علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
قصة إنسانية
يوسف عبد اللطيف

يوسف عبد اللطيف يكتب: لغز الموت المنسي على الأسفلت (قصة إنسانية)

مشتاق يتأمل الأسفلت عبر شاشات العرض المكيفة، ويرى اتساع الفجوة في عام 2020 إلى 244 ألفا و132 حالة إسعاف إضافية كأكبر فارق عددي خلال عقد كامل، كمجرد انحراف إحصائي عابر لا يعكر صفو لقطات الإنجاز الدفتري المزين بالموازنات الفلكية.

مشاركة:
حجم الخط:

 تريليونات على الطرق و1.5 مليون ضحية تائهة

على مصطبة مستشفى قديم، جلس الخال “عبد المعبود” السائق العجوز يربط ركبته المصابة بقطعة شاش ملوثة، وينظر بدهشة لتقرير طبي يسأله موظف الاستقبال إمضاءه.

التفت العجوز قائلا بمرارة لاذعة: “يا بني أنت كاتب في الورق إني خرجت سليم بعد الإسعافات الأولية عشان تقفل المحضر، بس أنا رجلي مكسورة ومش هعرف أسوق تاني

“الورق عندكم بيداوي الدفاتر، بس الأسفلت بره بياكل في عضمنا وعمرنا بلا إيصالات!”

المشهد يختصر كل شيء، نزيف الأسفلت في بلادنا لم يعد مجرد حوادث طرق، بل تحول إلى لغز رقمي محير يعجز عن حله جهابذة الإحصاء.

فبينما تشير بيانات نشرة حوادث السيارات والقطارات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تسبب الحوادث في وقوع نحو 518 ألف قتيل ومصاب خلال الفترة بين عامي 2015 و2024..

تفاجئنا سجلات نشرة “الخدمات الصحية” الصادرة عن نفس الجهاز بوقوع نحو مليوني قتيل ومصاب!

لتظل هناك فجوة مرعبة بقيمة 1.5 مليون حالة تائهة بين عجلات المقطورات والتقارير الإحصائية المتباينة، حيث جاء رقم الإسعاف قريبا من أربعة أمثال حصيلة النشرات الرسمية التي تستند إليها الإدارة التنفيذية!

مشهد 1

يقف (عاشور العايق) متكئا على عصاه البلوطية متمتما بلسانه السياسي العتيق:

«قديما كانت الأرقام وثيقة شرف تحاسب المقصرين وتكشف الخلل ميدانيا.

النهاردة المخططون بيمرروا وعود الجاهزية الرقمية، بينما في الفترة بين عامي 2015 و2019 سجلت نشرات الحوادث نحو 171 ألف قتيل ومصاب، مقابل 874 ألف حالة إسعاف، بفارق 703 آلاف حالة مسكوت عنها تنظيما لتجميل الحسابات الدفترية الباردة!»

حصيلة الحوادث قديما كانت تقاس بحجم الانضباط في الأكمنة، واليوم في طابور الأرقام أصبحت الضحايا تقسم بين مستشفيات عامة تسجل فقط الحالات التي وصلت إليها، وبين دفاتر الإسعاف التي ترصد الحالات الميدانية والمستشفيات الخاصة التي لا تصل بياناتها الرسمية للوزارة.

مشهد 2

يطل (عبده مشتاق) بوجه يشع نضارة خلف منبر المؤتمر الصحفي السنوي، مشيرا إلى خريطة المحاور الجديدة بلغة حماسية:

«لقد حققنا طفرة غير مسبوقة بتخصيص نحو تريليوني جنيه لتطوير قطاع النقل، منها 530 مليار جنيه للطرق والكباري، و225 مليار جنيه على السكك الحديدية، وحصيلة الخسائر تراجعت بنسب مئوية مطمئنة تعبر بالمنظومة إلى بر الأمان والسيولة المطلقة!»

مشتاق يتأمل الأسفلت عبر شاشات العرض المكيفة، ويرى اتساع الفجوة في عام 2020 إلى 244 ألفا و132 حالة إسعاف إضافية كأكبر فارق عددي خلال عقد كامل، كمجرد انحراف إحصائي عابر لا يعكر صفو لقطات الإنجاز الدفتري المزين بالموازنات الفلكية.

مشهد3

تنزوي (الست صابحة المايسترو) في ركن غرفتها، تضمد جرح ابنها الذي صدمه سيرفيس متهالك:

«كنا زمان بنقول الأكمنة الاستباقية بتحمي الأرواح، والنهاردة بلغت نسبة زيادة ضحايا الحوادث المسجلة في نشرة الطرق 118.7% خلال السنوات الخمس الأخيرة لتصل إلى 347 ألف ضحية.

والوزارة بتصالح المنصات ببيانات التهدئة بينما الإسعاف سجلت في نفس الفترة أكتر من 1.119 مليون حالة صرخت على الأسفلت.. الدعم المروري شكله راكب عربية سريعة وإحنا بندفع ثمن تذكرة الفرجة من دماء عيالنا!»

صابحة تدير خوفها بـ “الفوتوشوب الحسابي” ناسية أن الأرقام المرعبة للفترة بين عامي 2019 و2025 والتي سجلت 49 ألف وفاة و476.2 ألف مصاب وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لا يمكن علاج تداعياتها ببيانات العلاقات العامة.

مشهد 4

يخرج (مسعد بيه ترزي اللوائح) من حقيبته الدبلوماسية مقترحا تنظيما إداريا جديدا:

«مواجهة فجوة البيانات تتطلب تفعيل آليات الربط الدفتري وتشكيل مجالس عليا لتوحيد مصادر الإحصاء الاسترشادي”

ثم أضاف واثقا:

“التاريخ يسجل التباين منذ عام 2015 بفارق 99 ألفا و197 حالة، ليتسع في 2017 إلى 143 ألفا و426 حالة حين كان رقم الإسعاف تسعة أمثال الرقم الآخر، والأزمات في كتالوج الإدارة تحل بالتقارير التي تحذف المصابين الذين جرى إسعافهم في موقع الحادث لإخفاء الأرقام الفعلية عن عيون المجتمع!»

الترزي يرى أن المواطن يشفى من قراءة مؤشرات الهبوط النظري، متناسيا أن أهالي الضحايا لا يفهمون لغة التبريرات التي جعلت رقم عام 2016 يسجل 151 ألفا و991 حالة إسعاف مقابل 24 ألفا و215 ضحية فقط في النشرة الموازية.

مشهد 5

يمر (عم بهنسي الفلاح) بجلبابه الطيني، ينظر إلى لافتات التطوير المرفوعة على المحاور الزراعية ويتحسر بمرارة الأرض:

«كنا بنقيس الممر بأمان العبور وحمولة المقطورة، والنهاردة بنقيس طول الطريق بطول طوابير الإسعاف اللي بلغت في عام 2021 نحو 261 ألفا و331 حالة مقابل 60 ألفا و11 شخصا في الدفاتر التانية”

ثم سرح لحظة وقال:

“هما يكتبوا التقارير بالـ (ألوان) لتغطية العجز، وإحنا في الغيط بنفقد عيالنا تحت عجل النقل السريع اللي ماشي بلا كبح ولا رخصة!».
بهنسي يرى الملايين تصرف على الأسفلت، بينما جيبه لا يحصد سوى رماد الوعود العائمة التي تطلقها جيل المنصات لتبرير فجوة عام 2023 التي بلغت 174 ألفا و697 حالة تائهة بين ورق الصحة وسيارات الطوارئ.

مشهد 6

يصيح (الأستاذ حلبة الحصالة) وهو يجمع رسوم المتابعة الفنية ورخص التشغيل الاستثنائية:

“الطريق الاستراتيجي خدمة مدفوعة، ومن يريد الأمان عليه الالتزام بالتعريفة الفوقية بكفاءة، حتى لو انخفض الفارق في عام 2024 إلى 43 ألفا و638 حالة كأقل فجوة في السنوات العشر، فالمنظومة تعمل بنظام الحوافز، والحصالة لازم تملي لضمان استمرار التشغيل الرقمي وتغطية النفقات الباهتة!”

حلبة يرى في تضارب الأرقام فرصة ذهبية لتمرير ميزانيات الصيانة الصورية، معتبرا جيوب مفروم أفندي بئرا بترولية لا تنضب لسداد غرامات المخالفات المسكوت عنها.

تظل معادلة الأسفلت قائمة بوضوح مذهل يحترم عقل الأمة

حين تنكشف التقارير الحسابية الصماء وتتسع فجوة المليون ونصف المليون ضحية، يترك “ترزي اللوائح” و”عبده مشتاق” خلف المنصات ليتجاذبوا أطراف الحديث عن تريليونات التطوير وخطط الاستقرار المروري.

بينما تطبخ الأيدي الخشنة بـ (الشاش الملوث) أنين الردع الحقيقي في طوابير المستشفيات الحكومية والخاصة بعيدا عن أعين الكاميرات.

شارك المقال:

شاركنا برأيك