علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: ترامب بعد الهزيمة.. إيران ومأزق القوة الأمريكية

الحرب التي أرادها ترامب لتأكيد أن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على فرض إرادتها في الشرق الأوسط أعادت طرح السؤال داخل أمريكا نفسها

مشاركة:
حجم الخط:

خاص موقع اخر الكلام

الحرب التي أراد دونالد ترامب أن يجعل منها برهانا على استعادة الهيبة الأمريكية تحولت إلى عبء يلاحقه داخل بلاده. فالانتخابات النصفية لم تكتف بإضعاف موقع الجمهوريين في الكونجرس، وإنما كشفت أن استخدام القوة العسكرية في الخارج لم يعد ضمانة لتعزيز سلطة الرئيس في الداخل، وأن كلفة المواجهة مع إيران بدأت تدخل مباشرة في حسابات بقاء الحزب الحاكم وقدرته على الاحتفاظ بنفوذه.

لم يكن رد فعل نائب الرئيس جاي دي فانس أقل دلالة من نتائج الانتخابات نفسها. ففي أقل من أربع وعشرين ساعة على الهزيمة، نشر مراجعة لأسباب خسارة الجمهوريين، مستندا إلى آراء ناخبين سبق أن صوتوا لترامب ثم اتجهوا إلى الديمقراطيين. وجاءت أولوياتهم واضحة: إنهاء الحرب، التركيز على التضخم وتكاليف المعيشة، تقديم مصلحة أمريكا أولا، وتغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

بهذا الترتيب، دخلت الحرب والعلاقة مع إسرائيل إلى قلب المراجعة الجمهورية، ولم تعد المسألة مجرد خلاف حول أداء الإدارة أو أخطاء حملاتها الانتخابية. فالحزب الذي استعاد ترامب من خلاله البيت الأبيض تحت شعار أمريكا أولا يجد نفسه أمام ناخبين يسألون عن جدوى حرب تستنزف موارد بلادهم، وعن طبيعة الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل، وعن المسافة الفاصلة بين حماية المصالح الأمريكية وتنفيذ أولويات حكومة بنيامين نتنياهو.

المعضلة أن ترامب بنى جانبا أساسيا من مشروعه السياسي على وعد باستعادة القوة الأمريكية وتقليص الأعباء الخارجية التي تتحملها بلاده. لكنه انتهى إلى مواجهة تكشف التناقض بين الشعار والممارسة. فالولايات المتحدة تتحمل كلفة الانتشار العسكري والتصعيد ومخاطر اتساع الحرب واضطراب أسواق الطاقة والملاحة، بينما ترتبط أهداف المواجهة بحسابات إسرائيلية تريد إضعاف إيران وتغيير موقعها الإقليمي إلى أقصى مدى.

نتنياهو يريد حربا تضع إيران أمام استنزاف طويل، وتعيد تشكيل ميزان القوة في المنطقة بما يضمن التفوق الإسرائيلي. أما واشنطن فتتعامل مع حسابات أكثر اتساعا، تشمل أمن قواعدها وجنودها، ومصالحها الاقتصادية، واستقرار أسواق الطاقة، وموقعها الدولي، وقدرتها على الاحتفاظ بمواردها لمواجهة منافسين آخرين. وقد تلتقي الأهداف الأمريكية والإسرائيلية عند إضعاف إيران، لكن هذا الالتقاء لا يلغي اختلاف الحسابات بشأن حجم الحرب ومدتها ونهايتها.

والتحالف مع إسرائيل أعمق من أن يتغير بتبدل رئيس أو نتيجة انتخابات. فهو شبكة مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية ومؤسسية متجذرة داخل الدولة الأمريكية، لكن هذه الحقيقة لا تعني أن كلفته محصنة من النقاش الداخلي. فإدراج فانس تغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل ضمن مراجعة أسباب الهزيمة الجمهورية يكشف أن الاعتراض لم يعد محصورا في التيارات المناهضة لسياسات تل أبيب داخل الحزب الديمقراطي، وإنما امتد إلى قطاعات من القاعدة الانتخابية التي أوصلت ترامب إلى السلطة.

هنا يصبح شعار أمريكا أولا موضع اختبار فعلي. فإذا كانت مصالح الولايات المتحدة هي معيار القرار، فإلى أي مدى يمكن تبرير تحمل مخاطر حرب إقليمية واسعة لتحقيق أهداف تتجاوز الحسابات الأمريكية المباشرة؟ ومن يملك حق تحديد سقف الالتزام الأمريكي، الإدارة المنتخبة أم شبكة المصالح التي تجعل أمن إسرائيل أولوية ثابتة في السياسة الخارجية؟ هذه الأسئلة لم تعد محصورة في دوائر البحث السياسي، فقد وجدت طريقها إلى الناخب الأمريكي وإلى المراجعة التي بدأها نائب الرئيس نفسه.

ومع ذلك، فإن انتقال السلطة التشريعية إلى الديمقراطيين لا يعني انقلابا في طبيعة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة. فالحزبان يلتقيان عند حماية النفوذ الأمريكي ومصالحه الاستراتيجية، وإن اختلفا في إدارة القوة وتوزيع كلفتها. كما أن المواقف الاجتماعية الليبرالية لقطاعات واسعة من الديمقراطيين، بما تتضمنه من دفاع عن الحريات الفردية وحقوق الأقليات ومناهضة التمييز، لا تتحول تلقائيا إلى سياسة خارجية مناهضة للهيمنة الأمريكية أو للتحالف مع إسرائيل. الخلاف هنا يتعلق بدرجة الالتزام وأدواته وتكلفته، وليس بالتخلي عن موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي.

لكن تغير الأغلبية في الكونجرس يمنح خصوم ترامب أدوات لم تكن متاحة لهم بالقدر نفسه. التحقيقات والاستدعاءات والرقابة على الموازنات والاعتمادات العسكرية، كلها يمكن أن تتحول إلى وسائل ضغط على الإدارة، خصوصا إذا اتجه الرئيس إلى توسيع المواجهة أو عجز عن تقديم نتائج يمكن تسويقها باعتبارها انتصارا. وقد يصبح الجمهوريون أنفسهم أكثر حذرا في الدفاع عن قراراته إذا شعروا أن استمرار الحرب يهدد فرصهم الانتخابية المقبلة.

أما إيران، فلم تكن طرفا ينتظر ما ستقرره واشنطن بشأن مستقبل المواجهة. فقد امتلكت أوراق تأثير تجعل أي تصعيد أمريكي مرتبطا بحسابات تتجاوز ميزان القوة العسكرية المباشر، من أمن القواعد والمصالح الأمريكية إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية. وهذه هي المشكلة التي تواجه صانع القرار الأمريكي: القدرة على إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بالخصم لا تمنح بالضرورة القدرة على إخضاعه سياسيا، ولا تضمن التحكم في ردوده أو تحديد توقيت انتهاء المواجهة.

أمام ترامب خياران، توسيع التصعيد أم البحث عن مخرج سياسي. الأول قد يمنحه فرصة لاستعادة صورة الرئيس الحاسم، لكنه يحمل مخاطر تحويل الخسارة الانتخابية إلى استنزاف استراتيجي واقتصادي أوسع. والثاني قد يخفف الأعباء عن الولايات المتحدة، لكنه يضعه أمام اتهامات بالتراجع، خصوصا من نتنياهو والتيارات الجمهورية التي جعلت من استعراض القوة معيارا للحكم على أدائه.

وفي خلفية الصراع تبقى احتمالات مساءلة ترامب أو الدفع نحو عزله مرتبطة بمدى تحول التراجع الانتخابي إلى مواجهة مؤسسية. فالعزل ليس نتيجة تلقائية لخسارة الانتخابات، وإنما مسار دستوري يتطلب أغلبية في مجلس النواب ثم أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ للإدانة والعزل. غير أن تراجع سيطرة الجمهوريين على الكونجرس يغير البيئة التي يتحرك فيها الرئيس، ويضع قراراته تحت رقابة وضغوط أشد.

الحرب التي أرادها ترامب لتأكيد أن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على فرض إرادتها في الشرق الأوسط أعادت طرح السؤال داخل أمريكا نفسها: ما الذي تكسبه واشنطن من هذه المواجهة، وما الذي تخسره، ولصالح من تتحمل كل هذه الكلفة؟

لم تعد أزمة ترامب محصورة في كيفية إدارة الحرب، وإنما في التناقض بين القوة التي يستطيع استخدامها والنتائج التي يستطيع ضمانها. يستطيع البيت الأبيض اتخاذ قرار التصعيد، لكنه لا يستطيع أن يقرر منفردا كيف سترد إيران، ولا أن يضمن أن تنتهي الحرب وفق الحسابات الإسرائيلية، ولا أن يعزل الداخل الأمريكي عن نتائجها. وهكذا عادت المواجهة إلى واشنطن، لتصبح جزءا من الصراع على السلطة ومستقبل المشروع الأمريكي نفسه.

شارك المقال:

شاركنا برأيك