مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: مثقفون وعسكر (1-2)

يمكن تصنيف المثقَّفين المصريين وفق علاقتهم بالسلطة، وتصورهم عن طبيعة الدور الذي يقومون به، وفق كثير من الدراسات التي حاولت تصنيفهم من خلال تتبع علاقتهم بالسلطة، إلى خمس فئات رئيسة

مشاركة:
حجم الخط:

 المثقَّف المصري أنواع؟

قبل الإشارة إلى أسباب جنوح نسبة غير قليلة من المثقَّفين إلى موافقة السلطة ومسايرتها في كلِّ مواقفها، سلباً وإيجاباً، يميناً ويساراً، ينبغي أن نشير إلى وجود عدة فئات متباينة فيما بينها تشكِّل في جوهرها علاقة المثقَّف بالسلطة على إطلاقها، وهي علاقة ملتبسة اتسمت بالمحبة والخوف، وبالتقاطع بين المصلحة والمبدأ.. ويمكن تصنيف المثقَّفين المصريين وفق علاقتهم بالسلطة، وتصورهم عن طبيعة الدور الذي يقومون به، وفق كثير من الدراسات التي حاولت تصنيفهم من خلال تتبع علاقتهم بالسلطة، إلى خمس فئات رئيسة:

1. المثقَّف الرسمي أو المثقَّف الموظف العام، أو “إمَّعة الدولة”

وهو مثقَّف يعمل بشكل رسمي في خدمة الدولة، ويعبر عن مواقفها، ويتبنى دائماً مواقفها، ويدافع عنها، ويبرر سياساتها، ويمجِّد رموزها، ويتحدث بلسانها، وغالباً ما يشغل منصباً رسمياً.. وظيفة المثقَّف الرسمي هي التبرير على طول الخط، وتجميل المواقف غير الشعبية، والدفاع الدائم عن كلِّ مواقف الدولة.. وقد أطلق “إدوارد سعيد” على هذا الصنف مصطلح “المثقَّف التابع”، ووظيفته ليست التفكير، بل تسويغ السلطة، وإنتاج الرضا.. ووصف الشاعر “أحمد فؤاد نجم” هذا النوع من المثقَّفين في قصيدة شهيرة “بالمثقَّف اليويو”: “يا واد يا يويو يا مبرَّراتي.. يا جبنة حادقة على فول حراتي.. استك لسانك فارد ولامم، حسب الأُبيج يا مهلّباتي… حسب الوظيفة، وأنت وشطارتك.. تظهر حلاوتك تظهر مرارتك… لو خفَّضوك ترفع حرارتك، لو صعَّدوك تقلب جيلاتي.. يا واد يا يويو يا مبرراتي”

رغم وحدة الموقف والهدف، فهناك عدة أنواع من “مثقَّفي السلطة”؛ منهم من يعمل في الصف الأمامي، ويعمل بالكتابة، أو بالإعلام، ويخاطب الجماهير بشكل مباشر، وهناك من يعمل من وراء ستار في صناعة السياسات الإعلامية، وفي صياغة المواقف الرسمية قبل إعلانها وتبنيها من قبل الفريق الأول.. وهناك من يعمل في الفريقين معاً.

2. المثقَّف المهادن، أو المثقَّف الحيادي، أو المثقَّف الانتهازي

وهو مثقَّف يختار المنطقة الرمادية، ويتجنب الصدام، ويعلن تأييده للسلطة حين تكون قوية، وينأى بنفسه عنها حين تهتز، دون أن يعلن موقفاً مبدئياً، وهو حذر للغاية، ويراقب اتجاه الريح حتى يحدد موقفه.. وهذه الفئة على حدِّ وصف البعض لها: “لا تكذب، ولكنها لا تقول الحقيقة”.. وهذا المثقَّف المهادن عادة ما يكون “عابراً للأنظمة”، و”مثقَّف كلِّ العصور”، و”رجل كلِّ الأنظمة”، فهو من اللياقة الفكرية، والمرونة الثقافية، ما تسمح له بالتعاون مع كلِّ الأنظمة المتعارضة؟

هذا المثقَّف هو اشتراكي تقدمي حين يتطلب نظام الحكم ذلك، وليبرالي رأسمالي حين يتطلب الموقف ذلك، وهو يميني في بعض الأحيان، ويساري في بعضها الآخر، المهم أن يكون ذلك متوافقاً مع نظام الحكم، ومع توجهات السلطة.. وهذا المثقَّف هو آخر المنضمين علنياً إلى السلطة، وأول القافزين من مراكبها عند الشعور بزوالها.. وهو مع السلطة، في المواقف العلنية، ومع المعارضين في جلساتهم الخاصة.. وهو يسجِّل المواقف، ويجيد استغلال (اللقطة)، ويستغلها عند الحاجة إليها.. ويرتبط هذا المثقَّف بعديد من الجهات الثقافية الدولية، وموضع رعايتها ودعمها

3. المثقَّف النقدي (المستقل)

وهو مثقَّف يمثِّل الضمير الحقيقي للمجتمع، ولا ينحاز إلَّا إلى الحقيقة، ويعتبر الحرية شرط الوجود الفكري، ويرتبط بقضايا الناس. ويرى أنَّ واجبه الأسمى هو الدفاع عن الحقيقة، حتى لو اصطدمت بمصالحه الشخصية، أو برضا السلطة، أو بإعجاب الجمهور.. وهو الذي يواجه السلطة حين تنحرف، ويمتلك شجاعة قول ما يراه حقّاً في مواجهتها، ويعتبر الصمت في لحظة الظلم تواطؤاً وليس حياداً.. وهو يدفع الثمن سجناً، واضطهاداً، وحصاراً.

وقد أطلق الفيلسوف الإيطالي “أنطونيو جرامشي” على هذا الصنف “المثقَّف العضوي”. وهذا المثقَّف، على يسار السلطة دائماً، ويمثِّل مصدر قلق لها، وتعتبره عنصراً مشاغباً.. وهو مثقَّف لا تجذبه المناصب، مثل المثقَّف الرسمي، ولا تغريه الأموال، مثل المثقَّف المهادن، ويعتبر التعبير عن الموقف رسالة تستحق التضحية في سبيلها.

4. المثقَّف الثوري المعارض (المناضل/ الراديكالي)

وهو الذي يتخذ موقف المعارض الدائم مع السلطة، ويتخذ موقفاً صدامياً مباشراً معها، ولا يكتفي بالنقد، بل يسعى لتغيير النظام ذاته، وهذا هو الفارق بينه وبين المثقَّف المستقل.. وهو يرفع شعار “مكسيم جوركي”: “خُلِقتُ لأعترض”، ويقف، مثل المثقَّف المستقل، على يسار السلطة دائماً.

هذا المثقَّف لا تجذبه الأفكار مثلما تجذبه المواقف، ولا يميل إلى الأقوال قدر ميله إلى الأفعال.. ويرى أنَّ الحياة سلسلة من المعارضات المستمرة، ومن حركات التمرد الدائمة.. ويعادي هذا المثقَّف الاستقرار الزائف.. وغالباً ما يتم اضطهاده، وسجنه، ونفيه إن أمكن

5. المثقَّف الصامت، المنسحب

وهو الذي فقد الأمل في الإصلاح، أو التغيير، فاختار العزلة، أو الهجرة الفكرية، أو الجغرافية.. ويعبِّر عن الهزيمة الأخلاقية للمثقَّف أمام بطش السلطة، وتبلُّد المجتمع، وهو مثقَّف يرى أنَّ الصمت أكرم من التزييف.. وهو مثقَّف يتجنَّب الدخول في الصراعات الفكرية أو السياسية، ويتجنَّب إبداء رأيه خوفاً من العقاب، أو التشويه، أو فقدان امتيازاته.. وهو ينصرف إلى اهتماماته الخاصة، أو الأكاديمية البحتة، ويبتعد عن الشأن العام، حتى لو كان يملك رؤية نقدية أو معرفة يمكن أن تنفع المجتمع،عادة ما يقدم تبريرات لصمته مثل “لن يتغير شيء”، “ليس هذا دوري”، أو يكرِّر العبارة الذائعة “مفيش فايدة”! وأطلق عليهم البعض “مثقَّفي الكنبة”، على غرار “حزب الكنبة” الذين يمثِّلون غالبية الشعب المصري.

وبديهي الإشارة إلى أنَّ هذه التصنيفات ليست جدراناً مغلقة وخرسانية، بل هي مسارات متحركة، فقد يبدأ المثقَّف معارضاً، وينتهي مؤيِّداً، وقد يحدث العكس.. وقد ينتهي الاثنان إلى العزلة.. وليس هناك حالة جامدة يتوقف عندها الشخص إلا في حالات معدودة، وظروف معينة.. ورغم كلِّ ما سبق، فإنَّ النسبة الأكبر من المثقَّفين، خاصة بعد ثورة يوليو 1952، قد تحولوا إلى النوعين الأوليين، وبقيت قلة يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة في كلِّ فئة من الفئات الثلاثة الأخيرة..

وفي المقال القادم نسرد أسباب تحول المثقف المصري لإمعة

 

شارك المقال: