مقالات
سامح حسنين
سامح حسنين

كاتب صحفي

سامح حسنين يكتب: لا تكن محايدا

أقسم أني كنت أبكي عليًا في الشام حين جاء خبر مقتله وهو يصلي، لكني بكيت أكثر حين سمعت أحدهم يصيح مستنكرًا: أوكان علي يصلي

مشاركة:
حجم الخط:

أقسم أني رأيت رأسي ترقد إلى جوار رأس سيدي الحسين حين حزهما شمر بن الجوشن، وسال دمي مع دم “أبويا”محمد أبو سويلم حين انهالت فوقنا كعوب البنادق لكننا ابتسمنا ابتسامة بطعم البكاء.

ورأيت رأسي معلقة في المشنقة مع سيدي عمر المختار وفاطمة العبارية تطلق زغرودتها في معتقل سلوق.

واستقر قلبي مع نفيسة في قاع النيل في البداية والنهاية، وتجرعت الثاليوم مع وديع حداد وتآمرت الصحة في فرنسا في تقريرها حول سبب الوفاة.

ودخلت مدينة السويس مع عبد الرحمن سائق سيارة الأهرام في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1973 وقاتلنا قوات شارون المتقدمة.

ورأيت فرج الأكتع يسرق رواتب الجنود ولم أعد لا أنا ولا السائق عبد الرحمن لتروينا قصة الغريب.

وبكيت مع النسوة اللاتي صرخن ولطمن وجوههن في الشرفة المطلة على سفارة العدو يوم افتتاحها ونحن نشاهد علم العدو في سماء القاهرة.

لكني طاردت عناصر الموساد مع العقيد محمود نور الدين وخالد جمال عبد الناصر في تنظيم ثورة مصر الناصرية.

سامح حسنين يكتب: منك لله يا عبد الناصر !

سامح حسنين يكتب: وللشهداء أجنحة

وسُجنت مع حسن عز الرجال وخرجنا لننتقم مع الظابط الشريف وبنت الغريب من فرج الأكتع.

أما الرصاصة التي أصابت ساقي في اغتيال بشير الجميل فكانت فداءً لحبيب الشرتوني.

وجُلدت مع أحمد سبع الليل لندافع عن بلدياتنا الطالب المنحاز حسين وهدان الذي لم يكن أبدًا من أعداء الوطن.

لكن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال:  إنهم يأتمرون بي ليقتلوني مع السيد.

ولم أخرج من المدينة فصبوا علينا ثلاثة وثلاثين طنًا من المتفجرات وما تركتك يا سيد، ما تركتك!!

وأقسم أني قاتلت كتفًا بكتف مع المختار الثقفي وتحاملنا على سيوفنا رغم الطعنات لنلحلق بالسنوار حين اكتشفنا الخيانة فقاتلنا كما يليق بالرجال لنموت كما الأشجار وقوفًا.

أقسم أني كنت أبكي عليًا في الشام حين جاء خبر مقتله وهو يصلي، لكني بكيت أكثر حين سمعت أحدهم يصيح مستنكرًا: أوكان علي يصلي؟!

وكنت مع عرابي باشا حين عاد من المنفى – وكان قد فقد معظم نظره- وبكيت حين رأيت أحدهم يبصق في وجهه قائلًا: يا خائن!

كم حاولت أن أضمد جراح عمار بن ياسر – الذي قتلته الفئة الباغية- وحين فشلت، انفطر قلبي وأنا أسمع معاوية وعمرو يقولان: قتله من أخرجه!

وهرولت لأحذر الرئيس إبراهيم الحمدي من مؤامرة الهديان والغشمي وعفاش، لكني تأخرت، فصرخت حين وجدتهم يخرصون بعدما اغتالوه بكونها جريمة شرف!

كم سعيت لأقنعهم أن أبي مازال حيًا، وأنه فقط توارى قليلًا ليستريح من أسفاره الطويلة، لكني لعنتهم حين أشاروا إلى شاهد قبر وقالوا: هنا يرقد أبوك!!

ما قدرت الله حق قدره، لكني أعلم أنه يعرفني من الداخل ولربما يعذر اضطرابي، وقد يجد لي مئة عذر وعذر ” منك وإليك”

أصارع ذاتي كل ليلة لئلا أسمع أم كلثوم لكن صوتها في النهاية ينتصر ” أطاوع في هواك قلبي وأنسى الكل علشانك”

أذهب متأخرا لصلاة الجمعة لئلا ألعن إخباريات الإمام وهو يقص علينا قصص الأعرابي التي ما حدثت.

أصلى الركعتين وأخرج مسرعًا وأعوذ بعقلي ” مفيش فايدة”!

أراوض عينيّي لئلا أشاهد مذابح شعبنا في القطاع، لكنها بالدمع تجود وتجود ” وبالدمع جودي يا عين”!

أضبط مفرداتي ما استطعت في الكتابة، جعلوا مني رقيبًا عليَّ، لم ترهبني يومًا سجونهم ولا الإنفرادي.

لكني أخجل من يتم صغيرتي، ومن دمع ابني حين يشعر بالاكتئاب- ورث أسوأ ما فيَّ- فألعن نفسي وألعن دين الجبن.

وأكتب ” إن عشت فعش حرًا أو مت كالأشجار وقوفًا”

والله لو على المشانق عُلقتٌ لن أتخلى عن خيار المقاومة ” واللي يحارب الصهيوني راح أشيله جوا عيوني”

لديّ برنامج قراءة منضبط لم أتخل عنه منذ كنت في الثانوية العامة، لكني فقدت الشغف، حتى إحساسي بالأشياء يتضاءل شيئًا فشيئًا ” لا شيء يعجبني”

أهرب من صورة أبي -الذي طال غيابه في الموت- ومن فترة لم يعد يأتيني في المنام، فأذهب لرؤية صديقي، صديقي مني وأنا من صديقي حمدين – لربما أرى فيه من أثر أبي!

منذ صعدت أمي إلى السماء وعند منتصف كل شهر قمري أرتدي أفضل ثيابي وأتطلع للقمر لتراني أمي جميلًا كما كانت دومًا تراني!

أتحاشى قراءة وديع سعادة؛ لئلا أكون من المقتحمين، ولئلا أصنع لنفسي زاوية وشجر ومقعد أستريح عليه في الفراغ!

حين قلت يومًا أني أرى الله في قلب صديقي حين يطعم قطة جائعة

لم أكن أهذي بكلمات، فالخير في قلب الإنسان هو تجسيد لوجود الله.

 فيلم إيراني شاهدته قبل فترة يحكي قصة أسرة فقيرة، الأب لا حول له ولا قوة، والأم مريضة وتحتاج جراحة مكلفة، وطفلان ولد وبنت يؤلمهما فقر الأب ووجع الأم، وجدة تدعو الله.

يضطر الزوج أمام اشتداد المرض على زوجته للرحيل للحصول على إعانة من بعض الأقارب في بلدة مجاورة.

يطول غيابه، وتتدهور حالة الزوجة، ولا يملك الطفلان سوى البكاء أمام وجع أمهما، تستمر جدتهما في الدعاء.

يسألها الطفلان، أين الله ؟

ولما لا يأتي ليساعد أمهما، تجيب الجدة أنه موجود في السماء وحتما يساعد الضعفاء.

ينظران للسماء، ويقرران كتابة رسالة إلى الله، يسألانه القدوم لمساعدة أمهما، يرسلان الرسالة إلى الله عبر البريد.

حين تقع الرسالة في يد موظفة البريد تنهار من البكاء، وبدورها تخبر زملاءها، ويجمعون من بعضهم ما استطاعوا، لإجراء عملية للأم ومساعدة الصغيرين.

كان الصغيران يقفان كل يوم أمام المنزل في انتظار قدوم الله، حين أتت سيارة الإسعاف ونزل منها المسعفون صرخا مبتهجين: ها قد أتى الله.

وينتهي الفيلم، كان الله هنا حاضرا في قلب الموظفة وزملائها، وفي قلب المسعفين الذين علموا القصة، فلبسوا ملابس تليق بالله الذي يمثلونه.

سأرى الله دومًا في كل جميل.

أعترف أنني لست محايدًا؛ أنا في جيش الحسين ” أولسنا على الحق؟”

طليعة لسليمان بن صُرد الخزاعي والتوابين ” فخذ من دمنا حتى ترضى”

مع المختار الثقفي، نرفع رايات الثأر للدم المقدس “يا لثارات الحسين”

منحاز لعبد الناصر “نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا”

على درب سيدي عمر المختار، وعبد الكريم الخطابي، ومصطفي بولعيد، لست مع التلموديين الذين يرددون روايات توراتية وينتهجون إسلامًا مظهريًا.

في كتف جيفارا، وفيديل كاسترو وهوجو شافيز، وأولريكا ماينهوف

وعلى عهد وديع حداد والحكيم وأبو علي مصطفى وسعدات، وإبراهيم النابلسي -لم ننحننِ لقصف البارجات ولا لأزيز الطائرات- رفيق زكريا الزبيدي وأيسر وأيهم العامر “طالعك يا عدوي طالع من كل بيت وحارة وشارع”

أغني لتيريزا هيلسا وليلي خالد وشادية أبو غزالة وسناء محيدلي ودارين أبو عيشة “صامدون هنا”

أبنائي هم أبو شجاع ومحمد زكريا الزبيدي ومحمد ناصر الماريو ” رجع الخي يا عين لا تدمعيله، رجع الخي فوق أكتاف رفقاته ومحبينه، رجع الخي يا يمه زغرديله ها الشهيد دماته غالي علينا”!

من فصيلة محمود نور الدين، وخليل الوزير وأبي علي شاهين وسماحة السيد حسن وفؤاد شكر والسنوار.

أنا باقٍ هنا… قرب هذا الدمار العظيم

أمشي ..في صدري مخزن رشاش وعلى كتفي نعشي.

شارك المقال: