علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
مني شماخ
مني شماخ

أعلامية وكاتبة روائية

منى شماخ تكتب: صورة ليست طبق الأصل

لا تكمن المشكلة في الاختلاف ، بل في أننا لم نعد نرى الشخص كما هو، صرنا نتعامل مع الصورة التي صنعتها أفكارنا عنه، لا مع الإنسان الذي أمامنا، ثم نصدّق أن هذه الصورة هي حقيقته.

مشاركة:
حجم الخط:

تحكي إحدى حلقات المسلسل البريطاني «المرآة السوداء» (Black Mirror) عن جنود تُزرع في أدمغتهم شريحة تغيّر نظرتهم إلى بعض البشر، فيتحول أناس عاديون في أعينهم إلى مسوخ مخيفة.

يبدأ الخوف، ثم العداء، ثم محاولة التخلص منهم

قد يبدو هذا خيالًا علميًا، لكنه ليس بعيدًا عمّا يحدث لنا، فكل واحد منا يحمل، بطريقة ما، شريحة في رأسه، تحتفظ بمعتقداته وأفكاره، وتحدد رؤيته للعالم.

شريحة صنعتها أحكامنا المسبقة، والصور التي كوّناها عن الآخرين، وقناعات ترسخت في أذهاننا حتى بدت حقائق، لا تحتاج إلى سلطة تفرضها علينا؛ يكفي أن نستسلم لها حتى تبدأ في تغيير الطريقة التي نرى بها الناس.

نصنع قوالب جاهزة لرؤية العالم وإصدار الأحكام

فإذا اختلف معنا أحد في معتقد أو قناعة فكرية، أو حتى في رأي عابر، لم نره كما هو، بل كما رسمناه في أذهاننا.

نُسقط عليه كل ما نحمله من تصورات عن الفئة التي ننسبه إليها، وننسب إليه ما نرفضه فيها، ونتعامل معه على هذا الأساس، حتى لو لم نعرف عنه ما يبرر ذلك. نراه غريبًا، ثم خطرًا، وقد نصل إلى معاداته أو إقصائه.

هكذا تتحول أفكارنا من وسيلة لفهم العالم إلى أحكام مسبقة ندرك من خلالها كل شيء، فلا نرى من الآخر إلا ما يؤكد قناعاتنا، ونفسّر مواقفه على ضوئها، حتى يصير اختلافه عنا دليلًا على كل ما افترضناه فيه.

وعندها لا تكمن المشكلة في الاختلاف ، بل في أننا لم نعد نرى الشخص كما هو، صرنا نتعامل مع الصورة التي صنعتها أفكارنا عنه، لا مع الإنسان الذي أمامنا، ثم نصدّق أن هذه الصورة هي حقيقته.

ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا:

هل نرى هذا الإنسان فعلًا، أم نرى ما صنعناه عنه في أذهاننا؟

قد تحجب قناعاتنا عنا حقيقة الآخرين، حين نضعهم في قوالب جاهزة، ونحكم عليهم وفقًا لقربهم من أفكارنا أو ابتعادهم عنها، أو نختزلهم في انتماءاتهم.

فالصورة التي نكوّنها عنهم في أذهاننا قد لا تعكس حقيقتهم كاملة، لكنها تعكس تصوراتنا عنهم.

وربما نكتشف عندها أن ما رأيناه فيمن يختلفون عنا لم يكن سوى انعكاس لمخاوفنا وأحكامنا المسبقة.

فليس على الآخرين دائمًا أن يتغيروا حتى تتغير نظرتنا إليهم؛ أحيانًا، كل ما نحتاجه هو أن نتحرر من الصور التي صنعناها عنهم، لنراهم على حقيقتهم.

شارك المقال:

شاركنا برأيك