د. محمد محفوظ يكتب: مفارقة حماية الديمقراطية بعدم ممارستها!

صورة أفيش الفيلم
“نحن هنا للحفاظ على الديمقراطية، وليس لممارستها”
We’re here to preserve democracy, not to practice it
وردت هذه العبارة في الفيلم الأمريكي البديع : المد القرمزي Crimson Tide على لسان الكابتن / فرانك رامزي ( جين هاكمان ) قائد إحدى الغواصات النووية الأمريكية .
وكان الكابتن رامزي قد استدعى لكابينته بالغواصة الضابط التنفيذي / رون هانتر ( دنزل واشنطن ) ليوبخه، ويأمره بضرورة عدم مراجعته في أوامره وتوجيهاته أمام طاقم السفينة.
ثم أمام الجنود باعتبارهم مجرد صبية تم تدريبهم للالتزام بتنفيذ أوامر رهيبة بدون تفكير ، والشيء الوحيد الذي يشجعهم على ذلك إيمانهم بوحدة القرار.
وبالتالي إذا كان هناك ضرورة تستدعي مراجعة قائد الغواصة في قراراته ، فليكن ذلك في الحجرات المغلقة وليس أمام رؤساء طاقم الغواصة والجنود.
ولخص الكابتن رامزي وجهة نظره النابعة من التقاليد العسكرية في العبارة التي أصبحت قولا مأثورا في تاريخ السينما الأمريكية :
“نحن هنا للحفاظ على الديمقراطية ، وليس لممارستها”
وبالفعل ، حتى في النظم الحرة، لا يمارس العسكريون الديمقراطية في المهام التي يضطلعون بها، حتى لو كان من بين تلك المهام حماية الديمقراطية ذاتها من أعدائها .
وهذا هو الفرق بين كل من : العسكريين، والسياسيين .
فبينما لا يمكن للعسكريين تنفيذ تكليف حماية الديمقراطية، إلا بعدم ممارستها.
د. محمد محفوظ يكتب : كرامات الديمقراطية لا يدركها المستبدون
د. محمد محفوظ يكتب : مساحيق تجميل الديكتاتورية
فإن السياسيين، لا يمكنهم حماية الديمقراطية، إلا بممارستها .
لذلك، أصبح من المسلمات في النظم الحرة، أن لا تنخرط المؤسسة العسكرية في الساحة السياسية، لأن منتسبيها غير مؤهلين بحكم الإعداد والتدريب للممارسة الديمقراطية .
فالمدفع والبندقية ، والطوربيد والصاروخ ، والطائرة والدبابة ، والمعسكرات وجبهات القتال، لا يمكن استغلال قدراتها القتالية والتدميرية بأدوات الديمقراطية وآلياتها ، وإنما بالسمع والطاعة ، بلا مناقشة أو مقاطعة أو مراجعة.
بينما المصنع والمزرعة، والمدرسة والجامعة، والبرلمان والقضاء، والوزارات والمؤسسات، والفن والإعلام والثقافة، لا يمكن تعظيم قدراتها التنموية إلا بأدوات الديمقراطية وآلياتها، المتمثلة في الحوار والتفاوض والمساومة والتوافق والتنازل والرأي والرأي الآخر.
ولهذا ، بينما تبدو عبارة الكابتن / رامزي للوهلة الأولى ، صادمة بجلافتها العسكرية .
إلا أنها تؤشر لمبدأين مهمين تتأسس عليهما الدولة الديمقراطية
– المبدأ الأول :
أن العسكريين بعدم ممارستهم للديمقراطية ، هم بالتبعية كادر مناقض للممارسة السياسية، ولهذا توجد أعلى بوابة السياسة في النظم الديمقراطية قاعدة قانونية أو عرفية معلومة للكافة مفادها :
( ممنوع دخول العسكريين إلا بعد فترة انتقالية تسمح باندماجهم بالحياة المدنية بعيدا عن المؤثرات والعقيدة العسكرية ) .
– المبدأ الثاني :
أن تكليف العسكريين بمهمة حماية الديمقراطيات من أعدائها ، لا ينبغي أن يتم إلا تحت قيادة ورقابة ومتابعة الكوادر السياسية بخلفيتها المدنية وبإذن منها .
وذلك لبديهية منطقية مفادها :
“أن اليد الموضوعة على الزناد ، تحتاج إلى عقل بارد لاتخاذ القرار “
وإذا كانت اليد الموضوعة على الزناد هي يد العسكريين .
فإن العقل البارد الذي يتخذ القرار هو عقل السياسيين .
وللأسف ، فإن هذين المبدأين المستقرين في صلب بنيان النظم الديمقراطية، لا يجدان لهما مكانا بالطبع في النظم الديكتاتورية.
حيث تكون (الثكنة) هي الفناء الخلفي للقفز على مقاعد السلطة، بينما (الدبابة) هي وسيلة الانتقال من مقر قيادة المعسكر إلى قصر الحكم ، للإنقلاب على كل السلطات القائمة!
ولذلك ، في ظل تلك النظم التي تصبغ كراسي السلطة ومؤسساتها بألوان الكابات والباريهات والأفرولات، تتحول مقولة الكابتن / رامزي إلى نقيضها وعكسها ، لتصبح وبكل الغصة والحسرة والألم :
“نحن هنا للحفاظ على الديكتاتورية، وممارستها”
لتغدو النسخة الديكتاتورية من الفيلم ، باسم : (( المد الكاكي )) !!!






