حسن مدبولي يكتب: لولا.. آخر الرجال المحترمين!!
فقد عاد لولا إلى السلطة في عام 2022 بعد سنوات من الإقصاء والسجن والصراع السياسي، ثم وجد نفسه أمام اختبار انتخابي جديد في مواجهة التيار الذي مثله جايير بولسونارو.
لم يأتي لولا دا سيلفا من قصور ولم يأتي مدعوما من أحد جاء من قاع المجتمع
لم تكن معركة لولا دي سيلفا الانتخابية في البرازيل مجرد منافسة على مقعد الرئاسة، ولم يكن تجاوزه للنتيجة السلبية بالجولة الأولى مجرد مفاجأة انتخابية، لكن ذلك الفوز يعنى أيضا استمرار الأمل لتجاوز الفاشية المسيحية الصهيونية التى يطلقون عليها تجاوزا مصطلح (اليمين) والتى باتت تهدد مصير البشرية ومستقبلها,
لقد واجه الرئيس البرازيلي خصمًا يمثل امتدادًا لتيار سياسي مدعوم من الغرب بأكمله، في بلد شديد الاستقطاب، وفي عالم تغيرت فيه أدوات السياسة، وأصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا من المعركة على الوعي والاتجاهات الانتخابية، ورغم عمره الكبير، وطيبته ومثاليته، وهزيمته فى الجولة الاولى، نجح الرجل وتياره، فى الصمود والانتصار.
على الرغم من دخول منافسه فلافيو بولسونارو الجولة الثانية متقدمًا ، بعدما حصل في الجولة الأولى على 47.03% من الأصوات مقابل 45.16% للولا .
وكان هذا التقدم، في ظل القاعدة الشعبية والدولة العميقة، التي لا يزال يتمتع بها (اليمين المحافظ) فى البرازيل وغيرها، بنفوذ واضح، كان كافيًا لجعل عودة لولا تبدو صعبة، وأن يتم تكرار ما حدث فى كولومبيا والارجنتين وغيرهما.
لكن النتيجة النهائية جاءت مختلفة
إذ حصل لولا على نحو 51.8% من الأصوات مقابل 48.2% لفلافيو، بفارق تجاوز أربعة ملايين صوت.
وبالتالى تمكن لولا من قلب نتيجة الجولة الأولى، وتوسيع قاعدته الانتخابية، والعودة إلى الرئاسة في مواجهة تيار لم يختفِ بخروج الرئيس اليمينى السابق جايير بولسونارو والد فلافيو من السلطة، بل واصل حضوره من خلال ابنه وتياره البرازيلى المدعوم من الصهاينة والامريكان .
ومن المفيد هنا القول بأن فهم هذه المعركة جيدا يقتضي النظر إلى ما هو أبعد من المرشحين الإثنين وقواعدهما الانتخابية. فالانتخابات الحديثة لم تعد تجري في المجال السياسي التقليدي وحده، بل أصبحت جزءًا من بيئة رقمية تتداخل فيها السياسة مع المصالح الاقتصادية والتكنولوجية، وتتنافس فيها القوى المختلفة على تشكيل الرأي العام وتوجيه اهتمام الناخبين.
فالشركات التي تملك المنصات الرقمية لا تدير مجرد أدوات للتواصل، وإنما تتحكم في جزء مهم من تدفق المعلومات، وفي طبيعة المحتوى الذي يصل إلى المستخدمين ومدى انتشاره.
ومع انتقال الحملات الانتخابية إلى واتساب وفيسبوك وإنستجرام، لم تعد المنافسة مقتصرة على البرامج السياسية والقدرة على إقناع الناخبين في المجال العام، بل امتدت إلى الشاشات الشخصية، حيث تتشكل المواقف وتتغذى المخاوف وتُبنى الانطباعات.
لكن الخوارزميات لا تصنع النتائج الانتخابية بمفردها، وكذلك فانحياز التكنولوجيا لا يعنى فوز حتمى لمرشح وهزيمة آخر.
لكنه يعني أن فهم السياسة بات يتطلب فهم البيئة التي تعمل داخلها، بما تتيحه من فرص للتعبئة والتواصل، وما تفرضه في الوقت نفسه من تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة والاستقطاب وقدرة القوى المختلفة على الوصول إلى الجمهور ببساطة وصدق، وبالطبع فى مناخ غير بوليسى ولا قمعى.
لقد كان الحضور الرقمي أحد ميادين المنافسة في الانتخابات البرازيلية، إذ عمل معسكر لولا على توسيع نطاق التعبئة والوصول إلى ناخبين جدد خلال الجولة الثانية.
لكن هذه الأدوات لم تكن بديلًا من السياسة، بل وسيلة لتعزيزها.
فالتكنولوجيا قد تساعد على إيصال الرسالة، لكنها لا تضمن وحدها أن تجد الرسالة من يصدقها أو يستجيب لها.
وهذا ما يجعل أرقام الجولة الثانية ذات دلالة خاصة. فقد أضاف لولا أكثر من عشرة ملايين صوت إلى رصيده بين الجولتين، مقابل نحو 3.7 ملايين صوت أضافها فلافيو.
وهو فارق يشير إلى أن المعركة لم تُحسم بمجرد احتفاظ كل طرف بأنصاره، بل بقدرة لولا على توسيع تحالفه الانتخابي وجذب أصوات جديدة.
لا يمكن فصل ذلك عن تجربته السياسية الطويلة.
فقد عاد لولا إلى السلطة في عام 2022 بعد سنوات من الإقصاء والسجن والصراع السياسي، ثم وجد نفسه أمام اختبار انتخابي جديد في مواجهة التيار الذي مثله جايير بولسونارو.
لم تكن خبرة لولا دى سيلفا أو سنوات حكمه كافية وحدها لضمان الفوز، فالناخب لا يصوت على الإنجازات فقط، وإنما يتأثر أيضًا ( للأسف) بتوقعاته ومخاوفه، وبالصورة التي تتشكل لديه عن المرشحين ومستقبل البلاد حتى لو كانت صورة مزيفة إصطناعية
لذلك تجاوزت الانتخابات حدود المفاضلة بين برنامجين اقتصاديين أو اجتماعيين، لتصبح صراعًا على الاتجاه الذي ينبغي للبرازيل أن تسلكه: هل تقفز إلى منحى اليمين المسيحى المنبطح للغرب والمرتبط بإرث بولسونارو ودعم الكنيسة البرازيلية، أم تمنح تيار اليسار والعدالة الاجتماعية الذي يمثله “لولا” فرصة جديدة !؟
الأهم هنا في تجربة” لولا” أنها لا تقدم وصفة جاهزة للفوز، بل تكشف عن إمكانية العودة في بيئة سياسية دولية واقليمية تبدو شديدة الصعوبة، وان كان الأمر لايعنى أيضا،وحتى بعد حسم النتيجة انتخابيا أن الأخطار قد انتهت فى البرازيل، فربما يتم استخدام القضاء والمحاكم وثغرات القوانين لطعن ذلك الأمل، أو قد يحدث اختراقا طبيا أو جرائميا لانهاء مسيرة الرجل ولو بوسائل قذرة يستخدمها دوما المجرمون ( اليمينيون )
شاركنا برأيك