لماذا قال سبحانه “لو كره الكافرون” في آية و”لو كره المشركون” في أخرى؟
الفرق بين الآيتين أن آية التوبة في الكفار، وآية الصف في المنافقين، فالكفار يحاربون الاسلام صراحة (يريدون أن يطفؤوا نور الله) ويأبى الله إلا أن يتم نوره

صورة تعبيرية للمقال
آيتان في سورة التوبة متشابهتان مع آيتين في سورة الصف
هناك آيتان في سورة التوبة متشابهتان مع آيتين في سورة الصف تحضرني لطيفة قرآنية بخصوصهما:
“يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)” (سورة التوبة).
“يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)” (الصف)
يحضرنا سؤال: لماذا قال سبحانه ولو كره الكافرون في الآية الأولى وقال ولو كره المشركون في الآية الثانية؟
الفرق بين الكافر والملحد والمشرك
الكفار صنفان: ملحدون منكرون لوجود الله، ومشركون يشركون في عبادة الله سبحانه بآلهة آخرين. فلفظ الكافر أعم من الملحد والمشرك، أي أن الكفر مظلة يندرج تحتها الصنفان.
أي أن كل ملحد كافر وكل مشرك كافر، والعكس غير صحيح أي ليس كل كافر ملحد فهناك كافر مشرك وليس بملحد، وليس كل كافر مشرك فهناك كافر ملحد ينكر وجود الله كما ينكر وجود أي إله.
ماذا تعني “ولو كره الكافرون”؟
أحسب أن الآية 32 في سورة التوبة والآية 8 في سورة الصف هي في شأن الكفار عامة (الملحدين والمشركين)
أي الملاحدة المنكرين لوجود الله والمشركين الذين يشركون في عبادته إذ يتهكم القرآن منهم لأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم.
وكأن نور الله نور شمعة أو نور مصباح يضاء بالزيت، حاش لله، يريدون أن يطفئوا نور الله المتمثل في آياته (معجزاته) ونعمه ونور رسالته وقرآنه الواضح المبين كضوء الشمس (ولله المثل الأعلى)
يريدون أن يطفئوا نور الله لأن هذا النور دليل على وجوده سبحانه فهو يدحض ما يدعونه ودليل على كذب ادعائهم بعدم وجود الله.
ويأبى الله إلا أن يتم نوره في كل الكون من مشارقه إلى مغاربه إذا جاز التعبير، سيتم الله نوره رغم محاولاتهم الهزلية لإطفائه بإنكارهم معجزاته ونعمه ورسالته وقرآنه.

ماذا تعني “ولو كره المشركون”؟
كما يظهر لي أن الآية 33 في سورة التوبة والآية 9 في سورة الصف هي في شأن المشركين كما تقول الآية، والمشركين الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين يتخذون من الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب والملائكة آلهة تعبد من دون الله.
وهم المشركون من أهل الكتاب من اليهود الذين قالوا عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله أو هو الله، تتحدث الآية عن المشركين الذين يشركون في عبادته سبحانه.
ويريدون أن يظهر دينهم على دين الإسلام الذي أرسل الله سبحانه به محمدا صلى الله عليه وسلم، دين الهدى ودين الحق ليظهره على كل ما سبقه من الأديان.
فهو الدين الخاتم الحي المتجدد الصالح لكل مكان وزمان حتى قيام الساعة رغم أنوف المشركين الذين يريدون ألا يعلو الإسلام على دينهم.
إضافة للدكتور فاضل صالح السامرائي
يؤيد ما ذهبنا إليه ويثريه ما ذكره الدكتور فاضل صالح السامرائي في فيديو له:
من حيث اللغة: كفر في لغة العرب تعني غطى، والليل عند العرب كافر وأيضا الظلام، ومن هنا ناسب آية نور الله ما يقابلها وهو الظلام والظلام كفر، ومن هنا كان استخدام الكافرون مع نور الله أنسب.
ومن حيث البلاغة: الكفر أعم من الشرك، ونور الله أعم من رسول الله فرسول الله بعض من نور الله، فناسب العام مع العام (نور الله مع الكافرون)، وناسب الخاص مع الخاص رسول الله مع المشركين.
ولطيفة أخرى للشيخ محمد الطاهر عاشور
ومن اللطائف المتداولة التي تُنسب إلى الإمام محمد الطاهر ابن عاشور أن سأله أحد الطلاب:
ما الفرق بين قوله تعالى: “يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره” (التوبة 32) وقوله تعالى “يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره” (الصف 8)؟
فقال رحمه الله تعالى: الفرق بين الآيتين أن آية التوبة في الكفار، وآية الصف في المنافقين، فالكفار يحاربون الاسلام صراحة (يريدون أن يطفؤوا نور الله) ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وأما المنافقون فحروبهم غير مباشرة فهم يعملون مشاريع وخطط وأساليب (ليطفؤوا نور الله) والله متم نوره.
فلما كانت إرادة الكفارة صريحة قوبلوا بإرادة صريحة (ويأبى الله)، ولما كان قصد المنافقين بمشاريعهم وخططهم إنقاص الدين قوبلوا بنقيض قصدهم (والله متم نوره).
الخلاصة
من هنا تكون إجابة السؤال: لماذا قال سبحانه ولو كره الكافرون في الآية الأولى وقال ولو كره المشركون في الآية الثانية؟
الكفار عامة (من الملاحدة المنكرين لوجود الله والمشركين في عبادته) يريدون أن يطفئوا نور الله الذي يفضح كذبهم، بينما المشركون يريدون أن يظهر دينهم على دين الإسلام حسدا من عند أنفسهم.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم






