؛ فهذا أكثر ذكاءً، وذاك أطول وأجمل، وآخر أكثر اجتهادًا أو نشاطًا.

وبعد أن استمع إلى المقارنات، سألها عن الميزة التي يمتلكها وتجعله مختلفًا عن بقية أحفادها، فجاء ردها الذي ظل يتذكره طوال حياته:

«أنت لديك أعظم ميزة، أنت الذي ستعود إلى أمريكا بعد انتهاء الصيف، أما بقية أولاد عمومتك فسيبقون هنا في مصر».

لم تكن الجدة تنتقص من قدرات بقية أحفادها، وإنما كانت تشير ببساطة إلى اختلاف الفرص المتاحة لكل منهم.

وفي تلك اللحظة، بدأ عبد الرحمن يدرك أن الذكاء والاجتهاد لا يضمنان وحدهما الوصول إلى النتائج نفسها، وأن المكان الذي يولد فيه الإنسان والظروف التي ينشأ فيها قد يفتحان أمامه أبوابًا لا تتاح لغيره.

أبناء العمومة والفرص غير المتكافئة.. حكاية سائق التاكسي

لم تتوقف المقارنة بين حياته وحياة أقاربه عند كلمات الجدة، بل أصبحت لاحقًا جزءًا من نظرته إلى الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات.

فقد كان يرى في أبناء عمومته أشخاصًا يمتلكون الذكاء والطموح والقدرة على النجاح، لكنه لاحظ أن بعضهم لم يحصل على الفرص التعليمية والمهنية التي أتيحت له في الولايات المتحدة.

ومن القصص التي استحضرها في حديثه عن مصر قصة أحد أبناء عمومته، الذي توفي في حادث سيارة عندما كان في السابعة والعشرين من عمره، وكان يعمل سائق سيارة أجرة.

كما أشار إلى ابن آخر من أقاربه عمل في مصنع.

وفي إحدى خطاباته السياسية، طرح عبد الرحمن فكرة أثارت نقاشًا واسعًا، قائلًا إنه لولا هجرة والده إلى الولايات المتحدة، لربما كان هو اليوم سائق سيارة أجرة في مصر مثل بعض أبناء عمومته.

وأثارت العبارة جدلًا؛ إذ اعتبرها بعض المنتقدين تقليلًا من شأن مهنة سائق التاكسي،

بينما رأى آخرون أنها تعكس محاولة لتسليط الضوء على الفوارق في الفرص المتاحة بين الأفراد، حتى عندما تتقارب قدراتهم وطموحاتهم.

لكن الفكرة الأساسية في حديثه لم تكن المفاضلة بين المهن أو التقليل من قيمة العمل،

وإنما التساؤل عن الدور الذي تلعبه الظروف الاجتماعية والجغرافية في رسم مستقبل الإنسان.

فبالنسبة إليه، لم يكن اختلاف المسارات بينه وبين أقاربه دليلًا على تفوق شخصي مطلق، بقدر ما كان نتيجة اختلاف البيئات والفرص التي نشأ فيها كل منهم.

حب مصر وانتقاد سياساتها.. هوية لا تختصرها الجنسية

على الرغم من انتقاداته السياسية، لم تكن علاقة عبد الرحمن بمصر قائمة على الرفض أو الابتعاد عن جذوره.

فقد تحدث بإيجابية عن جوانب في المجتمع المصري شعر بأنها تفتقد في الحياة الأمريكية، وفي مقدمتها الترابط الأسري وروح المجتمع.

كان يرى أن الحياة في الولايات المتحدة، رغم ما توفره من إمكانيات، تدفع كثيرًا من الناس إلى الانشغال بحياتهم الفردية، بينما وجد في مصر علاقات اجتماعية أكثر دفئًا،

حيث يتواصل أفراد الأسرة بصورة يومية ويتشاركون تفاصيل حياتهم.

وعندما سُئل عما يمكن للأمريكيين تعلمه من المصريين، أشار إلى قيمة الترابط الاجتماعي والشعور بالانتماء إلى مجتمع أوسع من الفرد نفسه.

لكن هذا الارتباط الإنساني لم يمنعه من انتقاد الأوضاع السياسية في مصر، إذ تحدث عن غياب الديمقراطية والقيود المفروضة على حرية التعبير والمشاركة السياسية،

كما انتقد استخدام المساعدات الأمريكية في دعم سياسات لا تحترم حقوق المواطنين وحرياتهم.

وروى أيضًا أنه تعرض للاستجواب من الشرطة المصرية خلال إحدى زياراته، بعد أن تلفظ علنًا بعبارات مسيئة للرئيس الأسبق حسني مبارك، وهي واقعة استشهد بها في حديثه عن حدود حرية التعبير في البلاد.

وتكشف هذه المواقف عن جانب أساسي في تجربته؛ فهو لا يفصل بين اعتزازه بأسرته المصرية وحبه للمجتمع الذي عرفه في طفولته، وبين حقه في انتقاد السياسات التي يراها مقيدة للحريات.

بالنسبة إليه، لا يتعارض الانتماء إلى الجذور مع مساءلة السلطة أو المطالبة بالإصلاح.

من إرث الأب إلى مجلس الشيوخ.. سؤال الفرصة والعدالة

ربما كان أكثر ما أثر في عبد الرحمن هو تجربة والده محمد السيد، الذي خرج من أسرة متواضعة في الإسكندرية، وتمكن بفضل التعليم من أن يصبح مهندسًا وأكاديميًا في الولايات المتحدة.

كان محمد يرى في التعليم وسيلة لتغيير حياة الإنسان، وكانت هجرته عام 1978 نقطة التحول التي أعادت رسم مستقبل العائلة.

وقد عاد عبد الرحمن في أكثر من مناسبة إلى قرار والده، باعتباره أحد الأسباب الرئيسية التي أتاحت له فرصًا لم تكن بالضرورة متاحة لو بقيت الأسرة في مصر.

وأشار عبد الرحمن في حديثه عن والده إلى أنه لم يزر مصر منذ نحو عشرين عامًا في الفترة التي تحدث فيها عن تجربته، رغم احتفاظه بلهجته المصرية وارتباطه بذكرياته القديمة.

وظلت الإسكندرية حاضرة في ذاكرة الأب، كما بقيت جزءًا من هوية الابن وتكوينه.

ومع مرور السنوات، درس عبد الرحمن الطب والصحة العامة، وعمل باحثًا وأستاذًا جامعيًا، قبل أن يتجه إلى العمل السياسي.

وخاض انتخابات حاكم ولاية ميشيغان عام 2018، ثم واصل مسيرته السياسية وصولًا إلى انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2026، التي انتهت بفوزه بالمقعد.

وبهذا الفوز، تحولت قصة العائلة المصرية التي غادرت الإسكندرية قبل عقود إلى واحدة من قصص الحضور اللافت لأبناء المهاجرين في الحياة السياسية الأمريكية.

لكن دلالة الحكاية تتجاوز الوصول إلى منصب سياسي رفيع؛ فبين محمد الذي كان يذاكر فوق سطح منزل متواضع مستعينًا بضوء الشارع،

وعبد الرحمن الذي أصبح جزءًا من المؤسسة التشريعية الأمريكية، تمتد رحلة تكشف أثر التعليم والهجرة والفرص في تغيير المسارات الفردية والعائلية.

وتبقى حكاية الجدة في الإسكندرية مفتاحًا لفهم هذه الرحلة؛ فالطفل الذي سأل عن ميزته بين أبناء عمومته لم يكن يدرك آنذاك أن الإجابة ستصبح لاحقًا جزءًا من خطابه السياسي.

لقد امتلك فرصة العودة إلى أمريكا، بينما بقي أقاربه في بيئة لم تفتح أمامهم المسارات نفسها.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز تجربة عبد الرحمن السيد وعائلته: كم من الأشخاص يمتلكون الذكاء والطموح والاستعداد للنجاح، لكنهم لا يحصلون على الفرصة التي تسمح لهم بتحقيق إمكاناتهم؟

إن رحلة محمد السيد من الإسكندرية إلى الولايات المتحدة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل قرارًا غيّر مستقبل جيل كامل.

أما رحلة ابنه، فتطرح قضية أوسع تتعلق بعدالة توزيع الفرص، وحدود تأثير المكان والظروف الاجتماعية في مصائر البشر.

فهل يُقاس النجاح بما يحققه الإنسان لنفسه، أم بقدرته على المساهمة في بناء مجتمع لا يحتاج فيه الآخرون إلى الهجرة آلاف الأميال حتى يحصلوا على فرصة مماثلة؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك