مقالات
أبراهيم القاضي
أبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: حين يصبح ناهش الأعراض بطلًا

المجتمع الذي يقف بلا تردد ولا نفاق إلى جوار الضحية، ويرفض التبرير والتساهل والتفاخر بالقسوة، فهو وحده القادر على حماية أبنائه وبناته

مشاركة:
حجم الخط:

منذ نحو خمس عشرون عامًا

في قرية مجاورة في الريف المصري، اعترض بعض المجرمين طريق سيارة صغيرة كانت تقل فرقة فنية عائدة من حفل أحيته في إحدى القرى.

كان الليل قد تجاوز منتصفه، والطرق الترابية غارقة في السكون، والأشجار الشاهقة على الجانبين تبتلع ما تبقى من الضوء

في ذلك المكان المعتم، أوقفوا السيارة.

أنزلوا منها فتاة تمتهن الرقص، واقتادوها بعيدًا إلى قلب الحقول.

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل.

كانت تستغيث، وتتوسل، وتطلب الرحمة.

وترجوهم أن يخلوا سبيلها، لكن صراخاتها تاهت في ظلام الريف، ولم تجد آذانًا تصغي ولا قلوبًا تلين.

ومرت السنوات، واليوم تكرر المشهد في قرية أخرى، اختلفت الأسماء والوجوه.

لكن القصة بدت وكأنها تعيد نفسها بصورة تكاد تكون مطابقة: ضحية ضعيفة تستنجد بإنسانية غائبة، وجناة يعتقدون أن القوة تمنحهم الحق في سحق الآخرين.

إبراهيم القاضي يكتب: فيلم (برشامة) ألازمة في النص

غير أن ما يؤلم في هذه الوقائع ليس الجريمة وحدها.

بل ما يأتي بعدها، فبعض أولئك الذين ارتكبوا الجريمة الأولى لم يمكثوا طويلًا خلف القضبان، وخرجوا وعادوا إلى حياتهم.

ليجدوا مجتمعًا لا ينظر إليهم باعتبارهم مجرمين ارتكبوا فعلًا مشينًا، يستوجب الخزي والعار، بل وجدوا في بعض المجالس من يستقبلهم بفضول.

ومن يصغي إلى حكاياتهم بإعجاب مستتر، ومن يتعامل مع ما حدث وكأنه مغامرة تستحق أن تُروى.

وربما دُونت تلك الحكايات في دفاتر الذكريات، أو تناقلتها الجلسات الخاصة، أو أعيد سردها بعد سنوات طويلة وسط الضحكات والتعليقات، كما لو كانت إنجازًا شخصيًا لا جريمة أخلاقية.

وكأن الاعتداء على إنسان ضعيف أصبح صفحة يفاخر بها صاحبها بدلًا من أن يخجل منها، وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فالجريمة لا تنتهي عند لحظة وقوعها، بل تستمر حين يعجز المجتمع عن منحها الاسم الذي تستحقه.

تستمر عندما يفشل الناس في عزل الجاني أخلاقيًا، ويمنحونه بدلًا من ذلك قدرًا من الإعجاب أو التسامح أو التبرير.

لقد نشأت أجيال كاملة على فهم مشوه لمعنى الرجولة، فهناك من يتصور أن الرجولة هي القدرة على إخضاع الآخرين.

وأن القوة تعني البطش، وأن الشجاعة تعني فرض الإرادة على الضعفاء، ولذلك يجد بعض المعتدين من يصفق لهم في الخفاء، حتى وإن كان يدينهم في العلن.

أي بطولة هذه؟

أي شجاعة في مجموعة تتكاثر على فتاة لا تملك إلا دموعها وصوتها المرتجف؟ وأي قوة في إنسان يستعرض سطوته على من هو أضعف منه؟

إن البطولة الحقيقية هي حماية الضعيف

لا الاعتداء عليه. والشجاعة الحقيقية هي الانتصار على الوحش الكامن داخل النفس، لا إطلاقه على الآخرين.

وما يزيد المشهد قسوة أن النقاش وخاصة من المتدينين كثيرًا ما ينحرف إلى أسئلة لا قيمة لها: ماذا كانت ترتدي؟

ولماذا خرجت في هذا الوقت؟

وأين كانت ذاهبة؟وكأن الجريمة تحتاج إلى مبرر.

الحقيقة التي يهرب منها البعض هي أن الإنسان لا يفقد حقه في الكرامة بسبب ملابسه، ولا بسبب مكان وجوده، ولا بسبب الساعة التي خرج فيها من بيته.

الكرامة الإنسانية ليست امتيازُا تمنحه الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، بل حق أصيل لكل البشر لا يسقط تحت أي ذريعة.

وأحياناً أتساءل: لو كانت الضحية ابنة صاحب نفوذ، أو ابنة مسؤول كبير، هل كان الجناة سيقدمون على فعلتهم؟

أم أنهم اختاروا ضحيتهم لأنهم رأوا فيها ضعفًا لا قدرة له على الرد؟

ذلك السؤال لا يبرر الجريمة

ولا يغير من طبيعتها، لكنه يكشف حقيقة مرة: أن كثير من البشر لا يتوقفون أمام الضمير، بل يتوقفون فقط أمام الخوف من العقاب.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع المجرمين وحدهم، بل مع الثقافة التي تسمح بتحويل المعتدي إلى بطل، أو إلى شخصية مثيرة للإعجاب، أو إلى صاحب حكاية تُروى في المجالس.

فالمجتمع الذي يمنح الجاني بطولة زائفة يزرع بذرة الجريمة القادمة.

أما المجتمع الذي يقف بلا تردد ولا نفاق إلى جوار الضحية، ويرفض التبرير والتساهل والتفاخر بالقسوة، فهو وحده القادر على حماية أبنائه وبناته.

فالضحية ليست موضع اتهام، والمعتدي لن يكون بطلًا.

وبين هاتين الحقيقتين البسيطتين يقف الحد الفاصل بين مجتمع يحرس إنسانيته، وآخر يفقدها من دون أن يشعر.

شارك المقال: