إبداع
علي محمد علي
علي محمد علي

كاتب وروائي

رواية علي محمد علي : الراعي (النهاية)

حين تهدأ الصحراء، ويبرد الهواء، كان سامي يجلس وحده، ينظر إلى السماء، لا يطلب… ولا يحتج، فقط يتأمل.

مشاركة:
حجم الخط:

” هو و هو”

لم يكن الطريق إلى الصحراء كما تركه عبدون، ولا كان هو نفسه كما خرج، كانت خطواته هذه المرة أهدأ، لكنها أثقل، لا يحمل فقط جسده وأشيائه، بل يحمل ما رآه، ما فهمه، وما انكسر داخله ثم أعيد تركيبه من جديد.
لم يعد يسير هاربًا، ولا عائدًا مهزومًا، بل كمن اختار طريقه بعد أن جرّب كل الطرق، وعرف ثمن كل اختيار.

حين لاحت الصحراء في الأفق، لم يشعر بالحنين كما توقع، بل بشيء أعمق… شعور بالمسؤولية.

كأن هذه الأرض لم تعد مجرد مكان عاش فيه، بل صفحة بيضاء تنتظر ما سيُكتب عليها هذه المرة، وقف لحظة، نظر طويلًا.

ثم قال بصوت خافت: المرة دي… مش هتكون زي قبل كده.

لم يعد إلى نفس البقعة القديمة، ولم يبحث عن أثر ما كان

بل اختار مكانًا جديدًا، مساحة مفتوحة، لا تحيطها أسوار عالية، ولا يخنقها الخوف.

بدأ بنفسه، بيديه، يبني عريشة بسيطة، لكنها لم تكن كالعريشة الأولى، لم يثبتها بالعنف، ولم يحصّنها بالخوف، بل جعلها مفتوحة من جهات، يدخلها الهواء كما يشاء، ويخرج منها كما يشاء، كأنها تقول لكل من فيها: البقاء هنا… اختيار، لا فرض.

رواية علي محمد علي: الراعي (قبل النهاية) (19)

رواية علي محمد علي: الراعي (18)

ثم ذهب إلى عمر.

لم تكن المقابلة كما كانت من قبل، لم يكن عبدون واقفًا في حضرة سيد، ولا عمر في مقام مالك، بل جلسا كندّين.

نظر إليه عمر طويلًا، كأنه يرى شخصًا آخر، ثم قال: رجعت؟

أجابه عبدون بهدوء: رجعت… بس مش لنفس الحاجة، وياريت تناديني باسمي الحقيقي “سامي”.

لم يشرح سامي أكثر، ولم يحتج، طلب منه قطيعًا جديدًا، لم يطلب أفضل السلالات، ولا أقواها، بل طلب خليطًا، ضعيفًا وقويًا، صغيرًا وكبيرًا، كأنه يختار عالمًا كاملًا لا نموذجًا مثاليًا.

نظر إليه عمر متعجبًا، لكنه لم يسأله، أعطاه ما طلب، وكأن بينهما اتفاقًا غير مكتوب أن ما حدث… قد انتهى، عاد سامي بقطيعه.

وقف أمامهم طويلًا، ينظر، لا كراعٍ يملك، بل كمن يرى وجوهًا، أرواحًا، لا مجرد أجساد تُقاد، لم يرفع عصاه، لم يصرخ، لم يفرض، بل تحرك بينهم ببطء، يلمس هذا، يقترب من ذاك، يراقب، يتعلم، كأنه يبدأ من الصفر، لا ليعيد ما كان، بل ليصنع ما لم يكن.

في الأيام الأولى، تاه القطيع، لم يفهموا.

لا أوامر صارمة، لا عقاب سريع، لا خوف يحركهم، فاختلطت الحركة، وتفرقت الخطوات، وكاد النظام ينهار قبل أن يولد.

وهنا، وقف سامي، نظر إليهم، وتذكر نفسه، وتذكر القهر، وتذكر الطاعة التي كانت تُنتزع لا تُمنح، فأخفض عصاه… ولم يرفعها.

جلس بينهم، فقط… جلس، صامتًا، طويلًا، حتى بدأوا يقتربون، واحدًا تلو الآخر، ليس لأنهم أُمروا… بل لأنهم أرادوا.

ومع الأيام، بدأ شيء غريب يحدث، لم يعد القطيع يتحرك خوفًا، بل فهمًا، لم يعد يتبع لأنه مُجبر… بل لأنه يثق.

وصار سامي لا يأمر… بل ينظر، نظرة واحدة… تكفي، لكنها لم تكن نظرة سيطرة كما كانت من قبل، بل نظرة يعرفونها، يفهمونها، كأن بينهم لغة لم تُعلَّم… بل وُلدت.

وفي الليل

حين تهدأ الصحراء، ويبرد الهواء، كان سامي يجلس وحده، ينظر إلى السماء، لا يطلب… ولا يحتج، فقط يتأمل.

في داخله… ظل شيء من أمل، ليس كجرح، ولا كندم، بل كأثر، كدرس، كمرآة رأى فيها نفسه كما لم يرها من قبل، فابتسم أحيانًا، وسكت كثيرًا.

ثم قال ذات ليلة، وهو ينظر إلى القطيع حوله، وإلى العريشة المفتوحة، وإلى الصحراء التي لم تعد كما كانت:

“مش كل نظام قيد… ولا كل حرية نجاة… بس الرحمة… هي الطريق الوحيد اللي يستاهل يتجرب.”

لم يكن اليوم مختلفًا عن غيره في ظاهر الأمر

الشمس تميل ببطء نحو الغروب، والقطيع ينتشر في هدوء كأنه يعرف حدوده دون أن تُرسم له.

سامي يجلس عند طرف العريشة، لا يراقب بقلق، ولا يسيطر بصرامة، بل يكتفي بالحضور، كأن وجوده وحده أصبح كافيًا ليُبقي كل شيء في موضعه.

كانت العصا إلى جواره، لا في يده، وكأنها فقدت دورها القديم، أو ربما وجد هو ما يغنيه عنها.

في ذلك التوقيت، حيث تختلط حرارة النهار ببرد المساء، لمح من بعيد نقطة تتحرك، ليست من القطيع، ولا من أهل الطريق.

كانت تسير ببطء، بخطوات ثابتة، لا تلتفت يمينًا ولا يسارًا، كأنها تعرف إلى أين تذهب، أو كأنها لم يعد لديها مكان آخر تذهب إليه.

لم يتحرك سامي، لم ينهض، فقط ضيّق عينيه قليلًا، يراقب، حتى بدأت الملامح تتضح، حقيبة صغيرة في يدها، ووجه… يعرفه.

أمل.

لم تكن كما تركها، ولا كما عرفها أول مرة، لا أثر لذلك البريق الحاد في عينيها، ولا تلك الثقة التي كانت تسبق خطواتها.

بدت أخف… أو ربما مجردة، كأنها تركت شيئًا كبيرًا خلفها، أو نُزع منها دون مقاومة، اقتربت أكثر، حتى وقفت على مسافة قريبة، لا هي تقدمت، ولا هو تحرك، لحظة صمت طويلة مرّت بينهما، ليست ثقيلة، لكنها مليئة بكل ما لم يُقال من قبل.

قالت بهدوء: أنا جيت.

لم يسأل كيف، ولا لماذا، نظر إلى الحقيبة في يدها، ثم إلى عينيها، وقال: باين.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا تشبه ابتساماتها القديمة، وقالت: سيبت كل حاجة… الشغل… المكان… الناس… حتى الورق اللي كنت بجرى وراه طول عمري.

سكتت لحظة، ثم أضافت: ما بقاش ليه معنى لوحده، لم يعلّق، لم يسألها إن كانت متأكدة، فقط ظل ينظر، كأنه يقيس صدق اللحظة، لا صدق الكلمات.

قالت بعد صمت: لو ينفع… أفضل هنا.

لم تكن جملة طلب بقدر ما كانت اعترافًا، ولم تكن نبرة استجداء، بل نبرة من جرّب كل شيء… ولم يعد يريد أن يختبر أكثر.

نظر سامي إلى الصحراء حوله، إلى القطيع، إلى العريشة المفتوحة، ثم عاد إليها، وقال بهدوء لا يحمل حكمًا ولا سلطة: المكان هنا… مفيهوش حد بيملك حد.

فهمت.

أومأت برأسها، وقالت: وأنا مش جاية أملك… ولا أتحكم… أنا جاية… أتعلم.

اقتربت خطوة، ثم توقفت، كأنها تنتظر إذنًا لا يُقال، فنظر إليها لحظة، ثم أشار بعينه نحو البيت، إشارة بسيطة، لكنها كانت كافية.

سارت، ببطء، ودخلت.

وضعت حقيبتها، ثم جلست على الأرض، دون أن تنظر حولها كثيرًا، كأنها لا تحتاج أن تتفحص المكان، بل أن تشعر به فقط.

أما هو فبقي مكانه، لم يتبعها، ولم يراقبها، فقط أعاد نظره إلى القطيع، الذي بدأ يقترب مع الغروب، يلتف في هدوء، بلا صياح، بلا أوامر.

وبعد لحظات، خرجت أمل، جلست غير بعيد عنه، لم تقترب أكثر مما ينبغي، ولم تبتعد أكثر مما يحتمل، جلسا في صمت، نفس الصمت… لكن هذه المرة ليس فراغًا، بل مساحة.

قالت بعد وقت: مش هسألك… تقبلني ولا لأ.

نظر إليها، فتابعت: أنا هفضل… ولو مشيت… هبقى أنا اللي مشيت.

هزّ رأسه قليلًا، كأن الكلام لم يفاجئه، ثم قال: خدي بالك… هنا مفيش تجارب.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: وأنا مش حالة.

نظر إليها طويلًا، ثم حوّل نظره إلى الأفق، وقال بهدوء: تمام.

ومع اختفاء الشمس، وامتداد الظلال، وهدوء الصحراء، جلسا جنبًا إلى جنب، لا يملكان بعضهما، ولا يحاول أحدهما أن يغيّر الآخر.

لكن شيئًا جديدًا كان يتكوّن، ليس حبًا كما كان، ولا صراعًا كما مرّ، بل… احتمال.
وفي ذلك الاحتمال… كانت البداية… كانت البداية

شارك المقال: