علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
محمود السيد محمد
محمود السيد محمد

باحث في المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والفكر الاستراتيجي

محمود السيد محمد يكتب: الشارع الأوروبي ينتفض

إذا اتسعت الفجوة بين الوعود الأوروبية والواقع المعيشي، فقد يتحول التأييد الشعبي للعضوية إلى خيبة أمل من الطبقة السياسية التي تدير هذا المسار.

مشاركة:
حجم الخط:

 أزمة الثقة بين كلفة المعيشة وأولويات الدولة

في 24 أكتوبر، لم تكن الشوارع الأوروبية تعبر عن غضب عابر. في فرنسا، خرج مئات الآلاف رفضاً لتكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية.

وفي إيطاليا، اختلط الاعتراض على التسلح والحروب بمطالب اجتماعية ملحّة.

أما ألبانيا، فشهدت مواجهات بين الشرطة ومحتجين يطالبون برحيل الحكومة.

وفي مدريد، احتشد متقاعدون للدفاع عن معاشاتهم، بينما خرج عشرات الآلاف في البرتغال قبل أيام احتجاجاً على أزمة السكن وغلاء الحياة.

لكل بلد من هذه البلدان أسبابه الخاصة، ولا أحد يستطيع أن يقول إنها تتحرك ببرنامج واحد.

لكن تزامنها في الأسبوع نفسه يقول إن المواطن الأوروبي يريد أن يعرف أين تذهب أمواله، وما الذي يحصل عليه مقابل ضرائبه، ولماذا تبدو الوعود الرسمية بعيدة عن حياته اليومية.

محمد الروبي يكتب: عن الثورة والخراب، حين تختفي الحقيقة خلف دخان الحرائق

فرنسا: غضب لم تحوه الإجراءات

أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة نحو 410 آلاف شخص في الاحتجاجات، بينما قالت النقابات إن العدد اقترب من 800 ألف.

والفارق بين التقديرين كبير، لكنه لا يغير حقيقة أن التحرك جاء على خلفية غضب اجتماعي واسع، شمل غلاء المعيشة وعدم المساواة وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب احتجاجات طلابية على أوضاع المدارس ونقص المدرسين والموارد.

دفعت السلطات بنحو 70 ألفًا من أفراد الشرطة والدرك لتأمين المظاهرات، بعدما شهدت تحركات سابقة أعمال تخريب واشتباكات.

ومع اندلاع مواجهات في باريس ومدن أخرى، عادت الحكومة إلى معضلة قديمة: كيف تحمي الأمن العام من دون أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى بديل عن الحل السياسي؟

فالتعامل مع أعمال العنف ضرورة، لكن اختزال احتجاجات واسعة في سلوك مجموعات محدودة لا يعالج أسباب الغضب الذي أخرج الناس إلى الشوارع.

الانتخابات الرئاسية في 2027 تلقي بظلها على كل هذا.

المعارضة تعرف أن الغضب في الشارع قد يتحول إلى أصوات في صناديق الاقتراع، خصوصاً إذا لم يلمس الناس نتائج أي إجراء حكومي.

ومن المقرر أن يشهد 31 أكتوبر تحركات جديدة لمجموعات من السترات الصفراء، ولم يتضح بعد ما إذا كانت النقابات والطلاب سينضمون إليها، مظاهرات 24 أكتوبر قد لا تكون نهاية الموجة.

إيطاليا: اختبار الإضراب لا حجم الشعارات

في إيطاليا، يتخذ الصراع صورة أكثر ارتباطًا بميزانية الدولة وبموقع البلاد في البيئة الأمنية الأوروبية.

فالتقديرات الواردة في بيانات الإنفاق الدفاعي لحلف شمال الأطلسي تشير إلى أن إيطاليا ستنفق نحو 48.31 مليار يورو في 2026 على الإنفاق الدفاعي الأساسي وفق تعريف الحلف، بما يعادل 2.10% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذه تقديرات وليست حصيلة نهائية، كما أن الرقم يتبع منهجية حسابية محددة، فلا يصح التعامل معه باعتباره إجمالي كل ما قد تنفقه الدولة على الأمن والدفاع بمفاهيم أخرى.

المقارنة الأوسع تثير بدورها أسئلة سياسية. فالإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي يُتوقع أن يصل إلى 454 مليار يورو في 2026، أي نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات وكالة الدفاع الأوروبية.

وتبرر الحكومات هذا التوسع بالحرب في أوكرانيا والمخاوف الأمنية والضغوط داخل حلف الأطلسي.

لكن المواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف السكن والطاقة أو صعوبة الحصول على خدمة عامة جيدة يريد أن يعرف كيف ستتوزع أعباء هذه السياسة، ومن سيتحمل كلفتها.

ليس دقيقًا القول إن كل يورو يذهب إلى الدفاع يُقتطع تلقائيًا من الصحة أو التعليم؛ فالموازنات أكثر تعقيدًا من ذلك.

غير أن زيادة الإنفاق العسكري تفرض اختيارات مالية وسياسية، ويصبح من حق الناخب أن يسأل عن ترتيبها، خصوصًا حين تطلب الحكومة من المجتمع قبول أعباء اقتصادية إضافية.

في إيطاليا، هناك ما هو أبعد من الشارع. اتحاد USB أعلن إضرابًا عامًا في 30 أكتوبر يشمل قطاعات عامة وخاصة، ونقابة CGIL أعلنت إضرابًا آخر في 20 نوفمبر.

هذان تحركان منفصلان، ولا يصح الخلط بينهما أو افتراض أنهما إضراب واحد.

لكن مجرد انتقال الاحتجاج من الشارع إلى مواقع العمل يرفع كلفته السياسية، الحكومة لن تواجه صور متظاهرين فقط، بل احتمال تعطيل قطاعات من الاقتصاد والخدمات.

ألبانيا: احتجاج على الحكومة وثقة الدولة

الحالة الألبانية تقدم نموذجًا مختلفًا للأزمة الأوروبية. فقد استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق احتجاجات في تيرانا، وسط مطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد واعتراضات على البطالة وضعف التعليم.

وهذه اتهامات يطرحها المحتجون، وليست أحكامًا قضائية نهائية، لكن المواجهات تعكس مستوى من التوتر لا يمكن التعامل معه بوصفه مشكلة أمنية فقط.

تسعى ألبانيا إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، وقد حققت تقدمًا في مفاوضات العضوية. وفي أكتوبر 2026، استمر المسار التفاوضي، بعد أن أحرزت البلاد تقدمًا في عدد من الملفات خلال الأشهر السابقة.

غير أن الموقف الأوروبي لا يقوم على فتح أبواب العضوية وحده؛ إذ يشترط التقدم في سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، ومكافحة الفساد، وحماية عمل المؤسسات الديمقراطية.

وقد شدد البرلمان الأوروبي في يونيو على القلق من الاستقطاب السياسي وضعف الرقابة البرلمانية وما يترتب عليهما من تراجع الثقة العامة.

هنا تواجه تيرانا اختبارًا مزدوجًا: احتواء الاحتجاجات مع احترام الحق في التعبير، وإثبات أن مسار الانضمام ليس مجرد هدف دبلوماسي، بل عملية إصلاح داخلية يشعر المواطن بنتائجها.

وإذا اتسعت الفجوة بين الوعود الأوروبية والواقع المعيشي، فقد يتحول التأييد الشعبي للعضوية إلى خيبة أمل من الطبقة السياسية التي تدير هذا المسار.

إسبانيا والبرتغال: المعاشات والسكن

في إسبانيا، خرج نحو 25 ألف شخص وفق تقدير السلطات في مدريد، بينما رفعت الجهة المنظمة العدد إلى قرابة 50 ألفًا، دفاعًا عن نظام المعاشات العامة.

طالب المحتجون باستمرار ربط المعاشات بالتضخم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات، وتقليص الفجوة بين الرجال والنساء، ورفض التوجه نحو خصخصة النظام.

وجاءت المظاهرة قبل الانتخابات العامة المقررة في 29 نوفمبر، ما جعل ملف التقاعد جزءًا من الصراع الانتخابي، لا مجرد مطلب لفئة عمرية بعينها.

وتكشف الأرقام سبب حساسية الملف: فاتورة المعاشات الشهرية في إسبانيا بلغت مستوى قياسيًا يقترب من 14.5 مليار يورو خلال العام الجاري.

مع ارتفاع أعداد المتقاعدين وتراجع نسبة العاملين إلى المتقاعدين، يصبح تمويل النظام قضية طويلة الأجل.

لكن معالجة الاستدامة المالية لا يمكن أن تقوم على إثارة الخوف لدى كبار السن من فقدان حقوقهم، كما لا يمكن تجاهل العبء الذي تتحمله المالية العامة.

المطلوب نقاش واضح بشأن مصادر التمويل، وسوق العمل، وعدالة توزيع الأعباء بين الأجيال.

أما البرتغال، فقد شهدت لشبونة في 17 أكتوبر مسيرة شارك فيها عشرات الآلاف، بحسب تقدير النقابة المنظمة التي لم تعلن الشرطة رقمًا مقابلًا.

واحتج المشاركون على غلاء المعيشة وأزمة السكن، في وقت ارتفعت فيه أسعار العقارات بنحو 180% منذ عام 2015، وفق تقرير لصندوق النقد الدولي، مع تسجيل زيادة سنوية بلغت 19% في الربع الأخير من 2025.

وتؤكد هذه الأرقام أن المشكلة ليست مجرد شعور عابر بارتفاع الإيجارات؛ إنها أزمة قدرة على امتلاك مسكن أو تحمل كلفته، خصوصًا لدى الشباب وأصحاب الدخول المحدودة.

وحين يتحول السكن إلى عبء يستنزف الدخل قبل تلبية الاحتياجات الأخرى، تتراجع قدرة الأفراد على الادخار والاستقرار وتكوين الأسر.

لذلك لم تعد أزمة العقارات ملفًا اقتصاديًا منفصلًا عن السياسة؛ إنها تمس تصور المواطن لمستقبله، وقدرته على البقاء في مدينته، ومدى عدالة النظام الذي يترك الأسعار ترتفع بوتيرة تفوق قدرة قطاعات واسعة على اللحاق بها.

أوروبا التي ستخرج من هذه المرحلة

لا توجد قيادة أوروبية واحدة تقف خلف هذه الاحتجاجات، ولا برنامج سياسي مشترك بين المتظاهرين في باريس وروما وتيرانا.

لكن الحكومات في هذه العواصم تواجه السؤال نفسه: كيف ترتب أولوياتها، ومن يدفع الثمن، وهل تستطيع أن توفر الأمان الاقتصادي لمواطنيها؟

الإجابات تختلف من دولة إلى أخرى، لكن تجاهل السؤال يفتح الباب للشعبويين والقوميين ليقدموا أنفسهم بديلاً وحيداً.

حين أتحدث عن التفكك الأوروبي، لا أعني انهيار الاتحاد قانونياً.

أعني تراجع قدرة دوله على اتخاذ قرارات مشتركة، واتساع الخلاف بينها حول الدفاع والهجرة والطاقة والإنفاق، وعودة الحكومات إلى تقديم مصالحها الوطنية على التزامات التكامل.

قد يظهر ذلك في تعطيل قرارات، أو صعود نزعات قومية، أو مقاومة سياسات أوروبية مشتركة، حتى لو بقي الاتحاد قائماً بمؤسساته ومعاهداته.

أعتقد أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة تراجع سياسي قد تتسع في السنوات المقبلة. الأزمات الاجتماعية المتراكمة، والخلافات حول الإنفاق الدفاعي والهجرة والطاقة، وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، كلها تضغط على المشروع الأوروبي من الداخل.

إذا عجزت الحكومات عن تقديم تسويات حقيقية، فستصبح العواصم أقل استعداداً للتنازل من أجل قرارات مشتركة، وأكثر ميلاً لحماية حساباتها الوطنية حتى على حساب الاتحاد.

لن ينهار الاتحاد الأوروبي دفعة واحدة. لكن أوروبا التي ستخرج من هذه المرحلة لن تكون كما كانت.

قد يبقى الاتحاد قائماً على الورق، بينما تتراجع قدرته على التحرك كقوة سياسية موحدة.

عندما يشعر المواطن أن المشروع المشترك لا يحمي مستوى معيشته، وتجد الحكومات أن التوافق الأوروبي يقيّد خياراتها، يصبح التصدع تدريجياً لكنه أعمق من أزمة عابرة في الشارع.

ما نشهده اليوم قد يكون بداية إعادة تشكيل أوروبا، لا مجرد موجة احتجاجات تنتهي بانتهاء أكتوبر.

شارك المقال:

شاركنا برأيك