خاص آخر الكلام معتز منصور يكتب: بين التخصيب والضغط السياسي
معتز منصور - باحث سياسي ليست مفاوضات تركيا مجرد تبادل تصريحات أو حسابات قوة بين دولتين، ولا نزاعًا يمكن اختزاله في أرقام التخصيب أو حجم المخزون. هي محاولة دقيقة لإعادة…

ليست مفاوضات تركيا مجرد تبادل تصريحات أو حسابات قوة بين دولتين، ولا نزاعًا يمكن اختزاله في أرقام التخصيب أو حجم المخزون. هي محاولة دقيقة لإعادة ضبط إطار قانوني تصدع بفعل خرق أحادي، ومرحلة تعكس هشاشة الالتزامات الدولية حين تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى. ما يجري يختبر قدرة القانون الدولي على أن يكون حاجزًا ولو جزئيًا، لا حكمًا عادلًا، بل حدًا أدنى من ضبط النزاع.
الحق في التخصيب النووي ليس منحة تُمنح أو يُناقش جدواه، بل حق ثابت لإيران بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. المعاهدة لا تضع سقفًا للتخصيب، ولا تحول نسبًا معينة إلى دليل تلقائي على الانحراف العسكري، بل تحظر السعي الفعلي إلى السلاح النووي. المادة الرابعة واضحة في هذا، وحقوق الدول غير النووية في تطوير الطاقة النووية السلمية محمية، شريطة الخضوع للرقابة الدولية. أي جدل حول نسب التخصيب العالية يظل سياسيًا وأمنيًا أكثر من كونه قانونيًا، ما لم يقترن بإثبات الانحراف عن الاستخدام السلمي.
الإشكال القانوني بدأ حين قبلت إيران قيودًا إضافية ضمن اتفاق 2015، قيودًا طوعية تتجاوز المعاهدة، مقابل رفع العقوبات. هذه القيود كانت جزءًا من توازن دقيق قائم على الالتزام المتبادل. وعندما انسحبت الولايات المتحدة عام 2018 وأعادت فرض العقوبات، انهارت هذه المعادلة، وتغيرت الأرضية القانونية للنقاش. من منظور القانون الدولي، لم يسقط حق إيران، لكنه فتح باب تعديل التزاماتها وفق قواعد المعاملة بالمثل، مع ضرورة التناسب وعدم الانسحاب الكامل من الإطار القانوني الأم.
في هذا السياق، رفعت إيران تدريجيًا مستويات التخصيب، وسعت المخزون، مع استمرار التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه الإجراءات ليست خروجًا عن القانون الدولي، بل ردًا على اختلال التوازن التعاقدي، وإجراءات قابلة للتراجع حال عودة الأطراف الأخرى إلى الالتزام. وهنا تصبح المادة 60 من اتفاقية فيينا أداة لفهم هذا الحق، لا كذريعة، بل كإطار قانوني يسمح بإعادة التوازن عند الإخلال الجوهري.
النقاش حول مخزون اليورانيوم ومستوى التخصيب في مفاوضات تركيا لا يعكس نزاعًا حول شرعية البرنامج النووي من حيث الأصل، بل حول حدود الالتزامات الطوعية ومرونة التوافق عليها. إيران لا تفاوض على حقها في التخصيب، بل على حجم القيود التي يمكن أن توافق عليها، وما يمكن أن تحصل عليه مقابل ذلك من ضمانات سياسية وقانونية.
أما الموقف الأميركي، فهو يفتقر إلى سند قانوني حين يربط رفع العقوبات بملفات خارج نطاق الاتفاق، كالبرنامج الصاروخي أو العلاقات الإقليمية. هذه المطالب لا ترد في المعاهدة ولا في القرار الذي أقر الاتفاق، وفرضها بالقوة السياسية يضعف أي اتفاق محتمل. صحيح أن واشنطن تستخدم خطاب الأمن الدولي لمنح هذه المطالب غطاء، لكن هذا الغطاء لا ينشئ التزامًا قانونيًا، بل قوة سياسية هشّة، قابلة للتراجع مع أي إدارة جديدة.
مسألة الضمانات تمثل عقدة قانونية معقدة أخرى. إيران تطالب بحماية تمنع الانسحاب الأميركي المتكرر، لكن النظام الدستوري الأميركي لا يسمح بذلك إلا عبر معاهدة تصادق عليها السلطة التشريعية، وهو خيار عمليًا غير متاح. هذا التناقض البنيوي يجعل أي اتفاق هشًا، مهما بلغت دقته الفنية، ويجبر إيران على إيجاد مساحة تفاوضية تحمي حقوقها وتثبت التزامها بالقانون الدولي.
ورغم كل ذلك، لا يمكن التقليل من دور القانون الدولي. حتى مع سجل الولايات المتحدة في تجاوز القواعد، يظل القانون إطارًا يفرض حدًا ويجعل أي خرق مسؤولًا عنه. التمسك الإيراني بالإطار القانوني لا يمنع الضغوط، لكنه يجعل أي تصعيد مكلفًا، ويحد من قدرة الأطراف على اختزال النزاع إلى توصيف أمني مطلق.
مفاوضات تركيا، بهذا المعنى، ليست فقط اختبارًا لإحياء اتفاق نووي، بل اختبارًا لقدرة القانون الدولي على أداء وظيفته الأساسية: ضبط النزاعات، تقليص شرعنة استخدام القوة، وإبقاء احتمالات التسوية مفتوحة، ولو ضمن حدود ضيقة. ليست حماية كاملة، وليست ضمانة مانعة، لكنها إطار حقيقي في عالم غير متكافئ، حيث القوة وحدها لا تكفي، والقانون، حتى ولو كان هشًا، يظل حائط صد جزئيًا يمكن البناء عليه
رابط المقال المختصر:





