مقالات
محمد زكي
محمد زكي

كاتب صحفي

محمد زكي يكتب: اخطاء جمال عبد الناصر في الميزان؟

في أسوا الأحوال يمكن القول أن التقدم الذي حققه جمال عبد الناصر في مجال الديمقراطية والحريات السياسية لم يكن كافيا بقدر ما حقق في الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والتعليم والصحة والاستقلال الوطني والسياسة الخارجية.

مشاركة:
حجم الخط:

عندما يتحدث البعض عن مساوئ ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر ويهيلوا التراب على كل انجازاته وعلى مرحلة هامة في تاريخ مصر المعاصر

لا يستطيع أحدهم أن يقدم مقارنة واحدة في أي مجال تثبت أن الوضع في هذا المجال كان افضل خلال الفترة الملكية تحت الاحتلال البريطاني.

جمل مرسلة من نوع “هو اللي خربها”

لكن لا يستطيعوا اثبات هذا الخراب في مجال واحد بشكل نزيه ومحترم، غالب هؤلاء يتبعون الوحدة 8200 في الموساد سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

غالبا ما يتحدث هؤلاء عن التعذيب والسجون والديمقراطية وتداول أحزاب السلطة لمنصب رئيس الوزراء وسعر الجنيه.

ثم يتناسوا عمدا التعذيب والسجون بل والاغتيالات السياسية للمعارضين التي كانت من مظاهر الفترات السابقة لثورة يوليو.

الحديث عن ديمقراطية الباشاوات أكذوبة

تشهد عليها مدة حكم حزب الوفد صاحب الشعبية والأغلبية في ذلك الوقت، ويشهد عليها شرط الترشح لمن يدفع ضرائب سنوية 150 جنيه.

والحديث عن نزاهة الصناديق والعملية الانتخابية يشهد عليها هزيمة النحاس باشا ومكرم عبيد في انتخابات 38 على يد محمد محمود باشا وزير الداخلية، ويشهد عليها تغيير الحكومة رغما عن أنف الملك تحت تهديد الدبابات البريطانية 1942.

في أسوا الأحوال يمكن القول أن التقدم الذي حققه جمال عبد الناصر في مجال الديمقراطية والحريات السياسية لم يكن كافيا بقدر ما حقق في الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والتعليم والصحة والاستقلال الوطني والسياسة الخارجية.

هذا سيكون أكثر موضوعية ومعقولية

لكن الحديث عن ديمقراطية أفسدها عبد الناصر فهذا عبث مغرض، فالرجل الذي أعطى للمرأة حق التصويت والترشح أضاف للتجربة الديمقراطية ووسع مجال المشاركة الشعبية.

توسع عبد الناصر في انشاء المدارس والجامعات والمستشفيات والوحدات الصحية في الريف والحضر وأنشأ 1200 مصنع و بنى 11 ألف مسجد.

ودعم حركات التحرر وحارب وانتصر وهُزم، كل هذا وظل سعر الجنيه المصري كما هو 2.5 دولار بفارق قرشين عن نهاية حكم فاروق حيث كان الدولار ب 38 قرش.

عبد الناصر كان إضافة غير طبيعية وطفرة تنموية وسياسية لهذا البلد لا يمكن لمنصف تجاهلها أو التقليل منها

أتفهم دوافع البعض في هذا الهجوم الظالم غير المنطقي حيث أنهم يربطون كل الفترة من 1952 حتى الآن بخيط واحد هو البدلة العسكرية.

يجعلون منها بوابة لأي فشل ولا يقبلوا أي إنجاز لفترة عبد الناصر لأنها ستحسب بالضرورة كإنجاز ” للعسكر ” 

هؤلاء عندما يتحدثون عن الديمقراطية قبل ثورة يوليو غالبا يقصدون بها أن يكون رأس الدولة مدنيا لا عسكريا وألا يتولى المناصب السياسية إلا السياسيين.

هؤلاء قضيتهم صحيحة واستدلالهم فاسد

فكل من حكم مصر قبل ثورة يوليو كان عسكريا حتى فاروق لم يكن مدنيا بل كان دارسا للعلوم العسكرية ولم يكمل دراسته ولم يحكم لكونه مدنيا بل لكونه ورث مصر بمن فيها.

عبد الناصر لم يحكم لكونه عسكريا بل حكم لكونه قائد ثورة أو انقلاب أو حركة مباركة أيا كانت التسمية التي تفضلها.

لم يكن من كبار القادة والضباط بل كان ضابطا صغيرا برتبة مقدم اهتم بالسياسة منذ أن كان طالبا واحتك بتنظيمات سياسية عديدة.

كان قارئ جيد ومثقف واعي اسس تنظيما سياسيا في الجيش

وقاد حركة أطاحت بالملك وألغت الملكية والتوريث

أفهم أن يقول البعض هذه مرحلة تاريخية عظيمة مضت وكثير من دول العالم حكمها ضباط وهذا كان في حينه وضع عالمي سائد.

لكن استمرار هذا الوضع أصبح عبئا على الدولة حيث أنه لن نضمن أن يكون كل حاكم قادم من الجيش مثقفا سياسيا وموهوب بالفطرة كعبد الناصر.

نريد تجاوز ذلك وتطوير أدوات الديمقراطية والحكم ونريد نزاهة الانتخابات وتداول سلمي للسلطة.

ليس بالضرورة أن تسئ إلى الماضي وتعمل على تشويهه لكي تطالب بما هو حق بل يمكن أن تكون قضيتك عادلة واستدلالك صحيح

شارك المقال: