د. محمد محفوظ يكتب : مساحيق تجميل الديكتاتورية
حيث استغل النظام النازي دورة الألعاب الاوليمبية لخداع وتضليل العديد من الجماهير الأجنبية والصحفيين الأجانب بتقديم صورة لألمانيا المسالمة والمتسامحة .

هتلر النموذج الأكمل في الديكتاتورية
في عام ١٩٣١ اختارت اللجنة الأولمبية العالمية ، مدينة برلين لتنظيم الدورة الأولمبية رقم ١١ المقرر إقامتها عام ١٩٣٦م .
كان هذا الاختيار بمثابة رسالة مضمونها هو : عودة ألمانيا للمجتمع الدولي بعد عزلها إثر هزيمتها بالحرب العالمية الأولى .
د. محمد محفوظ يكتب : كرامات الديمقراطية لا يدركها المستبدون
د. محمد محفوظ يكتب : مغالطة الايمان بالغيب والعلم الزائف ونظرية المؤامرة
بعد سنتين
وفي عام ١٩٣٣ أصبح أدولف هتلر ، مستشارا لألمانيا ، واستبدل بالديمقراطية الهشة ، ديكتاتورية الحزب النازي الواحد الذي عمل على مراقبة ومصادرة كل مكونات الحياة العامة الألمانية .
رفضت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الديمقراطيات الغربية دعوات مقاطعة الدورة الأولمبية ببرلين ، الأمر الذي أتاح الفرصة لهتلر لتخدير المقاومة العالمية للأيدلوجية النازية العنصرية .
وفي ١ أغسطس ١٩٣٦ افتتح هتلر – على خلفية أنغام الموسيقار الألماني / ريتشارد شتراوس – دورة برلين للألعاب الأولمبية ، وسط هتافات الجمهور الألماني المنبهر المسحور .

ولمدة أسبوعين
أخفت الديكتاتورية النازية شخصيتها الفاشية العسكرية العنصرية خلف مشاهد ومنافسات الأولمبياد .
حيث استغل النظام النازي دورة الألعاب الاوليمبية لخداع وتضليل العديد من الجماهير الأجنبية والصحفيين الأجانب بتقديم صورة لألمانيا المسالمة والمتسامحة .
كان قد تم التجهيز لمنشآت وفاعليات ومشاهد الدورة الأوليمبية بمهارة فائقة ، وخلال أشهر معدودة تم إنشاء استاد عملاق يسع ١١٠ ألف متفرج
وتخصيص قرية أولمبية للرياضيين مترامية الأطراف وسط غابة ومناظر خلابة ، بالإضافة لحوض سباحة أوليمبي تحيط به مدرجات تسع ٢٠ ألف مشاهد .
كما قام النظام النازي بتجهيز العديد من المركبات الرياضية والرايات الأوليمبية التي غطت طرقات وبنايات مدينة برلين .

بالإضافة لطوفان من الصور الملونة والمجلات الموزعة
ولكن الأخطر كان هو التغطية التلفزيونية ، حيث كانت دورة برلين هي الدورة الأوليمبية الأولى التي يتم نقلها عبر التلفزيون على الهواء مباشرة في خطوة تطويرية متقدمة ونقلة نوعية مميزة.
وقد تم نشر ٢٥ شاشة عملاقة في مسارح مختلفة من برلين ، سمحت لعامة الناس بمتابعة ٧٠ ساعة من أحداث البطولة، دون دفع أي مبلغ مالي مقابل ذلك .
ظهرت ألمانيا بوجه المنتصر في الدورة الأولمبية رقم ١١ ، حيث تصدرت المركز الأول في الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية ، ونالت الضيافة الألمانية وحسن الاستقبال إعجاب الزائرين .
كما تناقلت معظم وسائل الإعلام تقرير صحيفة ” النيويورك تايمز ” الذي لقي صدى واسعا ، والذي ذكر بأن الأوليمبياد أعاد ألمانيا إلى المجتمع الدولي ، بل وأظهر الألمان أكثر إنسانية .
وبينما رأى البعض أنه من الصواب أن يستمر هذا المناخ المتفائل المسالم .
إلا أن القليل من الصحفيين استوعبوا أن أوليمبياد برلين لم يكن سوى واجهة تخفي وراءها نظاماً عنصرياً قمعياً عنيفاً كريها .
وبعد ٣ سنوات فقط ، احتلت ألمانيا بولندا في ١ سبتمبر ١٩٣٩.
وبذلك أشعل الراعي للأولمبياد ـ المضياف والمسالم ـ أتون الحرب العالمية الثانية الجهنمية التي راح ضحيتها أكثر من ٦٠ مليون قتيلا وعشرات ملايين الجرحى ، بخلاف الدمار المروع للمدن ، والاستنزاف المربع للاقتصادات والموارد والثروات …. وتقسيم ألمانيا !
وهكذا ، غالبا ما قد تنجح بعض النظم القمعية في تأسيس ما يسمى كذبا وتضليلا بـ ( الديكتاتورية التنموية ) ، وهي ديكتاتورية قد تحقق بالفعل النمو في الاقتصاد
لكنه نمو يؤسس لما يسمى بـ ( التنمية المستباحة ) التي تصب عوائدها في جيوب الطبقة الحاكمة والمحيطين بها من المنتفعين والمقربين ، ولا تلقي إلا بالفتات لجموع المواطنين
بينما على الجانب المقابل
تمارس تلك الديكتاتورية التنموية بلا كلل مهمة تجريف الحياة السياسة ، وسحل حقوق الإنسان ، ومصادرة أي إمكانية لتداول الحكم ، ونسف الحدود الفاصلة بين السلطات .
هي إذن ديكتاتورية قد ترتفع بالمنشآت ، ولكنها تهبط بالإنسان إلى الحضيض .
ديكتاتورية تحتفي بالحديد والحجر ، بينما تزدري إنسانية البشر .
ولذلك ، قد يلتبس الأمر على البسطاء جبرا ، أو المتبسطين اختيارا .
وقد يصعب الفهم على المنبطحين قهرا ، أو المنبطحين خضوعا واستسلاما .
قد يلتبس عليهم الأمر ، فيتوهمون بأن المنشآت والمباني والمصانع والمزارع والاحتفالات والمهرجانات ، هي الدليل على التقدم والتطور والإنجاز ، ومبعث للفخر والكرامة والاعتزاز
ويغيب عنهم أن الحكم الذي تنمحي فيه المحاسبة والمساءلة والرقابة ، ينخر بصلبه سوس الفساد والإجرام والدناءة
لذلك بينما تكون مسألة سقوط النظام مؤجلة وهو في خطواته الديكتاتورية التنموية الأولية ، فإن مسألة سقوطه تكون حتمية كلما ارتفع البناء على أساساته المخوخة ، لتكون السقطة ساحقة مدوية .
لذلك … لا تنخدعوا بأيام الزينة التي تتجمل فيها النظم الديكتاتورية بمساحيق زائفة تدليسية ، لأنها مثل الألعاب النارية التي تضيء لبرهة ظلمة السماء ، وسرعان ما تعود لحلكتها السوداوية .
لا تنخدعوا بأيام الزينة التي تتخفى فيها النظم الديكتاتورية خلف أقنعتها الباسمة الصفراوية ، لأنه حتما سيأتي اليوم الذي ستفضح فيه قدرة الله تعالى ألاعيب السحرة الشيطانية ، فيخسأ الفرعون وملأه ومن أستخفهم فأطاعوه
وينتصر الشعب بشق بحر الطغيان على من قهروه ونهبوه .






