أحمد علام يكتب: العوضي والفردانية وأشياء أخرى
انتشار خطاب العوضي يكشف أيضًا عن تعاظم مؤشرات تحول المجتمع العربي نحو النيوليبرالية، لا بمعناها الاقتصادي الضيق المتعلق بالخصخصة وحرية السوق فقط، بل بوصفها فلسفة كاملة

ضياء العوضي صاحب نظرية نظام الطيبات (وسائل التواصل)
لم يكن الدكتور ضياء العوضي مجرد طبيب ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، وقدم للناس نصائح غذائية خالف فيها بعض ما استقر عليه الخطاب الطبي السائد.
لقد تحول الرجل، خلال فترة وجيزة، إلى ظاهرة جماهيرية عربية، وإلى سلطة غذائية موازية، استطاعت أن تقنع أعدادًا كبيرة من الناس، من المحيط إلى الخليج، بالامتناع عن الدجاج الأبيض وبيض المائدة وقائمة متسعة من الأغذية.
ثم خرج الأمر من غرف النوم ومطابخ البيوت وصفحات الهواتف إلى السوق الحقيقي:
تراجع الطلب، وتراكم الإنتاج، وانخفضت الأسعار، وتعرض مربون ومنتجون وتجار لخسائر فادحة.
وفجأة اكتشفنا أن مقطعًا مصورًا يمكن أن يهز دورة اقتصادية كاملة، وأن فردًا يقف أمام هاتفه يستطيع أن يؤثر في أرزاق آلاف الأسر، بينما تقف المؤسسات الصحية والرقابية والإعلامية عاجزة عن الإقناع أو حتى عن فهم ما يحدث.
ليس المقصود هنا مهاجمة رجل رحل عن عالمنا، ولا التشكيك في إخلاصه أو نياته. كما لا يمكن لعاقل أن ينكر الحقيقة التي انطلق منها جانب من خطابه:
نحن نعيش بالفعل وسط بيئة مشبعة بالملوثات
نتنفس هواءً ملوثًا، ونشرب ماءً لا نعرف دائمًا سلامة مصادره وشبكاته، ونأكل طعامًا تدخل في إنتاجه المبيدات والمضادات الحيوية والمواد الحافظة والإضافات الصناعية.
كما أن الرقابة في مجتمعاتنا لا تتمتع دائمًا بالكفاءة أو الشفافية أو الاستقلال الذي يجعل المواطن يطمئن إلى كل ما يوضع على مائدته.
لكن الإقرار بوجود التلوث لا يعني التسليم بكل ادعاء يرفع شعار مقاومة التلوث.
والاعتراف بفساد بعض حلقات صناعة الغذاء لا يحول كل منتج غذائي إلى سم، ولا يمنح فردًا، مهما كان واسع الانتشار، حق إصدار أحكام عامة تتعلق بصحة ملايين البشر وباقتصاد قطاعات إنتاجية كاملة.
القضية إذن ليست: هل نحب العوضي أم نكرهه؟
وهل نترحم عليه أم ننتقده؟
القضية الحقيقية هي: كيف تحول فرد واحد إلى مرجعية عابرة للحدود؟
ولماذا سلّم له جمهور واسع عقولهم وموائدهم وقراراتهم الصحية؟
ولماذا أصبحت المجتمعات العربية قابلة لأن تقاد غذائيًا وطبيًا واقتصاديًا من خلال مقاطع قصيرة؟
السوق لا يكافئ الحقيقة
الإجابة الأولى تكمن في اقتصاد الانتباه. فنحن لا نعيش في سوق للأفكار تحكمه قوة الدليل فقط، بل في سوق تحكمه القدرة على الصدمة والإثارة والتخويف.
المنصات الرقمية لا ترفع المحتوى الأكثر دقة، بل المحتوى الأكثر جذبًا للنقرات والتعليقات والمشاجرات.
الطبيب الذي يقول للناس إن بعض مزارع الدواجن قد تستخدم المضادات الحيوية بطريقة غير منضبطة، وإن جودة الإنتاج تختلف من مزرعة إلى أخرى، وإن سلامة الغذاء تحتاج إلى فحوص رقابية مستمرة، يقدم خطابًا علميًا معقدًا لا يصلح للانتشار الواسع.
أما من يقول: «لا تأكلوا الدجاج الأبيض» فإنه يقدم جملة قصيرة، قاطعة، مخيفة، وسهلة التنفيذ.
اقتصاد الانتباه يكره الاحتمالات، ويعاقب التردد العلمي، ويمنح الأرباح والشهرة لمن يقدم اليقين الكامل، حتى في أكثر القضايا تركيبًا.
وهكذا لم يعد المهم أن تكون الفكرة صحيحة، بل أن تكون قابلة للتداول.
ولم يعد المطلوب دليلًا متماسكًا، بل قصة مؤثرة، وشهادة مريض، وقائمة محظورات، وعدو واضح يمكن تحميله مسؤولية الأمراض كلها.
إننا أمام صناعة جديدة للسلطة. لم يعد صاحب السلطة هو من يملك مختبرًا أو مؤسسة أو تراكمًا علميًا، بل من يملك الكاميرا والجمهور والقدرة على تحويل الخوف إلى متابعة يومية.
النيوليبرالية تدخل إلى أجسادنا
لكن تفسير الظاهرة باقتصاد الانتباه وحده غير كافٍ
فانتشار خطاب العوضي يكشف أيضًا عن تعاظم مؤشرات تحول المجتمع العربي نحو النيوليبرالية، لا بمعناها الاقتصادي الضيق المتعلق بالخصخصة وحرية السوق فقط، بل بوصفها فلسفة كاملة تعيد تشكيل الإنسان وعلاقته بالمجتمع والدولة والجسد.
النيوليبرالية تقول للفرد، بصورة مباشرة أو ضمنية: أنت المسؤول وحدك عن نجاحك وفشلك، عن فقرك وغناك، عن صحتك ومرضك.
فإذا مرضت، فلا تسأل عن تلوث الهواء، ولا عن فساد الغذاء، ولا عن ضعف الخدمات الصحية، ولا عن سياسات الإنتاج الزراعي، بل اسأل نفسك: ماذا أكلت؟
وهل التزمت بالنظام الصحيح؟
وهل اشتريت المنتج الصحي؟
وهل امتلكت الوعي الكافي لإنقاذ جسدك؟
وهكذا تتحول الصحة من حق اجتماعي ومسؤولية عامة إلى مشروع فردي.
يصبح الجسد شركة صغيرة، وصاحبه مديرًا تنفيذيًا لها، مطالبًا طوال الوقت بإدارة المخاطر، واختيار الغذاء، ومراقبة الوزن، وشراء المكملات، ومتابعة المؤثرين، وتحمل نتيجة كل خطأ.
بدلًا من أن نطالب الدولة بضبط مزارع الدواجن ومصانع الأعلاف، يقال لنا: امتنعوا عن الدجاج.
وبدلًا من فرض رقابة جادة على البيض، يصبح الحل أن نخرجه من وجباتنا. وبدلًا من إصلاح منظومة الإنتاج، ينسحب كل فرد إلى نظامه الخاص، معتقدًا أنه بذلك قد نجا.
هذه هي النيوليبرالية في صورتها اليومية الفجة: تفكيك المشكلة العامة إلى ملايين المشكلات الفردية، ثم تحميل كل إنسان مسؤولية خلاصه الخاص.
“أنقذ نفسك” بدلًا من “أصلح المجتمع”
لقد نجح هذا الخطاب لأنه قدم للفرد فعلًا بسيطًا في مواجهة عالم معقد. الإنسان لا يستطيع تنقية الهواء، ولا مراقبة مصانع الغذاء، ولا تغيير سياسات الزراعة، ولا محاسبة أصحاب المصالح الكبرى.
لكنه يستطيع أن يرفض شراء دجاجة أو طبق بيض.
الامتناع يمنحه شعورًا بالقوة. لقد اكتشف العدو، واتخذ القرار، وحمى نفسه وأولاده. لكن هذا الشعور بالسيطرة يخفي عجزًا أكبر.
فقد تراجع الإنسان عن المطالبة بإصلاح المجتمع، واكتفى بمحاولة الهروب الفردي من أخطاره.
في المجتمع المتماسك، إذا تلوث الغذاء قامت حركة اجتماعية تطالب بتشديد الرقابة ونشر نتائج الفحوص ومعاقبة المخالفين.
أما في المجتمع النيوليبرالي، فينقسم المواطنون إلى أفراد مذعورين، كل واحد منهم يحمل قائمته الخاصة، ويبحث عن طريق نجاته بمعزل عن الآخرين.
وهكذا لا تنتج الفردانية مواطنًا أكثر استقلالًا،
بل مستهلكًا أكثر خوفًا، ينتقل من نظام غذائي إلى آخر، ومن مؤثر إلى غيره، ومن قائمة محظورات إلى قائمة أطول، بينما تظل البنية التي تنتج التلوث كما هي.
القرار الشخصي الذي يدمر الآخرين.
يردد كثيرون أن من حق الإنسان أن يختار ما يأكله، وهذا صحيح. لكن المشكلة تبدأ عندما يتصور الفرد أن اختياره يخصه وحده، ولا أثر له خارج جسده وبيته.
عندما يمتنع شخص واحد عن شراء الدجاج، فهذا قرار شخصي، لكن عندما يمتنع مئات الآلاف بفعل موجة رقمية، يتحول القرار الفردي إلى قوة اقتصادية ساحقة.
يتراجع الطلب، وتنهار الأسعار، ويخسر صغار المربين، ويعجز بعضهم عن شراء الأعلاف أو سداد الديون، وتغلق مزارع، ويخرج منتجون من السوق.
ثم تبدأ الحلقة التالية التي لا يراها الجمهور المنفعل
يقل عدد المنتجين، ويتركز السوق في أيدي الكيانات الأكبر، وينخفض المعروض، ثم ترتفع الأسعار من جديد. وربما يكتشف المستهلك الذي فرح بانخفاض السعر أنه ساهم، من حيث لا يدري، في إخراج المنتج الصغير وتمكين الاحتكار.
الفردانية هنا ليست مجرد فكرة ثقافية، بل قوة مادية تعيد تشكيل السوق.
كل شخص يعتقد أنه يحمي جسده فقط، لكنه يشارك في الإضرار بعامل في مزرعة، أو سائق نقل، أو تاجر أعلاف، أو أسرة تعيش على إنتاج البيض.
ومع ذلك لا يشعر الفرد بأي مسؤولية؛ لأن النيوليبرالية أقنعته بأن السوق مجرد مجموع اختيارات مستقلة، وأن عليه التفكير في مصلحته الخاصة، أما النتائج العامة فليتحملها الآخرون.
من حقك أن تخاف، وليس من حقك أن تستغني عن العلم
تكشف الظاهرة كذلك عن صعود ما يمكن تسميته بـ”الاستغناء بالذات”:
أن يظن الإنسان أن تجربته الشخصية، أو قراءاته المنتقاة، أو نجاح عدد من الحالات التي شاهدها، تكفي لبناء نظرية عامة في المرض والغذاء والعلاج.
قد يكون صاحب الخطاب صادقًا، وقد تكون لديه ملاحظات صحيحة، وقد تتحسن حالات بالفعل نتيجة تغيير نمط الغذاء.
لكن التجربة الفردية لا تصبح علمًا لمجرد تكرار روايتها على الشاشة. المعرفة الطبية لا تبنى بالشهادات المؤيدة وحدها، بل بالدراسات المقارنة، والتحقق المستقل، ومراجعة النتائج، والاعتراف بالحالات التي لم تنجح.
العلم المؤسسي ليس طاهرًا من المصالح، ولا معصومًا من الخطأ، وقد تتلاعب به شركات الأدوية والغذاء.
لكن نقد العلم لا يكون بإلغائه وإحلال يقين فردي مكانه، والرد على فساد بعض المؤسسات ليس بتحويل كل صاحب حساب واسع الانتشار إلى كلية طب ومستشفى ومختبر وهيئة رقابة في شخص واحد.
الأخطر أن هذا الاستغناء ينتقل إلى الجمهور. يشاهد الفرد سلسلة من المقاطع، فيتحول إلى طبيب لأسرته، يشخص الأمراض، ويمنع الأطعمة، ويوقف الأدوية، وينصح المرضى، ويجادل المتخصصين. وهكذا ننتقل من أزمة الثقة في المؤسسة إلى إلغاء الحاجة إليها تمامًا.
حين يتحول النظام الغذائي إلى عقيدة
لم يعد اتباع خطاب العوضي لدى بعض جمهوره مجرد اختيار غذائي، بل تحول إلى هوية جماعية. هناك «واعون» اكتشفوا الحقيقة، وهناك آخرون ما زالوا مخدوعين.
وهناك طيبات، وخبائث، وليس مجرد أطعمة تختلف جودتها وطرق إنتاجها وتأثيراتها من شخص إلى آخر.
وحين تدخل اللغة الأخلاقية والدينية إلى تصنيف الغذاء، يصبح الاعتراض الطبي شبه اعتراض على الفضيلة. لا يعود النقاش حول قوة الدليل، بل حول نقاء الشخص ووعيه وشجاعته في مواجهة المنظومة.
بعد وفاة العوضي، أضيف إلى ذلك بُعد عاطفي، أصبح نقد أفكاره عند بعض المتابعين اعتداءً على رجل غائب، وأصبح الدفاع عنها وفاءً لذكراه.
وهنا تحولت الفكرة من موضوع للفحص إلى جزء من علاقة وجدانية وجماعة هوية يصعب الانفصال عنها.
المؤسسات صنعت خصومها
مع ذلك، لا يحق للمؤسسات أن تسخر من الناس أو تلقي باللوم كله على المؤثرين.
فالفراغ الذي ملأه العوضي صنعته المؤسسات نفسها:
مؤسسات لا تشرح، ولا تنشر بيانات، ولا تحاسب المخالفين علنًا، ولا تخاطب الناس إلا بعد انفجار الأزمة.
المواطن لا يثق في بيانات الطمأنة لأنه اعتاد أن يسمع أن “كل شيء تحت السيطرة”، ثم يكتشف بعد ذلك وقائع الغش والتلوث والاحتكار.
ولذلك عندما يظهر شخص يقول له إن الجميع يخدعونه، يجد كلامه تربة جاهزة.
إن استعادة الثقة لا تتم ببيان مقتضب يقول إن الدواجن والبيض آمنان، بل بنشر نتائج العينات، وأسماء الجهات المخالفة، ونسب بقايا المضادات الحيوية، ومصادر الأعلاف، وإجراءات العقاب.
الشفافية وحدها تهزم الشائعة، أما السلطة المجردة فقد أصبحت عاجزة عن الإقناع.
ما بعد العوضي
ظاهرة العوضي ليست واقعة غذائية وانتهت، بل جرس إنذار إنها تكشف مجتمعًا يتقدم سريعًا نحو الفردانية النيوليبرالية:
كل إنسان وحده، وكل جسد مشروع خاص، وكل مرض خطأ شخصي، وكل أزمة عامة يمكن الهروب منها بقرار استهلاكي.
كما تكشف عن مجتمع فقد ثقته في المؤسسة، فسلّمها للمؤثر؛ وفقد قدرته على التنظيم الجماعي، فاختار المقاطعة الفردية؛ وأرهقه تعقيد العلم، فبحث عن إجابات قصيرة قاطعة.
القضية ليست في الدجاجة ولا في البيضة. القضية في انتقال المرجعية من المختبر إلى الشاشة، ومن المعرفة المتراكمة إلى الكاريزما، ومن إصلاح المجتمع إلى نجاة الفرد، ومن المسؤولية العامة إلى عبارة نيوليبرالية باردة:
أنقذ نفسك، وليدفع الآخرون الثمن
رحم الله الدكتور ضياء العوضي، لكن الرحمة بالرجل لا تعني تقديس أفكاره، ولا تعفي المجتمع من تشريح الظاهرة التي صنعت نفوذه.
فالخطر الحقيقي ليس أن يخطئ طبيب في تقدير غذاء، بل أن يصبح المجتمع كله مستعدًا لأن يعيد تشكيل صحته واقتصاده اعتمادًا على خطاب فرد واحد، ثم يسمي ذلك وعيًا واستقلالًا.






