رواية علي محمد علي: الراعي (قبل النهاية) (19)
حركة عادية في مكان كهذا، لكن عبدون لم يتعامل معها كزحام، أمسك الشاب بسرعة، قبضة قوية، ثابتة، نظر في عينه نظرة صامتة لكنها حادة.

صورة تعبيرية للرواية
وصلا إلى مكان مزدحم صاخب، وجوه متلاصقة، أصوات متداخلة، حركة لا تهدأ، عالم لا يُراقَب من بعيد بل يُغرق من يقف فيه، وقفت أمامه وقالت بثقة:
النهارده مفيش رجوع للوراء، إنت هتتعامل لوحدك.
سألها: وإنتي؟
قالت: هراقب، ثم تركته فعلًا، اختفت وسط الزحام وكأنها سحبت الأرض من تحته لتراه كيف يقف.
وقف عبدون للحظات، ثابتًا، بلا قطيع، بلا صحراء، بلا ظل يحتمي به، ثم بدأ يتحرك ببطء، كمن يدخل أرضًا جديدة لا ليهرب منها بل ليفهمها.
بينما كانت أمل تراقب من بعيد، تلتقط التفاصيل، تنتظر ارتباكه، تنتظر لحظة انهياره، أو على الأقل لحظة احتياجه لها، لكنها لم تأتِ.
اقترب منه رجل وتحدث معه فردّ عليه بهدوء، حاول آخر أن يمازحه فلم يضحك لكنه لم ينسحب، مرت امرأة بجواره فنظر ثم صرف عينه، لم يتكسر، لم يتوه، لم يبحث عنها.مصر
وهنا بدأ القلق يتسلل إلى أمل، اقتربت أكثر دون أن تشعر، حتى أصبحت على مسافة تسمع منها وترى بوضوح.
وفجأة حدث ما لم تضعه في حسابها، شاب ضاحك بصوت عالٍ اندفع في الزحام فاصطدم بعبدون بكتفه.
حركة عادية في مكان كهذا، لكن عبدون لم يتعامل معها كزحام، أمسك الشاب بسرعة، قبضة قوية، ثابتة، نظر في عينه نظرة صامتة لكنها حادة.
فتلاشى الضحك من وجه الشاب، حاول أن يفلت للحظة، ثم تركه عبدون بهدوء وكأن شيئًا لم يكن، إلا أن كل من حوله شعر أن شيئًا قد حدث بالفعل.
تجمدت أمل، أدركت أن ما تراه ليس اندماجًا كما أرادت، بل فرضًا بطريقته، اقتربت منه بسرعة وقالت بحدة:
إنت بتعمل إيه؟
فنظر إليها بهدوء غريب وقال
: بتعامل
فقالت بعصبية: دي مش طريقتهم
فرد فورًا: دي طريقتي
سكتت لحظة ثم قالت بصوت أعلى: أنا مش جايباك هنا عشان تفرض نفسك على الناس.
فنظر إليها نظرة أطول وأعمق وقال: وأنا مش جاي أتعلّم أبقى حد تاني.
رواية علي محمد علي: الراعي (18)
رواية علي محمد علي: الراعي (17)
كانت الجملة كفيلة أن تسقط ما تبقى من سيطرتها في تلك اللحظة
اقترب خطوة وخفض صوته لكن حدته زادت: إنتي سيبتيني وقلتيلي اتعامل، أهو أنا بتعامل.
فلم تجد ردًا، لأول مرة فعلًا، ثم استدار فجأة ومشى، لم يكن هروبًا ولا انسحابًا بل قرارًا واضحًا، وقال دون أن ينظر خلفه: أنا هرجع… بس مش علشانك… علشاني.
وقفت أمل وسط الزحام، هذه المرة لم تكن هي من يراقب، بل من تُرك، وشعرت لأول مرة أن اللعبة التي بدأت بها لم تعد في يدها كما ظنت.
لم تنتظر أمل أن يهدأ المشهد في داخلها
ولم تمنح نفسها فرصة لإعادة الحسابات، شعرت أن ما حدث في الزحام لم يكن مجرد موقف عابر، بل إنذار حقيقي بأنها بدأت تفقد السيطرة، وهذا ما لم تعتده يومًا.
لذلك قررت أن تضرب ضربة أكبر، ضربة تحسم، أو على الأقل تعيد الميزان لصالحها، حتى لو اضطرت أن تكسر شيئًا داخله أو داخلها.
في المساء، عادت إليه بوجه مختلف، هدوء مصطنع، وابتسامة لا تعكس ما بداخلها، قالت له وكأن شيئًا لم يحدث: عندي لك مفاجأة.
نظر إليها دون أن يسأل، لم يعد فضوله كما كان
لكنها أكملت: النهارده هتعرف الناس بجد… مش من بره، من جوه، وطلبت منه أن يبدل ملابسه، ثم أخذته وخرجت به مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن المكان عشوائيًا، بل مختار بعناية، شقة واسعة، أصوات ضحك، موسيقى، رجال ونساء، عالم مختلف تمامًا عن كل ما رآه من قبل، عالم لا يخفي نفسه بل يعرضها بلا خجل.
دخل عبدون، لم يتراجع، لم يظهر عليه ارتباك واضح، لكن عينيه كانت تتحركان ببطء، تزن، تقيس، لا تنبهر ولا تنفر، فقط تلاحظ.
بينما كانت أمل تراقبه من زاوية قريبة، تراقب كل تفصيلة، تنتظر لحظة الانكسار أو الانجذاب، لحظة يتخلى فيها عن صلابته أو يذوب فيها.
اقترب منه أحد الرجال، صافحه بحرارة، امرأة ضحكت في وجهه أكثر مما ينبغي، أخرى مرّت بجواره بملابس كاشفة، المشهد كله كان مقصودًا، اختبارًا مباشرًا، بلا رحمة.
اقتربت أمل منه، قالت بصوت منخفض: ده العالم اللي كنت بحكيلك عنه، الناس الحقيقية.
رد عليها بهدوء: شايف
سألته: وحاسس بإيه؟
سكت لحظة ثم قال: كل واحد فيهم عايز حاجة.
ابتسمت وقالت: طبيعي.
قال: بس مش كلهم عارفين يدفعوا تمنها.
هنا شعرت أن الرد لم يكن كما توقعت، لكنه لم ينهزم أيضًا، فقررت أن تدفعه خطوة أبعد، خطوة لا رجوع منها.
أشارت بعينها إلى امرأة تقف في طرف المكان
نظراتها جريئة، حضورها واضح، ثم قالت له بهدوء متعمّد: جرب… شوف نفسك.
لم يفهم في البداية، فنظرت إليه مباشرة وأضافت: مش كل حاجة لازم تكون معايا أنا.
الصمت الذي تلا الجملة كان ثقيلاً، ليس لأنه لم يفهم، بل لأنه فهم جيدًا، ونظر إليها نظرة طويلة، كأنه يسألها دون كلام: هل هذا اختبار… أم عرض؟
لكنها لم تتراجع، بل ثبتت عينيها فيه وكأنها تدفعه بيدها.
تحرك عبدون، خطواته كانت ثابتة، بلا تردد، اقترب من المرأة، تحدث معها، لم تسمع أمل ما قاله، لكن ما رأته كان كافيًا، المرأة ضحكت، اقتربت أكثر، وضعَت يدها على ذراعه، ولم يبعدها.
مرت لحظات لكنها على أمل كانت أطول من اللازم، أطول بكثير مما تحتمل، شعرت بشيء يتحرك في صدرها، شيء لم تضعه في حسابها، لم يكن علمًا، ولا تجربة، بل غيرة حقيقية، حادة، مفاجئة، وهنا أدركت أنها أخطأت، لكن بعد فوات الأوان.
عاد عبدون إليها، ليس مسرعًا، ليس مرتبكًا، بل بهدوء غريب، كأن شيئًا لم يحدث.
لكنها لم تنتظر، سألته مباشرة، بنبرة خرجت عن سيطرتها: عملت إيه؟
نظر إليها، نفس النظرة الهادئة، وقال: زي ما قلتي… جربت.
الجملة نزلت عليها كصفعة، لكنها حاولت أن تتمالك نفسها وقالت: وحسيت بإيه؟ سكت لحظة، ثم قال: ولا حاجة.
تجمدت.
قالها ببساطة قاتلة، لا استعراض، لا تبرير، فقط حقيقة، ثم أكمل، وهو ينظر في عينيها هذه المرة: الفرق إنكِ لستِ مثلهن.
كان يجب أن ترتاح، لكنها لم ترتح، لأنها أدركت المعنى الكامل للجملة، هو لم ينجذب لهن، لكنه أيضًا لم يعد لها وحدها.
اقترب خطوة، خفّض صوته
وقال: إنتي اللي قلتلي أجرّب، وأنا جرّبت، سكت لحظة ثم أضاف: بس أنا اللي بختار.
وفي تلك اللحظة انهارت المعادلة، أمل لم تعد هي التي تدفع… ولا عبدون هو الذي يُدفع.
بل أصبح كلٌ منهما خطرًا على الآخر.
لم تمهل أمل نفسها فرصة للرجوع خطوة إلى الخلف، بل اندفعت للأمام كمن يريد أن يثبت شيئًا قبل أن يفلت من يده.
وفي صباحٍ بدا عاديًا في ظاهره، أخبرته بنبرة حاسمة أنها ستأخذه إلى مقر عملها، لم تشرح كثيرًا، فقط قالت: “النهارده هتشوف شغلي بجد”
نظر إليها عبدون طويلًا، كأن شيئًا داخله بدأ يتوقع، لكنه لم يعترض، بل تبعها بصمت.
وصلا إلى مبنى واسع، بارد، نظيف أكثر مما ينبغي، وجوه جامدة، عيون تفحص ولا تشعر، قاعات منظمة، وأصوات خافتة تحمل ثقل المعرفة أكثر مما تحمل دفء الحياة.
دخل معها إلى قاعة كبيرة، فوجد مجموعة من الرجال والنساء في انتظاره، نظراتهم لم تكن ترحب بل تقيّم.
وهنا فقط فهم، ليس بالكلمات، بل بالإحساس، أنه لم يأتِ ضيفًا، بل موضوعًا.
أجلسته أمل إلى جوارها، وقدمتْه بصياغة دقيقة، حذرة، تحمل فخرًا واضحًا، كأنها تعرض اكتشافًا نادرًا، أو حالة فريدة نجحت في تفكيكها، كانت كلماتها عن “التجربة” و”التحول” و”إعادة التشكيل” تمر على أذنيه كأنها لا تخصه، أو ربما تخصه أكثر مما ينبغي.
بدأوا يسألونه، واحدًا تلو الآخر، أسئلة عن ماضيه، عن الصحراء، عن القطيع، عن الطاعة، عن الدين، عن الخوف، عن الرغبة، عن كل شيء.
كان يجيب، بهدوء، بصدق، دون أن يتهرب، لكنه لم يكن يجيب لهم، بل كأنه يجيب لنفسه.
كل إجابة كانت قطعة تُنزع من الصورة التي رسمتها أمل
وكل نظرة منه كانت تعود إليها، لا غاضبة، بل واعية، واعية بما حدث منذ البداية، حتى انتهى كل شيء.
تصفيق خافت، همسات إعجاب، نظرات انتصار في عينيها، ونظرات دهشة في عيونهم.
أما هو فكان قد انتهى من الفهم، خرجا معًا، الطريق إلى البيت كان صامتًا، صمتًا ثقيلاً، ليس فيه ما يُقال، بل ما يُحسم.
وما إن دخلا حتى لم ينتظر عبدون، بدأ يلمّ أشياءه بهدوء، نفس الهدوء الذي كان فيه منذ أيام، لكنه هذه المرة لم يكن هدوء استكشاف… بل هدوء قرار.
التفتت إليه أمل فجأة، وكأنها استفاقت من نشوة الإنجاز، قالت بصوت مرتجف: بتعمل إيه؟
لم يرد، أكمل، اقتربت منه، أمسكت بذراعه بقوة لم تعهدها في نفسها، وقالت: لا، ما تسبنيش لوحدي.
نظر إليها، لأول مرة بنظرة لا تحمل حيرة ولا صراع
بل وضوح قاطع، وقال: كنت في الصحراء أصيد، أقدم للفرائس ما يكفي من الطمأنينة من الحوافز، من الوعد لحد ما تقع في الفخز
سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينزع ذراعه برفق لكنه بحسم: إنتِ عملتي كده بالضبط، لم يكن التحدي بيننا إنسانيًا زي ما كنتِ بتقولي، كنت أنا الفأر، وإنتِ أحكمتي المصيدة.
كانت تنظر إليه وعيناها تزدادان اتساعًا، تحاول أن تجد كلمة تنقذ الموقف، أي كلمة.
فقال بهدوء: لو كنتِ من البداية قولتي الحقيقة يمكن كنت ساعدتك، يمكن كنت اخترت بإرادتي لكنك اخترتي لي، وده فرق كبير.
قالت بصوت مكسور لم تستطع إخفاءه: أنا… أنا كنت بحبك.
هزّ رأسه قليلًا، لا ينفي ولا يصدق
ثم قال: يمكن، بس كنتي بتحبي نفسك أكتر، ودرجتك وتجربتك.
ثم حمل أشياءه، فتعلقت بذراعه مرة أخرى، هذه المرة أضعف، وقالت برجاء حقيقي: ما تسبنيش أنا محتاجالك.
نظر إليها لحظة، لحظة أطول من كل ما سبق، ثم قال: وأنا كنت محتاج أعرف.
وسحب ذراعه، واتجه نحو الباب، فتحه، توقف لحظة دون أن يلتفت، ثم خرج، وأغلقه خلفه بهدوء، نفس الهدوء الذي دخل به حياتها، لكنه هذه المرة لم يترك فراغًا فقط، بل ترك سؤالًا لن تستطيع أن تكتبه في أي ورقة.





