تهجير آلاف الفلسطينيين في الخليل يثير مخاوف من العقاب الجماعي وانتهاك القانون الدولي
بدأت عمليات الإخلاء ليل الجمعة وفجر السبت في منطقتي عين دير بحة والجَلدة. ووفق شهادة حجازي شاور التميمي
التهجير في الخليل
أثارت الإجراءات العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل ومحيطها، يومي 23 و24 أكتوبر/تشرين الأول، مخاوف حقوقية من اتساع نطاق العقوبات المفروضة على السكان الفلسطينيين، بعدما شملت إغلاق مداخل، وإخلاء أحياء سكنية، وهدم ممتلكات، وتنفيذ مداهمات واعتقالات.
وجاءت الإجراءات عقب هجوم مسلح قرب المدينة، أسفر، وفق الرواية الإسرائيلية التي نقلتها وكالات أنباء، عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، ومقتل الفلسطينيين اللذين نفذا الهجوم.
وبحسب تقرير حقوقي، وثّق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تهجير نحو 2500 فلسطيني من منازلهم، فيما قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن نحو ألفي فلسطيني أُبعدوا عن أحيائهم.
وطالت الإجراءات مساحة تقارب 350 دونماً تضم نحو 500 عائلة، بينما تضرر نحو 900 ألف فلسطيني من الإغلاقات على مستوى المحافظة والمناطق المحيطة، بينهم قرابة 250 ألفاً في مدينة الخليل.
إخلاء تحت الضغط وإغلاق يطال الحياة اليومية
بدأت عمليات الإخلاء ليل الجمعة وفجر السبت في منطقتي عين دير بحة والجَلدة. ووفق شهادة حجازي شاور التميمي، وصلت قوة عسكرية إلى منزله قرابة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وأمرت سكانه، وعددهم نحو 70 شخصاً، بالمغادرة خلال 15 دقيقة.
وتوزعت الأسر على منازل أقاربها من دون معرفة موعد العودة. كما أفاد التميمي بأن امرأة مسنة تقارب التسعين من عمرها اضطرت إلى المغادرة محمولة بسبب مرضها.
ولم يقتصر الضرر على النزوح؛ إذ أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية بهدم مبانٍ ومحال تجارية في فرش الهوى، ومداهمة منازل واحتجاز سكان، فيما أعلن نادي الأسير الفلسطيني اعتقال ما لا يقل عن 50 مواطناً في محافظة الخليل.
وأعلنت الهيئة العامة للشؤون المدنية متابعة إصلاح خزان مياه رئيسي في الجلدة، والتنسيق لإزالة نحو 800 طن من النفايات المتراكمة، ومتابعة احتياجات المستشفيات.
تصريحات إسرائيلية تثير أسئلة عن العقاب الجماعي
رافقت الإجراءات تصريحات لمسؤولين إسرائيليين ربطت الإخلاء والهدم بالهجوم. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال زيارته موقع الهجوم في 23 أكتوبر، إن القوات ستخلي السكان وتفتش المنازل، مشيراً إلى تطبيق «النموذج» الذي نُفذ في مخيمات اللاجئين.
وقال كاتس إن السكان لن يُسمح لهم بالعودة إلى أحيائهم حتى الانتهاء من التعامل مع ما وصفه بقضايا حماس في الخليل، فيما توعد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الفلسطينيين بدفع «أثمان باهظة»، متباهياً بهدم مبانٍ.
كما دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى تقييد استخدام الفلسطينيين الطرق المشتركة مع المستوطنين، قائلاً إن حرية تنقلهم أقل أهمية من حق الإسرائيليين في الحياة.
وتثير هذه التصريحات مخاوف بشأن الغرض من التدابير، لكن إثبات المسؤولية الجنائية يتطلب توثيق الأوامر والتنفيذ والنية والظروف المحيطة بكل واقعة.
ومع ذلك، فإن الجمع بين الإخلاء والهدم والإغلاق ومنع العودة، إلى جانب خطاب يتحدث عن دفع الثمن، يثير مخاوف من إجراءات تطال السكان على أساس صلتهم العائلية أو الجغرافية، بدلاً من حصر المسؤولية في الأفراد المشتبه في تورطهم.
القانون الدولي يضع حدوداً للإخلاء والهدم
يشير التقرير إلى أن المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر العقوبات الجماعية وتدابير الترهيب والانتقام من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.
كما تحظر المادة 49 النقل القسري والترحيل، مع استثناءات ضيقة للإخلاء الذي تقتضيه سلامة السكان أو أسباب عسكرية قهرية، وتلزم بإعادتهم إلى منازلهم فور زوال الظروف التي استدعت إخلاءهم.
ولا يجعل انتقال العائلات إلى منازل أقاربها داخل الخليل نزوحها طوعياً إذا جرى تحت الإكراه، كما أن وصف الإخلاء بأنه مؤقت لا يحسم مشروعيته.
أما تدمير الممتلكات فيخضع للمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر تدمير ممتلكات الأفراد أو الجماعات إلا إذا كانت العمليات العسكرية تقتضي ذلك بصورة مطلقة.
ولا يكفي وقوع هجوم قرب مبنى لإثبات ضرورة هدمه، كما لا يبرر الادعاء بمخالفة قواعد الترخيص استخدام الهدم عقوبةً على أفعال ارتكبها آخرون.
وبحسب التقرير، فإن الوقائع تستدعي تحقيقاً مستقلاً في احتمال وقوع انتهاكات قد ترقى، عند استيفاء عناصرها القانونية، إلى جرائم حرب؛ وقد يشكل النقل القسري جريمة ضد الإنسانية إذا ثبت وقوعه ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين.
تداعيات دولية ومسؤولية تتجاوز حدود المدينة
طالبت السلطة الفلسطينية بتحرك دولي لوقف الإجراءات الجماعية ومحاسبة المسؤولين، فيما شكّل محافظ الخليل خلية أزمة لمتابعة العائلات النازحة والمتضررة، وفعّلت البلدية خطة الطوارئ وجهزت مراكز إيواء.
واستقبلت عائلات وأقارب السكان الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، لكن هذه الاستجابة لا تستبدل حق السكان في العودة ولا تعفي القوة القائمة بالاحتلال من التزاماتها.
وأعربت الأمم المتحدة عن قلقها من تصاعد العنف والإغلاقات الواسعة، وما قد تسببه من تعطيل للخدمات وسبل العيش، فيما حذرت منظمة التعاون الإسلامي من تداعيات الإجراءات على الطابع السكاني والجغرافي للخليل، ودعت إلى وقفها وحماية السكان ومساءلة المسؤولين.
وطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بإلغاء أوامر الإخلاء وإعادة السكان وفتح المداخل ووقف الهدم والمصادرة.
ومن منظور العلاقات الدولية، تختبر أحداث الخليل مدى فاعلية قواعد القانون الدولي الإنساني وقدرة المؤسسات الدولية على تحويل الالتزامات القانونية إلى حماية ملموسة للمدنيين.
فالإغلاق الواسع يعطل العمل والتعليم والرعاية الصحية وسبل العيش، ويعمق التوتر بين الاعتبارات الأمنية ومبدأ المسؤولية الفردية.
ويوصي التقرير بوقف التدابير الجماعية غير المستوفية للشروط القانونية، وضمان العودة الآمنة ووصول المساعدات، وحفظ أوامر الإخلاء والهدم والشهادات والأدلة، وإتاحة الرصد والتحقيق المستقلين.
وتظل المساءلة رهناً بأدلة موثقة تبيّن مسؤولية كل جهة وفرد، فيما يبقى احترام حماية المدنيين شرطاً أساسياً لأي معالجة أمنية متوافقة مع القانون الدولي.
وتؤكد الوقائع أهمية المساءلة الدولية وضمان عدم تكرار الانتهاكات بحق المدنيين.
شاركنا برأيك