علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

تركيا بين الشراكات الاستراتيجية والتحركات الدبلوماسية والتحديات الاقتصادية

تجمع هذه التطورات بين ثلاثة مسارات رئيسية في الأجندة التركية: توسيع الشراكات الثنائية، وتكثيف التحركات الدبلوماسية بشأن الأزمات الإقليمية، ومواصلة التعامل مع التحديات الاقتصادية الداخلية.

مشاركة:
حجم الخط:

الرئيس أردوغان يعلن شراكة استراتيجية جديدة مع كندا

تتجه تركيا إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية عبر تعزيز التعاون مع كندا، بعدما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في 22 أكتوبر/تشرين الأول، إطلاق شراكة استراتيجية جديدة بين البلدين، تستهدف تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وفتح مجالات أوسع للتجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي. وجاء الإعلان خلال زيارة كارني إلى تركيا، وهي أول زيارة ثنائية لرئيس وزراء كندي إلى البلاد.

ووفقاً للبيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الكندي، اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع والأمن، إلى جانب توسيع الروابط بين الشعبين.

كما رحّبا بإطلاق الجولة الأولى من المفاوضات بشأن اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين، وبتوقيع اتفاق موسع للنقل الجوي يهدف إلى تحسين الربط وتسهيل حركة التجارة والسياحة.

وشملت المحادثات فرص التعاون في الطاقة النووية المدنية والغاز الطبيعي المسال والطيران والصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة، فضلاً عن إمكانات دعم الشركات التركية والكندية في الأسواق الخارجية.

وأعلن الجانب الكندي كذلك عن بعثة تجارية مرتقبة إلى تركيا خلال عام 2027.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ضوء عضوية البلدين في حلف شمال الأطلسي ومجموعة العشرين، فضلاً عن سعيهما إلى توسيع العلاقات الاقتصادية والأمنية في ظل التحولات الدولية.

ولا يعني الإعلان اكتمال اتفاق التجارة الحرة، إذ لا تزال المفاوضات في مراحلها الأولى، لكن إطلاق الشراكة يوفر إطاراً سياسياً لتطوير التعاون في قطاعات متعددة.

ومن العلاقات الثنائية، انتقلت أنقرة إلى تحرك دبلوماسي أوسع في إسطنبول، حيث اجتمعت ملفات الأمن الإقليمي والملاحة البحرية والنزاعات الدولية على طاولة وزراء الخارجية.

إسطنبول تجمع وزراء خارجية إقليميين وأوروبيين

استضافت إسطنبول في 23 أكتوبر اجتماعاً لوزراء خارجية مجموعة R4+E3، في إطار مساعٍ لتنسيق المواقف بشأن التطورات الإقليمية والدولية.

وتضم المجموعة الأساسية تركيا ومصر وباكستان والسعودية، إلى جانب فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، فيما شاركت إيطاليا أيضاً في الاجتماع، وفقاً لوزارة الخارجية التركية.

وتناول الاجتماع التطورات في الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية، والوضع في مضيق هرمز، والملف اليمني، والجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب سبل تعزيز التعاون بين الدول المشاركة.

وتعكس هذه الملفات تداخل قضايا الأمن الإقليمي مع أمن الممرات البحرية وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.

وفي سياق اللقاءات المصاحبة، استقبل أردوغان وزراء خارجية ست دول، هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وباكستان ومصر والسعودية، بحضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.

إسطنبول تستضيف اجتماعاً لوزراء خارجية "R4" و"E3" لبحث ملفات إقليمية
إسطنبول تستضيف اجتماعاً لوزراء خارجية “R4″ و”E3” لبحث ملفات إقليمية

وجاءت هذه اللقاءات ضمن الحراك الدبلوماسي الذي شهدته المدينة، والذي أتاح للمسؤولين بحث الملفات المشتركة وإجراء مشاورات ثنائية إلى جانب الاجتماع الموسع.

وتبرز أهمية استضافة هذه الاجتماعات في جمع مسؤولين من دول إقليمية وأوروبية حول قضايا تتطلب تنسيقاً مستمراً، ولا سيما مع استمرار النزاعات والتوترات التي تهدد الاستقرار وتزيد المخاوف بشأن الملاحة البحرية وأسواق الطاقة.

كما توفر الاجتماعات مساحة للحوار بين أطراف تتباين مواقفها في بعض الملفات، لكنها تواجه تحديات مشتركة تتجاوز حدودها الجغرافية.

ولم يقتصر الحراك التركي على عقد الاجتماعات واستضافة المسؤولين، بل رافقته رسائل سياسية شددت على دور الحوار والوساطة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق المواجهات الإقليمية.

هاكان فيدان يتمسك بالحلول الدبلوماسية والوساطة

أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن التدخل العسكري ضد إيران لا يمثل حلاً للأزمة، محذراً من مخاطر تصعيد قد يوسع نطاق الصراع في المنطقة.

وجاء موقفه عقب اجتماع R4+E3 في إسطنبول، وسط استمرار المخاوف من انعكاسات المواجهة على الأمن الإقليمي وحركة الملاحة وأسواق الطاقة.

وتنسجم هذه التصريحات مع تأكيد أنقرة أهمية الحوار والوساطة في معالجة النزاعات، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية لفرض التسويات.

كما يبرز موقف تركيا أهمية مشاركة دول المنطقة في معالجة القضايا الأمنية التي تؤثر مباشرة في استقرارها، مع إبقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة.

وفي هذا السياق، استضافت إسطنبول يومي 23 و24 أكتوبر المؤتمر التاسع للوساطة، الذي نظمته وزارة الخارجية التركية تحت عنوان «الشراكات وآفاق جديدة من أجل السلام: الوساطة في عالم متغير».

وجمع المؤتمر مسؤولين وممثلين عن منظمات دولية وإقليمية لمناقشة دور الوساطة في التعامل مع النزاعات المتغيرة وتعزيز فرص السلام.

ويأتي المؤتمر امتداداً لجهود تركيا في دعم الوساطة ضمن المحافل الدولية، بما في ذلك مبادرة «الوساطة من أجل السلام» التي أطلقتها تركيا وفنلندا في الأمم المتحدة عام 2010.

وتؤكد هذه الجهود توجهاً نحو تعزيز الأدوات الدبلوماسية، وإن كانت فاعلية الوساطة تظل مرتبطة باستعداد أطراف النزاعات للمفاوضات والتوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

وبينما تركز التحركات الدبلوماسية على الأزمات خارج الحدود، تواجه تركيا في الداخل تحديات اقتصادية، يأتي التضخم في مقدمتها، وهو ما يجعل قرارات السياسة النقدية جزءاً أساسياً من متابعة المشهد التركي.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان

خفض الفائدة وإصلاح مجلس الأمن ضمن أولويات أنقرة

على الصعيد الاقتصادي، خفّض البنك المركزي التركي، في 22 أكتوبر، سعر الفائدة الرئيسي بمقدار نقطة مئوية واحدة، من 37% إلى 36%، في أول خفض منذ يناير، بعد سلسلة من الاجتماعات أبقى خلالها المعدل دون تغيير.

كما خفّض سعر الإقراض لليلة واحدة من 40% إلى 39%، وسعر الاقتراض لليلة واحدة من 35.5% إلى 34.5%.

وأوضح البنك أن بيانات التضخم والمؤشرات الرائدة تشير إلى تباطؤ الاتجاه الأساسي لارتفاع الأسعار، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ضعف الطلب المحلي واستمرار المخاطر الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية.

وأكد أن السياسة النقدية ستظل مشددة بالقدر اللازم لتحقيق استقرار الأسعار، وأن القرارات المقبلة ستُتخذ بناءً على البيانات وتوقعات التضخم.

ويعكس القرار استمرار محاولة الموازنة بين خفض الضغوط التضخمية ودعم النشاط الاقتصادي، لكنه لا يعني انتهاء مشكلة التضخم أو ضمان تراجع الأسعار بصورة مستدامة.

وستظل نتائج السياسة النقدية مرتبطة بتطورات الأسعار والطلب المحلي وأسعار الطاقة، فضلاً عن انعكاسات الأوضاع الدولية على الاقتصاد التركي.

وفي موازاة الملفات الاقتصادية والدبلوماسية، جدّد أردوغان دعوته إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي، في رسالة بمناسبة الذكرى الحادية والثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، في 24 أكتوبر.

وشدد على ضرورة بناء مجلس أكثر عدالة وشمولاً، وقادر على الاستجابة لتطلعات المجتمع الدولي ومواجهة الأزمات المتصاعدة.

وأشار الرئيس التركي إلى الحروب والكوارث الإنسانية وتغير المناخ والجوع والفقر والعنصرية وكراهية الأجانب والإسلاموفوبيا، مستشهداً بالأزمة في غزة للتأكيد على الحاجة إلى تعزيز فاعلية المؤسسات الدولية.

كما جدّد دعم تركيا لمبادرة الأمم المتحدة «UN80» الرامية إلى تطوير أداء المنظمة، وأشار إلى مساعي بلاده لتعزيز مكانة إسطنبول بوصفها مركزاً للأمم المتحدة.

وتجمع هذه التطورات بين ثلاثة مسارات رئيسية في الأجندة التركية: توسيع الشراكات الثنائية، وتكثيف التحركات الدبلوماسية بشأن الأزمات الإقليمية، ومواصلة التعامل مع التحديات الاقتصادية الداخلية.

وبينما تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها في الملفات الدولية، تبقى نتائج هذه التحركات مرهونة بقدرتها على تحويل الاتفاقات إلى خطوات عملية، وبالتطورات الاقتصادية والأمنية التي تشكل البيئة المحيطة بسياساتها.

شارك المقال:

شاركنا برأيك