علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يكتب: بين سالي روني وفناننا الكبير.. حين تصبح المصالح حجة للاستسلام

ما فعلته سالي روني يضع أمامنا سؤالًا واضحًا: هل يمكن للمبدع أن يقبل خسارة مادية من أجل موقف يتبناه؟

مشاركة:
حجم الخط:

أن أقرأ خبرًا عن الكاتبة الإيرلندية سالي روني، التي تقبل بأن تخسر عائدات كتبها في بريطانيا بسبب موقفها من فلسطين، في الوقت نفسه الذي أقرأ فيه تبريرا لفنان تشكيلي مصري لعدم اعتذاره عن معرض “الأبد هو الآن” مفاده ( حتى لا يجلس في البيت ) فتلك مصادفة أراها جاءت في وقتها تماما.

سالي روني لم تكتفِ بإعلان تضامنها مع الفلسطينيين، ولم تضع القضية في جملة عابرة تصلح لتزيين حوار صحفي. لقد أعلنت دعمها لحركة “فلسطين أكشن”، وقررت توجيه عائدات أعمالها إليها.

وحين أصبحت التشريعات البريطانية عائقًا أمام تحويل مستحقاتها، وافقت على وقف دار نشرها توزيع كتبها في بريطانيا.

لم تقل إن السوق لا يسمح، ولا إن الكتابة مهنة لا تحتمل مثل هذه الخسائر، ولا إن العالم محكوم بقوى أكبر منها لا تستطيع مقاومتها. أعلنت استعدادها لتحمل العواقب.

هنا تكمن دلالة الواقعة نحن أمام كاتبة تربط بين ما تعلنه وما تقبل أن تدفعه ثمنًا له

ليست القضية أن نقلدها جميعًا، ولا أن نطالب كل مبدع بأن يسلك طريقها، وإنما أن نتأمل المسافة بين الموقف بوصفه كلامًا، والموقف حين يصبح قرارًا له تبعات فعلية.

في المقابل ، هنا في مصر العربية ،كانت هناك دعوة لمقاطعة فعالية ” الأبد الأن ” ومازالت انسحب فنانون مصريون وعرب كثيرون. ولم تكن الاعتراضات تستهدف قيمة النحت أو حرية الفنان في الإبداع، بقدر ما كانت تسأل عن مسؤولية المؤسسة المنظمة في اختيار ضيوفها، وعن دلالة استضافة فنان ( فرنسي) تحيط بعمله علاقات مؤسسية أثارت هذه الاعتراضات، في ظل ما يتعرض له الفلسطينيون.

بعد تصاعد الاحتجاجات، أعلنت المؤسسة وقف مشاركتة .

ووسط ذلك خرج علينا فنان مصري ( كبير ) ليعلن أنه لن يعتذر عن استمرار مشاركته، مستندًا إلى سببين نشرهما في منشورين منفصلين.

السبب الأول أن المؤسسة أعلنت إلغاء مشاركة الفنان الفرنسي.

وهنا لايجب أن نتجاوز السؤال، (هل كان اعتراض الفنانين المصريين على وجود الفرنسي الداعم للصهاينة وحده، أم على القرار الذي اتخذته المؤسسة حين اختارته للمشاركة من البداية؟)

الأبد هو الآن المعرض التشكيلي الذي دعا فرنسي داعم للصهيونية
الأبد هو الآن المعرض التشكيلي الذي دعا فرنسي داعم للصهيونية

هل يؤدي سحب الدعوة، بعد حملة من الاحتجاجات والانسحابات، إلى محو الأسئلة التي أثارها الاختيار الأول؟

بالطبع لا، فإلغاء المشاركة خطوة تصحح قرارًا، لكنه لا يمحو الواقعة التي استدعت التصحيح.

سيظل السؤال عن معايير الاختيار قائمًا، وكذلك السؤال عن طبيعة الرؤية الثقافية التي تحكم هذه المؤسسة، وعن مدى استعدادها لمراعاة السياق الذي تعمل فيه.

قد يكون التراجع اعترافًا بجدية الاعتراضات، لكنه لا يجعل الاعتراضات نفسها بلا معنى، ولا يلزم كل فنان بأن يتعامل مع ما جرى باعتباره صفحة طويت وانتهى الأمر.

بل إنني أرى أن احتجاج الفنانين المصريين، الذين أعلن بعضهم انسحابه من الفعالية، هو الذي جعل المسألة تتجاوز حدود الاختيار الفردي إلى النقاش العام.

فلولا هذه الأصوات، ما كان قرار المشاركة سيخضع للمراجعة نفسها.

أما السبب الثاني، الذي ذكره الفنان المصري في معرض تبريره لعدم الإنسحاب، فهو الأكثر إثارة لقلقي.

فبحسب ما أورده الفنان في منشوره، فإن “عوالم الفن التشكيلي الدولية، بما فيها المعارض والمزادات وصالات العرض والمقتنون، تخضع لسيطرة اليهود الصهاينة، ومن ثم لا مفر من التعامل معهم، وإلا جلس الفنانون في بيوتهم بلا عمل”!

لتدهب حرية الإبداع إلا الجحيم أن كانت تدعم القتلة والمجرمين
لتدهب حرية الإبداع إلا الجحيم أن كانت تدعم القتلة والمجرمين

هنا لا أجدني أمام مجرد اختلاف في تقدير الموقف، بل أمام منطق يستحق المناقشة

أولًا، إن الحديث عن هيمنة اليهود على عالم الفن، بهذه الصيغة التعميمية، يخلط بين الهوية الدينية والانتماء السياسي والعلاقات المهنية، ويحول شبكة معقدة من المؤسسات والأسواق والمصالح إلى قوة واحدة لا يمكن مقاومتها.

وهذا تعميم لا يكفي لإثباته أن بعض المؤسسات أو الجهات المؤثرة لها مواقف أو علاقات بعينها.

وكان الأجدر أن يناقش الفنان طبيعة السوق الذي يعمل فيه، والضغوط التي يفرضها، والخيارات المتاحة أمامه، بدلًا من تحويل هذه الصورة الشاملة إلى حقيقة نهائية تبرر النتيجة التي يريد الوصول إليها.

ثانيًا، حتى لو سلمنا بوجود اختلالات في موازين القوة داخل سوق الفن العالمي، فهل يعني ذلك أن الفنان لا يملك أي قدرة على الاختيار؟

هل تصبح كل علاقة مهنية ضرورة لا يمكن مناقشتها، وكل فرصة عمل مبررًا كافيًا لتجاوز الأسئلة الأخلاقية؟

وإذا كانت أبواب السوق لا تفتح إلا بشروط يرفضها الفنان، أليس من حقه أن يناقش هذه الشروط، أو يبحث عن بدائل، أو يقبل أحيانًا أن يخسر فرصة في سبيل ما يؤمن به؟

بينما يقتلون أبنائنا كل يوم نستقبل من يدعمهم تحت شعارات زائفة
بينما يقتلون أبنائنا كل يوم نستقبل من يدعمهم تحت شعارات زائفة

هنا يقفز إلى ذهني المثل العربي، “تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها”

أنا لا أستحضره لإهانة الفنان، ولا لأنني أرى أن كل فرصة دولية مشبوهة، أو أن على المبدع أن يختار الفقر ليبرهن على نزاهته. أستحضره لأن المثل، في دلالته يضعنا أمام سؤال الكرامة حين تصبح الحاجة وسيلة لإجبار الإنسان على التنازل عما يراه حقًا له.

ما فعلته سالي روني يضع أمامنا سؤالًا واضحًا: هل يمكن للمبدع أن يقبل خسارة مادية من أجل موقف يتبناه؟

وما يقوله فناننا المصري الـ( كبير ) يضع أمامنا سؤالًا آخر: هل يجوز أن تتحول المصالح المهنية، مهما كانت أهميتها، إلى حجة تجعل المقاومة مستحيلة سلفًا؟

لا أريد أن أوزع شهادات البطولة أو الخيانة، ولا أن أختزل تاريخ فنان كبير في منشورين على صفحته.

لكنني أعتقد أن المكانة الفنية لا تعفينا من مساءلة أصحابها، بل ربما تجعل هذه المساءلة أكثر أهمية، لأن ما يقوله الفنان المعروف وما يبرره لا يبقى شأنًا شخصيًا خالصًا، إنه قد يتحول إلى نموذج يحتذي به آخرون.

سالي روني الإديبة الإيرلندية التي فقدت عوائد كتبها مقابل دعمها لفلسطين
سالي روني الإديبة الإيرلندية التي فقدت عوائد كتبها مقابل دعمها لفلسطين

سالي روني تذكرنا بأن الموقف قد تكون له كلفة

والفنان المصري يذكرنا، من حيث أراد أو لم يرد، بأن بعضنا يرى هذه الكلفة سببًا كافيًا لعدم اتخاذ الموقف أصلًا.

أسمح لنفسي، في نهاية هذا الكلام، أن أوجه نصيحة إلى الفنان الذي أتحدث عنه.

أقولها له لأنني أحبه، ولأنني أقدّر ما أنجزه، ولأنني لا أريد أن أرى اسمه وتاريخه يذهبان إلى منطقة لا تليق بما قدّمه للفن، ولا بما احتفظ به من مكانة في ذاكرة محبيه.

يا صديقي، إنني لا أطلب منك أن تعتذر إرضاءً لأحد، ولا أن تتبنى موقفًا لا تؤمن به، لكنني أرجوك أن تعيد التفكير فيما كتبته، وأن تتأمل ما إذا كانت الحجج التي تسوقها كافية فعلًا لتبرير موقف قد يترك أثرًا يتجاوز هذه المشاركة العابرة.

فالفنان لا يصنع تاريخه بأعماله وحدها، إنه يصنعه أيضًا بما يختاره حين يصبح الاختيار صعبًا، وبما يقوله حين يكون الصمت أكثر راحة، وبما يقبل أن يتنازل عنه حين تتعارض قناعاته مع مصالحه.

يا صديقي إنني أخشى عليك من اللحظة التي يصبح فيها الدفاع عن الاختيار أهم من مراجعة الاختيار نفسه، ومن أن يدفعك الحرص على تبرير موقف عابر إلى مواقف أخرى، لا تعود بعدها قادرًا على التراجع من دون أن يبدو التراجع اعترافًا بما لا تريد الاعتراف به.
اللهم بلغت اللهم فاشهد.

شارك المقال:

شاركنا برأيك