الدراما تقول: يا عزيزي كلنا فاسدون!
ين حكاية الشباب في دمنهور الذين تسلقوا واجهة عمارة معرضين حياتهم للخطر لينقذوا سكان إحدى الشقق من حريق هائل؟ أليست هذه الدراما في أصدق صورها، بلا افتعال ولا صراخ ولا مبالغة

من يتابع المسلسلات المصرية في السنوات الأخيرة، يلحظ بوضوح ذلك التركيز الكثيف على كل ما هو سلبي وسوداوي ومخيف من تحرش، بلطجة، سرقة، نصب، كذب، خيانة، وعلاقات إنسانية مهترئة، مثلما نشاهد في رمضان هذا العام من خلال أعمال مثل “درش” و” حد أقصى” و” علي كلاي” و ” موناليزا” .
وصحيح أن هذه الظواهر موجودة في مجتمعنا، كما هي موجودة في أي مجتمع بشري في العالم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل هي الصورة الغالبة حقا؟ وهل الشارع المصري لا ينتج سوى هذه النماذج القاتمة؟
المفارقة أن الواقع نفسه يقدم يوميا مشاهد مغايرة تماما، مشاهد لو عولجت دراميا بذكاء وعمق لكانت أكثر تأثيرا وأشد إلهاما.
أين الدراما المصرية من قصة شهيد الشرف الشاب الذي فقد حياته وهو يدافع عن فتاة تعرضت للتحرش؟ أليست هذه بطولة إنسانية تستحق أن تتحول إلى عمل فني كبير يعيد تعريف الرجولة والشهامة؟

وأين حكاية الشباب في دمنهور الذين تسلقوا واجهة عمارة معرضين حياتهم للخطر لينقذوا سكان إحدى الشقق من حريق هائل؟ أليست هذه الدراما في أصدق صورها، بلا افتعال ولا صراخ ولا مبالغة؟
بل أين حكاية عامل النظافة الذي أعاد حقيبة تحوي ملايين الجنيهات إلى صاحبها رافضا أن يغير فقره بمال ليس من حقه؟ وأين قصة أمين الشرطة الذي رفض رشوة بملايين، مفضلا أن يبقى نظيف اليد ولا يدخل جوفه لقمة حرام؟
هذه النماذج ليست استثناءات خيالية، بل وقائع حدثت بالفعل وتداولها الناس بإعجاب وفخر، قبل أن تختفي سريعا من الذاكرة.

وفي شهر رمضان، حين تتزين الشوارع بالفوانيس وتزدحم المساجد بالمصلين، نرى موائد الرحمن التي تجمع الغني والفقير في مشهد اجتماعي بديع، يتجاور فيه العامل ورجل الأعمال، الطالب والموظف، في صورة تختصر معنى التكافل.
في حي المطرية، كما في غيره من أحياء مصر، تتحول المائدة إلى مساحة إنسانية مفتوحة، لا يسأل فيها أحد عن هوية الآخر وتذوب الفوارق الطبقية.
أليست هذه أيضا مادة درامية ثرية، قادرة على أن تقدم صورة حقيقية وعميقة عن المجتمع؟
المدافعون عن هذا التركيز على السلبيات يرفعون دائما شعار “الواقعية” و”محاكاة الشارع”. لكن الواقعية ليست انتقاء زاوية واحدة من المشهد وإهمال بقية الزوايا. الواقعية الحقيقية تقتضي أن ترى التناقض: الشر والخير، السقوط والنهضة، الانحراف والاستقامة.
وحين تتحول الدراما إلى مرآة تعكس القبح فقط، فهي لا تمارس واقعية بقدر ما تمارس اجتزاء متعمدا للصورة.
والخطر لا يكمن فقط في تشويه السمعة أو “تصدير صورة سيئة” عن مصر والمصريين وهذا بالطبع صحيح ومؤذي وخطير، بل في التأثير التراكمي على الوعي الجمعي.
حين يرى الشاب نفسه محاصرا على الشاشة بنماذج البلطجي والمتحرش والنصاب، قد يترسخ لديه شعور بأن هذه هي القاعدة، وأن الاستقامة استثناء ساذج لا مكان له. الفن لا يخلق الواقع من العدم، لكنه يساهم في تشكيل تصوراتنا عنه.
ثم إن الدراما، بحكم انتشارها الواسع، ليست مجرد ترفيه، بل هي قوة ناعمة تؤثر في الداخل والخارج. دول كثيرة تدرك ذلك جيدا، فتقدم أعمالا تكشف مشكلاتها، نعم، لكنها في الوقت نفسه تبرز قصص النجاح والتضحية والعمل الجاد.
لسنا بحاجة إلى أعمال دعائية أو بطولات مصطنعة، ولا إلى تجميل ساذج يخفي العيوب. لكننا بحاجة إلى عدالة في الرؤية. مجتمع بحجم مصر، بتاريخه وثقافته وتنوعه، لا يمكن اختزاله في زقاق مظلم أو شقة يسكنها الفساد الأخلاقي. هناك أحياء كاملة تقوم على التكافل، وأسر تربي أبناءها على القيم، وشباب يخاطرون بحياتهم من أجل إنقاذ غيرهم.

السؤال إذن ليس: هل نعرض السلبيات أم لا؟ بل: لماذا نعرضها وحدها تقريبا؟ ولمصلحة من ترسيخ صورة ذهنية قاتمة تحت لافتة الواقعية؟ إن الدراما القادرة على الإمساك بالخيطين معا، خيط الألم وخيط الأمل، هي وحدها القادرة على أن تكون صادقة ومؤثرة في آن واحد.






